الرئاسة وانتفاضة اللبنانيين

بات صعباً على اللبنانين فهم ماذا يفعل رئيسهم، وقد أمضى في القصر أكثر من نصف ولايته الدستورية دون أن تبدأ. وافق بداية أن يتولى المجلس النيابي السابق تكريسه رئيساً منتخباً بعد تعيينه في هذا الموقع من قبل حزب الله: “عون أو لا أحد”. قبلاً، كان يرفض الاعتراف بشرعية ذاك المجلس. ومنذ الأيام الأولى أعلن أن عهده لن يبدأ إلا بعد إجراء انتخابات نيابية، تقرر تأجيلها بانتظار إنجاز قانون جديد لها، رافضاً تبني الحكومة التي استغرق أمر العمل على تشكيلها اشهراً عدة، بسبب شروط الاستيزار وتوزيع الحصص ووزن الوزارات، ولم يُنجز القانون وتجري على أساسه الانتخابات، الا بعد عام ونصف من بدء الولاية.
والحكومة الثانية لم تتشكل الا بعد معارك كر وفر استهلكت ثمانية أشهر إضافية من عمر العهد الذي وصفه أصحابه بـ “القوي”، وبموجبه، اُخضع الجميع لشروط الأكثرية المهيمنة وتحديدأ حزب الله والتيار الوطني الحر. لكنها لم تباشر عملها الا بعد أشهر استغرقت معظمها في اقرار موازنة متأخرة عن السنة المالية المنتهية 2018.
بعدها بدأت رحلة اقرار موازنة العام الحالي التي يبدو انها لن تبصر النور قريباً. والسبب هو انفجار الأزمة بين أطراف الحكومة وهم يعدونها – الموازنة – حول أمرين أساسيين: الأول هو سلة الضرائب المقترحة لتغطية عجز الموازنة، والتي تميزت بسلسلة ضرائب جديدة، تنافس الجميع دون استثناء على إضافة بنود فيها، تستهدف في معظمها فئات ذوي المداخيل المحدودة والمتوسطة ولم تبق باباً الا وطرقته. في مقابل تجاهل أبواب النهب والهدر لموارد الدولة كافة، والتي تشكل مصادر إثراء غير مشروع لأهل السلطة. أما الثاني فهو الاختلاف على طبيعة الاصلاحات المطلوبة لتنفيذ مقررات”سيدر”، وكيفية تقاسم المغانم المفترضة منها، وقد تحوّط الجميع للأمر عند توزيع الوزارات الدسمة التي تستهدف تلك المقررات الاستثمار عبرها.
واذا كان الانفجار قد حصل على رافعة تلك الصراعات والاختلافات، فإن سحب سلة الضرائب من الموازنة واقرارها مع الورقة الاصلاحية التي تتناقض مع مصالح البلد الاقتصادية وتفاقم أزماته الاجتماعية، لم توقف انتفاضة اللبنانيين ضدهم وفي مواجهة سياساتهم وأدائهم، وقد أعلن المنتفضون وبالفم الملآن انعدام الثقة المطلق بهم جميعاً دون استثناء. لينتهي الأمر باندلاع أزمة مفتوحة مع استقالة الحكومة، والتي بات واضحاً أن المخرج منها وتجاوزها، لن يكون سريعاً وسهلاً، لأن البلد يسير نحو الافلاس، بينما هم يتبادلون الشروط المتداخلة والمتضادة بعد سقوط التسويات التي ظللت نصف سنوات العهد الذي لم يبدأ بعد.
وبالنظر إلى أداء العهد خلال الأزمة والانتفاضة، لا يبدو أنه سيبدأ قريباً، فهو من جهة طرف، ومن جهة أخرى يملك قدرة عجائبية على إثارة غضب اللبنانيين منه وعليه. يتصرف كطرف وليس رئيساً أو “أباً” للجميع، ويرفض التزام نص الدستور بالدعوة لاستشارات نيابية ملزمة، ويشارك في استشارات التكليف والتأليف، بأمل تشكيل الحكومة مسبقاً. أما مواقفه من الانتفاضة والمشاركين فيها، ودعواته واقتراحاته لجيل الشباب فقد تحولت إلى نقمة. وعليه، أصبح لسان حال اكثرية اللبنانيين أنهم يستحقون رئيسأ جامعاً وقادراً ومستقلاً تبدأ ولايته في اليوم الأول منها، ولا يحتاج خطوطاً حمراً لحماية عهده.

المحرر السياسي

كتب المحرر السياسي

شاهد أيضاً

المصارف تمسك بخناق حياة اللبنانيين ومستقبلهم

والمفارقة أن هذا التخوف من مصير الفاقة القريب وصل إلى فئات كانت تصنف حتى الأمس القريب من الفئات الميسورة، باعتبار أن لديها من المداخيل والأموال ما تستطيع إنفاقه، والحفاظ على قدراتها الشرائية ومقومات عيشها، لكن الإجراءات المصرفية المتلاحقة وضعت هذه الفئات أيضاً أمام الأسئلة المصيرية،