كي يبقى عيد العمّال مصدر أمل وله معنىً

لم تترك الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان باباً ينفذ منه الفرح  يتيح للعمال  أن يهنأوا بعيدهم إلا واقفلته. لذلك أتى الأول من أيار هذا العام، مسبوقاً ببلوغ عهر تلك الطبقة وحلفائها وملحقاتها من عصابات ومافيات، مستويات خيالية. أتى عيد العمال وأهل السلطة يتسابقون على تحميل العمال والأجراء مسؤولية الجرائم المرتكبة من قبلهم بحق البلد وأهله. أتى العيد وأبطال السرقة والنهب والهدر يكثرون من وعود الإنقاذ من الإنهيار، فيما هم يقررون  خططاً لمشاريع لن تنفذ، لأنهم اتفقوا مسبقاً على تقاسم صفقاتها ومغانمها والأرباح التي تتأتى منها مسبقاً. حلّ العيد والمسؤولين عن إدارة  إنهيار الدولة ومؤسساتها، وعن تراكم الديون وعجز الخزينة المنهوبة، يتهمون  العمال والموظفين وذوي الدخل المحدود بأنهم  سبب كل الأزمات، وعليهم  أن يدفعوا  الأكلاف ويتحملوا الأعباء.

يتعامى أهل الحكم  عن كل ما أصاب أكثرية اللبنانيين من كوارث ومآسي نتيجة سياساتهم وصراعاتهم. ويتواطأون على ما اقترفت أيديهم واتباعهم  من فساد فاق الوصف، يحتمون بنظام المحاصصة الطائفي الذي يعيد انتاج سلطتهم ويبقي اللبنانيين رعايا وعشائر وقبائل وطوائف، لقطع الطريق على إمكانية صيرورتهم مواطنين أحراراً. كما تتغافل أحزاب السلطة وأركانها عن انعدام الحد الأدنى من مقومات العيش، وعن بلوغ معدلات الفقر والبطالة مستويات مرعبة، لأن همومها واهتماماتها محصورة في زيادة دوائر نفوذها وتحصينها  وتوسيع ميادين استثماراتها لكفالة تدفق الأرباح وتراكم الثروات.

وإذا كان العمال بالنسبة لقوى السلطة واحزابها أدوات للاستعمال والإستغلال، فإن أزمات المجتمع والناس لا مكان لمعالجتها في سياساتهم المعتمدة، لأن ما أصابهم من تفكك وتشرذم، وما حل بهم من بؤس وعوز وتهجير، لا يستدعي الاهتمام، لأنه  ميدان استثمار مجزٍ لتسويق الزعامات وكسب الأزلام. فالوطن ساحة وميدان للنفوذ السياسي والاستثمار الاقتصادي والاستغلال الاجتماعي. ومصالحه نقيض إعلاء راية نفوذ أي طرف يسعى لزيادة وزنه وتكبير حصته ومنافعه. الطائفية أهم أسلحة التعبئة لتكريس الزعامات وتجديد أجيال المؤيدين لها، وتوسيع النفوذ وتحصينه بحماية مافيات الخدمات وعصابات النهب والتهريب، لكن الزعامة لا تكتمل شروطها إلا بالولاء للخارج والإستقواء به. 

ولأن أياً من هذه القوى عاجز بالمطلق عن الانفراد بالسلطة والإستئثار بالنفوذ والمغانم، فإنهم جميعاً محكومون بمنطق الشراكة والتوافق على الحصص مهما طال الصراع بشأنها واحتدم. لذلك فإن البلد  يستمر خاضعاً لنظام المحاصصة بمكوناته الطائفية والطبقية التي تحشد الأحزاب وأرباب العمل ومعهم أصحاب رؤوس الأموال والشركات العقارية والمصارف. أما أكثرية اللبنانيين فيبقون أسرى مضاعفات ونتائج سياسات أهل السلطة المعتمدة  والمصالح القائمة على الاستغلال والفساد، والتي تؤمن عبر مسلسلات الصراع  على النفوذ والهيمنة والولاء للخارج.  

ولأن وجهي قوى الحكم: السلطة والمال متلازمان، ولأن التسويات والتوافقات تبقى مؤقتة، فإنهم جميعاً بحاجة دائمة لتجديد جهوزية قواهم وتكبير ثرواتهم، لضمان قدرتهم على الصراع. الأمر الذي يبقي البلد أسير مخاطر انفجار الحرب الأهلية المقيمة في ثناياه رغم مرور 44 عاما على اندلاعها وتوالي محطاتها  وفصولها فحسب، ويجعل من تجددها سيفاً مسلطاً فوق رقاب أكثرية اللبنانيين  بمختلف فئاتهم الاجتماعية، بغية قطع الطريق على إمكانية توحيد صفوفهم انطلاقاً من  وحدة مصالحهم  وحقوقهم المسلوبة والمصادرة، وحاجتهم المشتركة إلى ابسط الخدمات،  وهي القضايا التي توحدهم في  المعاناة والقهر والاذلال،  كما تدفع بهم للتضامن في مواجهتها والانطلاق منها لخوض النضال في سبيل حقوقهم، بعيداُ عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والمناطقية.

ولأن قوى السلطة الطائفية والطبقية تقودها مصالحها التي تبرر وجودها،  فإن  سياساتها لا تنتج سوى الأزمات، ولا تقوم إلا على الإستغلال  وممارسة الفساد، واستباحة حقوق  الناس  وابتزازهم في حاجتهم ومصادر عيشهم. أما الرهان عليها لمعالجة ما صنعت ايديها من أزمات أو وقف الانهيار ومحاربة الفساد، فلا يعدو سوى أضغاث أحلام وأوهام يقظة. أما البديل عن الاستسلام لخياراتها، فهو التخلي عن المراهنة على بعض أجنحتها ومعارضتها والصمود في  مواجهتها لإحباط سياساتها وتعطيل أهدافها.

كي يبقى لعيد العمال معنى وقيمة انسانية ووظيفة نضالية، فإن  الخيار الوحيد أمام العمال وكل الفئات الاجتماعية المتضررة من السياسات القائمة والمستمرة ومخاطرها الزاحفة، هو العمل  لإعادة بناء أدواتهم النقابية المستقلة وتجديد وسائلهم النضالية للدفاع عن بقية حقوقهم،  وإستعادة ما هُدر منها وتحقيق المطالب المشروعة، حماية لمستقبل عائلاتهم وللوطن على السواء.

كتب المحرر السياسي

كتب المحرر السياسي

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدين مؤتمر البحرين وتدعو الشعب الفلسطيني للمواجهة بالوحدة الوطنية

ان انعقاد المؤتمر ومشاركة بعض الدول العربية خاصة الخليجية منها، يعتبر موجهاً ضد حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية، وخدمة مجانية للكيان الإسرائيلي الذي يبدو رغم عدم دعوته،