الحجر المنزليّ خطر يهدد حياتنا

القصص وحالات العنف الأسريّ التي نقرأ عنها ونشاهدها يومياً، هي في الحقيقة مسلسل حلقاته لامتناهية، تعاد وتتكرّر في الخفية، وراء الحيطان التي حفظت مشاهد الدماء وصدى الحناجر المخنوقة ومكتومة الأصوات.

ونحن في منازلنا، قد تتردّد أصداء أصواتٍ وصراخ، قد يكون صوت “منال” أخرى، “منال” التي أُلقي على دمها عبء مجزرة بعقلين، بينما الحقيقة أنّ من يتحمّل الوزر هو المجرم الأوّل الذي طعن “منال” وأطلق النار على الضحايا الاخرين. أمّا المجرم الثاني: فهي العقليات الذكوريّة السائدة في المجتمع، ومن يحاولون أن يبرّروا أي جريمة، وخاصّة تلك التي ترتكبّ بحقّنا كنساء، فيستسهل المجتمع تبريرها منتهكاً أجسادنا. هي لحظات خوف وقلق نعيشها بفعل انتشار وباء الكورونا محتجزات مع معنّفينا تحت سقف واحد، دون قدرة على الهرب، لافتقادنا ملجأ يحمينا، وخصوصاً  خلال الأزمة ومع اعلان الأمين العام للامم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن ضرورة معالجة “الطفرة العالميّة المروّعة من العنف الأسري ضدّ النساء والفتيات”.

وسط غياب للقوانين الرادعة والخطط المجتمعية التي من شأنها الحدّ من العنف الأسري، فإنّ دول العالم كافة تسجّل اليوم ارتفاعاً كبيراً وتفاقمًا في حالات العنف الأسري ضدّ النساء والفتيات. فلبنان شهد ارتفاعًا غير مسبوق لحالات العنف مع اعلان التعبئة العامّة، وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي فقد سجّل الخط الساخن المخصّص لتلقي شكاوى العنف الأسري ارتفاعاً بنسبة 100% في عدد تبليغ الحالات عن شهر آذار 2020 مقارنةً مع آذار 2019، ممّا يشكّل مؤشّراً خطيراً وخاصّةً انّ هذه النسبة لم تشمل بعد الجمعيّات والمنظمات كافة التي تعنى بقضايا النساء. وقد أشار البيان الصادر عن التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني – RDFL، والذي لا يزال يتابع عمله لمساندة النساء والفتيات وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لهن، كما العديد من الجمعيّات والمنظّمات النسويّة، إلى أنّ نسبة التبليغات على الخط الساخن الخاص بالجمعية ارتفع الى نحو 180% في آذار، مقارنة مع الشهرين السابقين (كانون الثاني وشباط). مؤكّداً أن جميع الحالات كانت حالات جديدة 20% منها عالية الخطورة، أمّا 13% من هذه الحالات فقد تركن منازلهن وكنّ بحاجة الى ملجأ لاستقبالهن.

 الحالات التي استطاع الاعلام اللبناني رصدها من جرائم وضحايا للعنف الأسري لا تختصر هول المشهد وفظاعته، لا سيّما أنّ الكثير من الحالات خلف الكواليس، لن نسمع بها إلّا عند ايجاد جثّة الضحيّة المعنّفة، أو عند نجاحها بالهرب والافلات من معنّفيها (الزوج، الاب، الاخوة، الخ…). علماً أن هناك الكثير من المعنّفات اللواتي يجدن صعوبة في الابلاغ عن حالاتهن نتيجة لأسباب متعددّة، ما يستدعي اعلان حالة طوارئ اجتماعيّة لمناهضة العنف ضدّ النساء، والبحث عن بدائل لمساعدتهن كإيجاد مسكن بديل ودعم اقتصادي وتأمين صحّي لهنّ ولأطفالهن. فالعنف الأسري كظاهرة منتشرة لن تنتهي مع انتهاء وباء الكورونا، بحيث أنّ النساء والفتيات المعنّفات قد ينجين من وباء صحيّ، ولكن من ينجيهن من معنّفيهنّ في سجنهن شبه المؤبّد؟

جويل عبد العال

اعلامية لبنانية

شاهد أيضاً

“الكورونا” يكشف عورات الغطاء الصحي اللبناني

إن الاتهامات العنصرية البغيضة التي رافقت بدء الوباء والتي توارت بعد أن بلغت حدوداً من الصفاقة، قد ترافقت مع الاعتباطية والارتجال من جانب المسؤولين ما عبر عن غياب الخطة الصحية المتكاملة وفقدان المراكز والتجهيزات المناسبة  لمواجهة مثل هذا الوباء ومنوعات البلاء.