إلى خالد غزال من زمن الكورونا / سعد كمّوني

ما زالت الطبيعةُ تحرِج الإنسان، وما زال الإنسان بإزائها ما بين باحث أو منتظر لنتائج الأبحاث حولها، وآخرين يتوسلون الدعاءَ إلى الله ليرفع غضبه ومقتَه عنّا. و لا يعني هذا أنّ الناس قد انقسموا بين مؤمن وملحد، ولكل قسم اتجاهه الذي ينتظر الفرجَ من قبله؛ بل نجد بين المؤمنين أكثرية تؤمن بأن الله خلق الكون وخلق نواميسه، وعلينا أن نفهمَ هذه النواميس ونتلافى أخطارها أو آثارها علينا، أو نستثمرها لصالح الحياة الكريمة. ولكنّ فريقاً من المؤمنين وهم قلة، أعطاهم نفوذُهم المنابر والصفحات والمراكز، يصوّرون الأوبئة وأعمال الطبيعة على أنها عقوبة، أو ثواب من الله للناس العُصاة وغير العُصاة. وهؤلاء بما لهم من نفوذ يسخّفون آراء الآخرين، ويحجرون عليهم فيحُولون بين العامة وآرائهم، بقوة الملبس واللغة الأنيقة التاريخية، فالأولون يجتهدون في فهم الطبيعة ليتمكنوا من التصدي لأخطارها، والآخرون يطلقون الأدعية والنذور، ويزعمون أن الله يعاقبنا بسبب هؤلاء العلمانيين الذين يؤلّهون العقل والسلام بين المؤمن والكافر.

ما زالت الطبيعةُ تحرج الإنسان، وإني لست أدري ألمصلحة الإنسان هذا أم لإنهائه!

تستنفر الآن في كل أنحاء العالمِ قوى العلم والعقل والخرافة والبلاهة، وكنتَ ترى أننا لسبب أو لآخر قد ناءت كواهلنا بأحمال الكفاح نحو العقلنة.”فقد تضافرت عوامل متعددة لغياب قوى التقدّم والتطور في المجتمعات العربيّة”[1]، ومع ذلك كنت بإبرتك الدقيقة جدّاً توهن تلك الصخرة الصمّاء في درب “لين” و”تيا”[2]، تترصّد الحياة العربيّة الجديدة، وقد سرَت في عروقها هتافات جديدة، إلا أنك كنت مرتاباً من تيارات الإسلام السياسي وقد”ساهمت الانتفاضات العربيّةُ في نفخ الروح القويّة لدى معظم هذه التيارات” وأنت تعلم أن مخاطرها ليست في هتافاتها وشعاراتها في استعادة الخلافة و”مجدها”، بل في كونها تعطّل الأحلام والعقول بتقديس الجهل والخرافة، وتشجع الصبر على الجوع والفقر والمرض، باعتبارها ابتلاء من الله لعباده، فهذا وسواه من أشباهه يعدُّ معوّقاً حضارياً كبيراً، على كل التنويريين أن يمضوا لتجاوزه بثقة ودقة علمية متناهية.

ألا ترى معي أنّ الطبيعة إذْ تحرجنا، فإنما يكون فعلها لمصلحتنا؟؟ فالأمور معقودةٌ بخواتيمها. أليس من باب الانتصار للإنسان هذا الرهانُ على المختبرات في سعيها الدؤوب لاكتشاف لقاح أو علاج؟ أفلا يشكّل هذا تعزيزاً لفكرتك التي ترى في إعمال العقل سبباً للرقيّ والازدهار؟! إذن نحن في زمنٍ تتلاشى فيه الأدعية والرّقى والنذور، وبدأ الناس يميل أكثرهم إلى الاعتقاد بأن الآية الكريمة(ولا تُلْقُوا بأَيْديكُم إِلى التَّهلُكَة) أقوى في المناسبة من الآية الكريمة ( قلْ لَنْ يُصيبَنَا إلاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنا).

لكلّ آيةٍ سياقٌ نصيّ يسوّغها ويعطيها معناها ودلالتها، وهي في بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية مغايرة كلياً لهذه البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تكتنف الكورونا وعلماء الجرثوميات والأطباء والممرضين وأصحاب المصلحة من الناس، إضافةً إلى أنّ الآية ( قلْ لَنْ يُصيبَنَا إلاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنا) لا تنطوي على أمرٍ إلى الناس باعتماد سلوكٍ معين بإزاء تحدٍ ما؛ بل يأتي الأمرُ”قل” إلى الرسول”ص” ليلقي على الناس خبراً مفاده أن المصائب تصيب الناس بموجب ما كتبه الله على الناس. وعليه لا تكون هذه الآية حكماً، فهي إخبار عن مصائر الناس في علم الله،  ولا ينبغي لها إلا أن تكون مرجعيةً عقدية ينبغي أن يعتقدَها المؤمنون في سياق مواجهةٍ حربيّةٍ أو غير حربيّة، ولا يعني هذا أنه بإمكاننا إبطال المكتوب بالدعاء أو سواه؛  بل تعني أن الله كتب للناس الحياةَ والموتَ، والجبنُ والشجاعةُ لا يبطلان المكتوب.

أما الآية الثانية فهي تنطوي على طلبٍ ينبغي على المتلقي أن يُلَبّيَه؛  فصيغة النهي “لا تلقوا” أُسند فيها الفعلُ المنهيُّ عنه، إلى واو الجماعة، ما يعني أنّ المخاطبين ملزمون بتعطيل هذا الفعل بتأثير أداة النهي”لا”، ما يشكل حكماً، أما “بأيديكم” فالباء هنا للاستعانة، فتكون “أيديكم” هي المستعانُ بها لإنجاز هذا الفعل، وإذا فهمنا أن الأيدي كناية عن السلطة والقدرة، فهذه الآية تتغيّا حفظ النفس بتعطيل سوء استعمال السلطة والقدرة تأسيساً على الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وأن نجد اليوم أكثر المسلمين يلتزمون الإرشادات القاضية بالحجر المنزليّ، فهذا يعني أنّ الغلبة المنتظرةَ هي للعقلنة، فالحدث الكوروني العالميّ مناسبةٌ بالغة الأهميّة لإعادة النظر في آلية عمل العقل، أو في آلية التفكير بالظواهر المستجدة أو التقليدية بغيةَ الفهم أو إعادة الفهم.

أما وأنك كنت ترى التيارات الدينية المختلفة “تترجم التشريعات بتغليب الطقوس والشكليات، والتدخل في شؤون الحياة التي لا صلةَ للدين بها، وتكثرُ من المقدَّسِ بعد تحويل المدنّسِ إلى مقدّس” أنبيك بأنها ستبقى على ديدنها إلى ما لا نهاية، لأنّ في ذلك نفوذَهم وجبروتهم على الناس ولن يتنازلوا عن ذلك مهما بلغ العلم من مقاصده. إلا أنّ المطلوب الآنَ في هذا الموسم الطبيعيّ المزدهر، هو ازدهارُ النشاط الحركيّ لقوى العلم والعقلنة، ولكلّ القوى العلمانية بعد إعادة النظر في العلمانية المستوردة، لتوليدها ولادة طبيعيةً من رحم واقع التكاذب الصراعي بين المتحالفين من أرباب الطوائف، المتسلقين بحكم جشعهم وطمعهم ونهمهم السلطويّ الفاجر، على حقوق الناس كل الناس أياً تكن معتقداتهم؛ فيحرضون البسطاء على البسطاء، ويسلِّعون الوظائف والحقوق ليكون الشابات والشبابُ زبائن يطلبونها من كونها حاجات ملحّة، ويتبعهم مَن هم في ما يُفترضُ أنهم نخبةٌ رائدة، ولكنّهم انهزموا بحكم الضرورة أمام المدّعين أنهم حراس مصالح أبناء الطائفة.

ما زالت الطبيعةُ تحرج الإنسان، وما زال الإنسانُ مضطراً لقبول التحدّي، غير أنّ الخيارات قليلة، فهو إما أن ينجو، ودون النجاة تغيير إلزامي في مظاهر الثقافة، فالعادات والتقاليد والأعراف والقيم والتعبيرات، كلّها تتغير،ولم يعد التقدّمُ بمقدار فضح الجسد، ولا بالمصافحات والقبل والعناق، لم يعد المأكلُ هو المأكل ولا الملبس ولا المسكن. كذلك لم يعد المالُ متوافراً حتى وإن كان مكنوزاً. وإمّا أن يهلك فينسحبَ من الحياة بلا مراسم أو خطبٍ رنانة، فقط البكاء هو التعبير الممكن، ويبدأ من اللحظة الأولى للسعال باعتباره الجاسوس الأول الذي يعمل في الجسد لمصلحة الموت، ماإن يبدأ إيقاعه حتى ينفر الجميع وتنهمر الدموع من البعض. تغيرت أخلاق الطبيعة في تعاملها معنا، أفلا يستدعي هذا تغيراً في أفكارنا، وردات فعلنا؟

أيّ تغير في الواقع يستلزم تغيراً في الوعي، وقد كان التغيّر البطيء في الواقع، يفسح في المجال لتأخّر الوعي، فترى حراس الثقافة مستنفرين دوماً، يهددون المجتمع بفقدان الهوية، وكأنما الهوية لا يمكنها أن تغيّر مضمونها! أمّا الآن وقد تغيّر الواقع دفعةً واحدة، والمجال لم يعد متاحاً لحراس الثقافة والأصالة، فالتجاوب مع التحدي ينبغي أن يكون سريعاً، لتتغير اللغة والمصطلحات والنظرة والفهم، مثلما تغيرت أشياء كثيرة……. 

أيّ تغيّر يا صديقي لن يحصل ما لم تكن هناك حاجةٌ إلى حصوله، عندها لا تسامح الطبيعةُ مَنْ يعاند حاجاته معها، ولن تخذلَ من يسعى في سبيل الإنسان المرن. الحاجة تستجدّ كلما جدّ جديد في الطبيعة، أو في العلم. وإذا تجاهل الإنسان هذه المستجدات، أو رفض التعامل معها على هدى من أمره، فإنّه خاسر لا محالة. فكيف إذا كان مجتمعٌ ما لا يمتثل لما تقتضيه المستجدات ، هذا يعني أنّه قرر الانتحار الحضاريّ.

الوضع جيّد يا صديقي، الكورونا يبسط نفوذه. العلماء في مختبراتهم، المراجع الدينية بمعظمهم أغلقوا المساجد والكنائس ولو على مضض، العقلاء يحرّضون عقولهم خلف العلماء، الأطباء ينشدون النتائج بفارغ الصبر، الأدعية مستمرة، ولكن المتضرعين إلى الله لا ينتظرون الفرج من المعابد، بل من المختبرات.

الوضع جيد، ربما يكون الانفعال قد أخّر الحراك الذهني، لكنّ عدالة توزيع الإصابات بين أهل الكوكب تمزج الآلام بالبسمات، وتحرّض على إمكان العيش الكريم فوق الاستسلام المقدّس.

ليتك لم تستعجل الرحيل لتسمعني ــــــ أنا المؤمن ــــــ أردّد معك قول ماركس: “الدين زفرة المخلوق المضطهد، روح عالمٍ لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح، إنه أفيون الشعوب”[3] .

 

 

[1]  خالد حسين غزال، الأزمنة الدينية، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت2017 ، ص.316.

[2]  حفيدتا خالدغزال.

[3]  ماركس ــــــ أنجلز، حول الدين، تر.ياسين الحافظ، دار الطليعة، بيروت 1981، ص.33ـــــ34.

سعد كمّوني

كاتب لبناني

 

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.