أزمة الكيان ومعضلة تحدي استحالة الإنقاذ الدائم

لم تعمّر طويلاً المبادرة الفرنسية للإنقاذ عبر الإصلاح كما عرّفها أصحابها. بسرعة قياسية استطاعت الطبقة السياسية المتسلطة على البلاد احتواءها، واستدراج من أطلقها إلى ساحاتها وزواريبها، من التكليف لرئاسة الحكومة إلى تشكيلها، ثم إغراقه بالحسابات الطائفية والفئوية الضيقة في إطار النزاع على السلطة، وفق صيغة النظام الطائفي الموروث منذ مائة عام، والذي شكل عائقاً أمام إمكانية بناء وطن. وسرعان ما فقدت المبادرة مضمونها الإنقاذي وضاعت أهدافها الإصلاحية، ليتضاءل زخمها قبل أن تتلاشى وتتحول على لسان صاحبها إلى مبادرة مبدئية. لقد تمكنت الطبقة السياسية من استغلال عوامل الضعف والثغرات التي انطوت عليها، ما جعلها موضع تشكيك من الجهات الدولية، خاصة الاميركية والعربية وتحديداً الخليجية، منذ لحظة إطلاقها عقب الإنفجار الذي دمر مرفأ العاصمة والأحياء المجاورة له.

وبسرعة قياسية أيضاً، غادرت الطبقة السياسية مرونتها الشكلية، واستعادت مكوناتها الطائفية لياقتها المعهودة في إدارة معاركها مستندة إلى مواقعها وارتباطاتها ورهاناتها الخارجية، لتستأنف ما كان دأبها على امتداد العقود الماضية، متجاوزة في ذلك مضاعفات الإنهيار الاقتصادي والمالي الذي تسببت به والمتوالي فصولاً كارثية، ومتجاهلة نتائج الانفجار المجهول الأسباب حتى الآن، رغم هول وضخامة الخسائر البشرية والمادية التي حلت بالعاصمة واهلها وممتلكاتهم ومصالحهم، مروراً بالحريق الضخم الذي اعقبه. أما حالة الفوضى الأهلية المتصاعدة، الناجمة عن تعطيل مؤسسات الحكم وأجهزة الدولة وما يوازيها من تفكك وإنقسام أهلي ودمار اجتماعي واشتباكات واختراقات أمنية متنقلة، التي يضاعف مخاطرها الكارثية تسارع انتشار الوباء الفيروسي، فقد تحولت كسابقاتها ميادين استثمار بالنسبة لأطراف السلطة لتجديد وتحشيد قواها واستحضار شبح الحرب الأهلية وسيلة ابتزاز وسلاح تهديد ومواجهة إذا دعت الحاجة.

واستناداً لاطمئنان تلك الأطراف إلى رسوخ مواقعها في نظام المحاصصة الطائفي، وأهمية أدوارها وقدراتها على توظيف واستغلال مؤسسات الدولة وأجهزتها لمآربها. وبالنظر لطبيعة تشكيلاتها الطائفية والفئوية المشرعة على الاستقواء بالخارج والتماهي مع سياساته ومصالحه الاستراتيجية، فقد تمكنت بيسر وسهولة من استيعاب صدمة الإنفجار وغضب اللبنانيين وضغط المبادرة الفرنسية في آن. كما أجادت خوض معاركها الدفاعية والهجومية واستغلال  ثغرات مبادرة الرئيس الفرنسي وحدود الدور المتاح لبلاده في أزمات المنطقة المتفجرة. الأمر الذي أعاق تقدمها نحو تشكيل الحكومة وفق المواصفات والمهام الإصلاحية المرجوة منها.

ورغم  انتزاعه موافقة مبدئية عليها، واعتقاده أن باستطاعته  تمريرها  بمعزل عن الآخرين. إلا أنه لم يفلح في إحراج المرجعيات الدولية والإقليمية الممسكة بمفاتيح الأزمة اللبنانية، وملفاتها، سواء الداخلية منها أو تلك المتصلة بأزمات الجوار الإقليمي والصراع الأميركي ـ الإيراني بكل مندرجاته التفكيكية للمجتمعات والكيانات العربية الخاضعة لانظمة الاستبداد،  التي يشكل بقاؤها الأولوية ما يسهل عليها الاستقواء بأميركا والخضوع لشروط سيطرتها ونهب موارد بلدانها، وتجاوز العداء مع اسرائيل والتطبيع معها وإدارة الظهر للقضية الفلسطينية، بذريعة أولوية المواجهة مع الخطرين الإيراني والتركي اللذين يستهدفان تقاسم السيطرة على مجتمعات المنطقة وكياناتها من البوابات المذهبية.

ولذلك حكم التعثر والارتباك مسار المبادرة الفرنسية، بالنظر لانعكاساتها على توازنات السلطة، ومواقع وأدوار الأطراف المأزومة داخلياً والتي تستمد عوامل قوتها ونفوذها من الخارج، ما يستحيل معه تحييد لبنان أو النأي به عن محيطه، ويبقيه أسير الأزمات العامة المستدامة، والملازمة للكيان والنظام منذ التأسيس. وهي التي تحاصر قواه ومواطنيه، وتضعهم  جميعاً ودوماً في مواجهة مآزق صعبة بكل ما تنطوي عليها من تحديات وخيارات مقررة ومصيرية لمستقبل بلدهم، تجدد إقامتهم على حافة الهاوية كما هو الوضع الراهن، وتعطل قدرتهم على إنتاج حلول لأزماتهم. أما التسويات الإنقاذية المؤقتة فقد دأبت أطراف الخارج المتصارعة على توليفها وفق توازناتها ومصالحها.

 

وعليه، بدا الإصرار والجهد الفرنسي وكأنه محاولة لاقتناص فرصة إنقاذ الكيان،  وتشكيل حكومة على رافعة الانهيار وهول الانفجار، والاستفادة من انشغال  القيادة الأميركية بانتخاباتها الرئاسية واستسهال توظيف الخلاف معها بشأن العقوبات الأممية على ايران. وذلك من أجل تكريس دور ونفوذ وتحقيق مكاسب للمصالح الفرنسية.  وهذا ما اتاح لأطراف السلطة والخارج على السواء، كل من موقعه السعي لتكريس ما لديه من مكاسب، أو استعادة ما ضاع منه أو انتزاع ما كان يعارك للحصول عليه، تبعاً للمشاريع الطائفية والفئوية المأزومة محلياً أو صراع المصالح الإقليمية والخارجية.

ولأن رئيس الجمهورية القوي ظن أن الفرصة سانحة لتعويم موقعه وتسويق ولي عهده خلفاً له، انعكس أداؤه تخبطاً وارتباكاً وتهرباً من اتخاذ مواقف واضحة من أزمة تشكيل الحكومة ومحاذرة الإنحياز الى الطروحات المعلنة من “الثنائي الشيعي” أو ممثلي السنية السياسية من رؤساء الحكومات السابقين، الذين حاولوا الاستقواء بالمبادرة الفرنسية واستغلال العقوبات الأميركية، بأمل استعادة ما لم يعطَ لأي رئيس حكومة منذ الطائف، وهو حق الإنفراد بتشكيل الحكومة وفق نصوص الطائف. اما “الثنائي الشيعي” وخاصة حزب الله، واستناداً إلى دوره وسلاحه، وتحكمه بالوضع بقوة استراتيجيته وارتباطاته، فإنه لم يكتفِ بتحييد سلاحه والإقرار بموقعه في المعادلة الداخلية، بل سعى بالتحالف مع حركة أمل إلى توظيف توازن القوى المختل لمصلحته وانتزاع مكاسب إضافية تكرس سيطرته وتحكمه بالبلد أمراً واقعاً مسلماً به.  في المقابل كرس جنبلاط جهده لتحييد الطائفة الدرزية عن الصراعات المحتدمة، محاذراً الاشباك مع أي طرف، ومتابعة تسجيل مواقف مبدئية عامة. بينما استظل  جعجع البطريركية المارونية، لتسويق دوره كمخلّص بديل للمسيحيين عن الرئيس القوي.

عكس سلوك سائر أطراف السلطة المخالف للمصلحة الوطنية  والمتجاهل لحاجة اللبنانيين للإنقاذ من المخاطر الكارثية، استهتاراً واستهانة بمصير الكيان وأهله على مذبح مصالحهم الفئوية بإسم الطوائف. الأمر الذي رأى فيه الرئيس الفرنسي وهو ينعى مبادرته، خيانة لتعهداتهم أمامه. والحقيقة المرة أن الخيانة الفعلية هي للوطن وللبنانيين وحقوقهم ومصالحهم ولمستقبلهم ومصيرهم قبل أن تكون لتعهداتهم. وقد تجلى ذلك ولا يزال في إصرار تلك القوى على ربط البلد بأزمات الجوار وإدارة الظهر لكل أحلام وطموحات مواطنيهم في ان يكون لهم وطن، والدفع بهم إلى جهنم وبالكيان نحو الهاوية، عبر إدامة الإرتباط بالدول والأنظمة التي يستمدون منها الدعم ومصادر القوة لحماية مواقعهم في السلطة، وإبقاء لبنان مشرّعاً على خطر الزوال، ما يضع اللبنانيين أمام تحدٍ دائم لإنقاذه علّه يوماً يصبح وطناَ لهم.

زكي طه

كاتب لبناني

 

شاهد أيضاً

ترامب يطلق التطبيع الخليجي ويكرس اسرائيل القوة الاقليمية

رغم إعلان الملك سليمان مؤخراً عن استمرار التزام المملكة بحل الدولتين ومبادرة السلام العربية التي صاغها الملك السعودي الراحل عبدالله، وأطلقها من على منبر القمة العربية في بيروت في العام 2002. لكن هذا لا يعني أن المملكة تستطيع إدامة "الرقص" على الحبال المشدودة، لاسيما وأن العلاقات السرية الإستخباراتية والأمنية تسير على قدم وساق. وهو أمر معروف وعمره عقود وليس سنوات.