السرديات الطوائفية تعجِّل في الانهيار اللبناني الكبير

ربما أصاب ماكرون أو أخطأ في توصيف الجدار الذي ارتطمت به مبادرته. الأهم هو توصيف واقع حال لبنان الذي يعيش في بؤرة زلازل متراكبة. هناك الرهان الدموي المعروف الذي يبدأ بإصرار فئة ما على الغلبة داخلياً على المكوّنات الاخرى، بمعنى أنها تسعى للتسيّد عليها. ويذكر ذلك بتعريف إبن خلدون القائل إن “الغاية التي تجري إليها العصبية هي المُلْك… الذي هو التغلّب والحكم بالقهر”. في لبنان، يعني ذلك سعي عصبية ما (مذهب، طائفة…) لفرض سرديتها وتاريخها ونماذجها على الفئات الاخرى، التي هي أيضاً عصبيات مقابلة لها, مهما كان الرأي في العلاقة بين تلك العصبيات التي يزيد صعوبة الأمر فيها أنها عصبيات دينية. وبسرعة، تسير العصبيات إلى الاستعانة بقوى خارجية، إذ يصعب عليها حسم صراعاتها داخلياً.

في المبادرة الماكرونية، عاد ملمح آخر إلى الظهور متمثّلاً في استمرار العصبيات وقادتها في التعامي عن حقيقية بسيطة قوامها أن صراع العصبيات لا يعني سوى تمزق الدولة أو تبددها، بمعنى أن استيلاء العصبيات وسردياتها على أدمغة الكتل الشعبية ووعيها يبقيها على حالة التفتت والتصارع، ويمنع ظهور “عصبية الدولة”، ويحول دون ظهور المواطن المنتمي إلى الوطن والدولة، قبل أن يكون جزءاً من جماعة دينية فيها.

خيال دولة الإسلام وسلاح الأصولية السنية

في لحظة المبادرة الماكرونية وفشل تجربتها الأولى مع مصطفى أديب، برز تقاطع مرعب آخر. ربما يكون التزامن بين الاعتذار وتصاعد بروز سلاح الاسلاموية السنية مجرد تزامن أو تصادف، لكنه لا يقلل من دلالة العلاقة بين الأمرين. بديهي أنه يمكن قول الكثير في الفوارق بين سلاح  الإسلاموية السنية (معظمه ينطبق عليه صفة الإرهاب والتكفير) وبين سلاح “حزب الله” (تذكيراً، شدد ماكرون على البُعد السياسي اللبناني للحزب ومشاركته في مؤسسات السلطات التشريعية والتنفيذية، إضافة إلى تمثيله شريحة من الشعب اللبناني). يجدر تذكر أن هنالك تطاحن مديد بين السلاحين المذكورين يمتد على أقل تقدير من احتلال العراق ومعارك الفلوجة ومروراً بسوريا وليس انتهاءً بـ”ناغورني كارباخ”.

ثمة شيء آخر يتعلق بفكرة الدولة، لنقل بوجودها في المخيلات والأدمغة. في خلفية سلاح الإسلاموية السنية هنالك حضور التكفير و”داعش” و”القاعدة” ومشروع العثمانية السياسية الجديدة وغيرها. ترجمة ذلك لبنانياً مرعبة تماماً. ثمة شريحة اجتماعية من الشعب اللبناني ترى أن الدولة التي تنتمي إليها تتجسد خصوصاً في المشروع الأردوغاني. هناك “دولة إسلام” ما، حاضرة في شرائح شعبية، مقهورة وتعاني وتنسِبْ جزءً من معاناتها إلى فائض القوة لدى “حزب الله”، لكن سرديتها ووتر عصبيتها يستند إلى خيال دولة تحت حكم إسلامي، قد يقربها من تركيا.

هل صحيح أن تجربة دولة “داعش” بقيت محصورة في جغرافيا سوريا والعراق؟ ماذا عن تمدد خيال “دولة إسلامية ما” إلى شمال أفريقيا، بل في ساحلي إفريقيا الشرقي والغربي؟ ألا يستند خيال عودة دولة الإسلام دوماً إلى تاريخ ابتدأ مع دولة المدينة وانتهى بسقوط الخلافة، وينظر إليه دوماً كأنه عصر ذهبي [بددته مؤامرات الغرب] وجنة مفقودة يتوجب استعادتها؟ ألا يحضر ذلك الآن وهنا في كلام الناس اليومي في لبنان من طرابلس إلى صيدا وبيروت وصولاً إلى الأرياف المتناثرة؟

خيال الدولة في سردية شيعية

الأرجح أنه تجدر مقاربة خيال الدولة الدينية لدى اللبنانيين الشيعة بحذر، خصوصاً لدى “حزب الله”، لأنه عاش طويلاً في ظل انتماء إلى دولة شيعية معنوياً وفقهياً، لكنه منذ سنوات قليلة غيّر ذلك مُعلناً أنه يعتبر لبنان وطناً نهائياً. ومن ناحية أخرى، استمر في تبني “ولاية الفقيه” والعلاقة الخاصة مع إيران التي تمثل تلك الولاية، وتستمر في كونها دولة الإمامة الإثني عشرية. الأرجح أنه مطلوب مزيد من الوضوح في ذلك، ولو كانت الأمور أقل توتراً لصح ذلك مدخلاً لحوار مع العلمانيين والفقه السني.

مرد الأمر أن الغيبة الكبرى بدأت منذ نهاية الصغرى (870- 940) الممتدة بين اختفاء المهدي المنتظر (العسكري) إلى وفاة الوكلاء الأربعة، آخرهم أبي الحسن السمري. وسارت فيها خطوط فقهية كبرى، من بينها التقية والفقه الخاص الذي هو علاقة مباشرة للمقلد مع المرجع، من دون المرور بالدولة. ومع الدولة الصفوية (1501- 1732)، ساد القول بانتهاء الفقه الخاص. إن الدول التي تلت الدولة الصفوية لم تلغ كونها دولة إثني عشرية.

ومنذ ثورة الإمام الخميني، قد يبدو للمراقب غير الديني، وجود تقاطع هائل بين مفهومي الخلافة لدى السنة وولاية الفقيه لدى الشيعة، لكنهما متنافران حكماً أيضاً لأن أصل الصراع بين السنة والشيعة هو اعتبار أن خلفاء الإمام علي [دامت ولايته 4 سنوات] هم في خط آل بيته، مع تفاوت في الإمام الذي يتوقف عنده خط الخلافة، فلا شرعية لكل من أمسك بالسلطة بين المسلمين بعد علي.

بديهي أن ذلك خط صدام سني- شيعي ممتد مما قبل عهد الأمويين، لكنه شهد محطات تفاعل مع أمور السياسة من بينها معاهدة زرهاب (1639) التي أقرت فيها طهران برعاية أنقرة للسنة مقابل إقرار الأخيرة برعاية طهران للشيعة. وحاضراً، تشي العلاقة بين أنقرة وطهران بوجود إمكانية ما لتقاسم سياسي استراتيجي بين تركيا وإيران كقوتين صاعدتين إقليمياً، في ظل فراغ المساحة العربية استراتيجياً. [إسرائيل تحتاج نقاشاً منفصلاً]. ربما تُبعِد معارك ناغورني كارباخ تلك الإمكانية، لكن ما مصلحة لبنان في المراهنة على ذلك أو عكسه؟ الأهم، أن ذلك ينعكس على علاقة بين مكونات لبنانية أساسية (سنة وشيعة)، ويحرك خيالات ومخاوف وتواريخ قديمة وحديثة لدى مكونات اخرى، بما في ذلك تواريخ وجغرافيا فينيقيا الكبرى وفينيقيا 1 و2 والطوائف الممتازة وغيرها.

إذاً، ثمة دول للعصبيات وسردياتها تخترق وتتغلغل في كتل شعبية، لدولة منهارة ومفلسة وموشكة على أن تعلن “فاشلة” ومهددة بمصادرة طائراتها وذهبها وأراضيها. ومع ذلك، يتذاكى ملوك العصبيات، ويفكرون في الصراعات الدولية كأنهم على قدم المساواة مع دول أقليمية (وحتى كبرى؟ أليسوا حلفائنا؟)، فيما البلد ينهار منقسماً أو ينقسم منهاراً.

أحمد مغربي

كاتب لبناني

 

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.