السقوط السياسي لقوى السلطة لا يعني انهيار نظامها

شكلت انتفاضة اللبنانيين المتواصلة منذ 17 تشرين الاول 2019، حدثاً استثنائياً غير مسبوق في تاريخ الاجتماع اللبناني منذ تأسيس الكيان قبل مائة عام. والانتفاضة الشعبية هي نتاج تراكم فشل السلطات التي تعاقبت على الحكم في بناء وطن مستقل راسخ التكوين، وعجزها عن بناء اقتصاد وطني، يعمل على تنمية المجتمع والمساهمة في ترسيخ وحدته.
أغرت الانتفاضة بعفويتها الطبقة السياسية على محاولات احتوائها عبر تحميل كل طرف المسؤولية لشركائه عن الانهيار، وسط تبادل تهم الخيانة والتآمر. وراهنت على تعب المشاركين وحاولت اختراق صفوفهم ودفع مجموعات منهم لممارسات فوضوية تستجر القمع والاشتباك الأهلي لحرفها عن اهدافها وطابعها السلمي.
نجحت الانتفاضة في تعرية قوى السلطة، وفضحت إدعاءات القداسة وعِفة قادتها في مواقع الحكم والمسؤولية، ومعهم قطاع المصارف، مع قائمة المساهمين في بلوغ الفساد السياسي والإداري والمالي هذا المستوى. ورغم اتساع حجم المشاركة في الانتفاضة، الا أنها لم تتمكن بعد من فرض سياسات بديلة و إجبار قوى السلطة على تعديل ممارساتها واساليب تعاملها مع اللبنانيين وقضاياهم الملحة.
فالعهد وبعد جلاء موقعه رئيساً فئوياً على الصعيدين الوطني وضمن طائفتة، ظل محاطاً برعاية أمين عام حزب الله وخطوطه الحمر. واستمر بإجراء استشارت غير دستورية لتشكيل الحكومة في عملية مصادرة لصلاحيات الرئيس المكلف بالتشكيل، ومعه صلاحيات المجلس النيابي في الاختيار، وتحولت اطلالاته ومواقفه إلى مصدر إحباط وعامل تفجير غضب اللبنانيين.
أما تياره، وامام تراجع أوهام رئيسه الرئاسية، فقد كرر معزوفة المؤامرة على العهد محاولاً التحلل من المسؤولية، والإكثار كسواه من إدعاء البراءة من الفساد والاستئثار بالتعيينات والصفقات والنطق باسم حقوق المسيحيين وممارسة التحريض الطائفي والعنصري.
وإذ تستمر حركة أمل في اطلاق مواقف الحرص على تجاوز الأزمة ولملمة صفوف أهل الحكم بوصفها واحدة من قواه الرئيسة، بدا صعباً الدفاع عن سمعتها وستر عوراتها بالنظر لحجم حصتها من الفساد، بعد أن تلقت صفعة قاسية في الأيام الأولى للانتفاضة. ولم تخرج بعدها عن إطار الانضباط بالتوجيهات التي وضعها الأمين العام لحزب الله عبر اطلالاته التي حدد فيها المسموح والممنوع، من تعهد بحماية العهد من السقوط، وتوعد رئيس الحكومة بالمحاسبة في حال تهرّبه من المسؤولية، متهماً حليفيه المفترضين، القوات والاشتراكي، بالتواطوء على المقاومة وتنفيذ أجندات خارجية، مع التشكيك بعفوية الانتفاضة وردها الى المؤامرة الاميركية-الغربية. ومع تعذر التوافق حول صيغة الحكومة وفق شروطه، ترك الحزب لمجموعات ملحقة به حرية ممارسة “الغارات التأديبية” للحد من اتساع المشاركة في الانتفاضة السلمية، ليتطور الأمر لاحقاً مع قيام مجموعات ميليشياوية مشتركة مع حركة أمل تحت ذرائع شتى بالهجوم على ساحات المنتفضين لإرهابهم وعزل الطائفة عن مشاركتهم. محدداً المخرج الوحيد المتاح بتشكيل حكومة وفق شروط الحزب، حتى لو كانت من لون واحد لضمان استمرار سياساته ودوره الاقليمي مهما كان الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون في يومياتهم واقتصادهم.
القوات اللبنانيية وبعد السقوط المدوي لأوهام الشراكة مع العهد والتيار اللذين رفضا مشاركتها بحصة تمثيلية وازنة ومحاولا عزلها، فضاع رهان عودتها الى السلطة عبر ركوب موجة الانتفاضة واختراقها بممارسات تعكس واقعها وموقعها الطائفيين ورهاناتها الخارجية. أما تردد الحزب الاشتراكي المحاصر، فقد انعكس سلباً على أدائه ودوره وصلته الواهية بالانتفاضة، ما قاد إلى تزايد حالات تفلت عليه من داخله وتعرضه لهجمات من شتى النواحي، دون أن تخفف من حدتها علاقته الملتبسة برئيس مجلس النواب، ولا العلاقة المعقدة برئيس الحكومة. ما دفعه إلى الإنكفاء لإعادة النظر بشؤون الحزب، وترصيد حسابات تجاربه في السلطة ومع الحلفاء والخصوم على السواء.
والحقيقة أنه لم يكن تحذير أمين عام حزب الله شكلياً بشأن استقالة رئيس الحكومة والتلويح بمحاكمته في حال عزوفه عن تنكب مهمة التشكيل، فقد بات واضحاً أن عودة الحريري ثانية تقررها شروط الحزب. أما زملاؤه السابقون الملاحقون بتهم الفساد فقد زادوه ضعفاً، نتيجة روائح صفقات ممثلي تياره المتهالك وقد سبق وانهارت مؤسساته الخدماتية والاعلامية. أما قوته المستمده من دعم دول اوروبا واميركا المشروط محسوماً منه الخليجي هذه المرة، فلم يشكل سنداً فعلياً، لأنهم يفاوضون حول تسوية جديدة للحكم تلبي مصالحهم، بعيداً عن اليوميات المحلية البائسة والتصاريح التي تملأ الفراغ، وترفع حدة المخاطر الزاحفة في ركاب الانهيار المتسارع.
لقد جددت الانتفاضة التأكيد أن مصالح البلد الوطنية وقضاياه، هي خارج اهتمامات قوى السلطة، وأن كفاءاتهم في استغلال الأزمات وإدارتها لا تجعلهم قادرين على انتاج تسوية جديدة، لذا ينتظرون ولادتها على يد الخارج الذي يدينون له بالولاء وديمومة مواقعهم في السلطة، وفق نظام المحاصصة الطائفي. والى ذلك الحين تتسارع مسارات الانهيار الاقتصادي والمالي، بالتزامن مع تصاعد وتيرة القمع الميليشياوي في شتى المناطق والأحياء والساحات، وبين فعل ورد فعل، تتزايد حدة الاضطراب الأمني في ظل فقدان المناعة، واستسهال أطراف السلطة عودة الحرب الأهلية، وإجهاض الانتفاضة السلمية التي أعادت للبنانيين الأمل بتجاوز مضاعفاتها نحو بناء وطن.
خلاصة القول إن اندلاع الانتفاضة هو حصيلة ونتاج فشل السلطات المتعاقبة في بناء وطن ودولة، كما أنه أيضاً حصيلة فشل محاولات الإصلاح السابقة على تنوع القائمين بها، وتلاشي محاولات التصدي للأزمات المتنوعة سواء من موقع الحكم أو من مواقع الاعتراض، مع ما تخللها من برامج وشعارات طالت القضايا الجوهرية من نوع الهوية الوطنية وموقع الكيان وطبيعة النظام بهدف تعديل آليات الحكم وانتاج السلطة، أو بهدف معالجة مشكلات الاقتصاد والاجتماع اللبناني في مراحل التأزم التي عبرها. وهي في الغالب استندت إلى الانقسام القائم والموروث وعلاقات التبعية للخارج وانعكاساتها على توازنات الداخل. وعليه، لم تكن النتائج محدودة وحسب، بل إن بعض المحاولات ساهم في إعادة البلاد عقوداً إلى الوراء كما جرى في الربع الأخير من القرن الماضي، مع المحاولة الاصلاحية التي انتهت حرباً أهلية طاحنة، وكان لقوى اليسار دور رئيسي فيها في مواجهة قوى النظام المنغلقة والرافضة للاصلاح، ومعها وبعدها كان الدمار هائلاً وعلى المستويات كافة، اوقفته تسوية انشأت نظاماً أكثر انغلاقاً.

زكي طه

كتب زكي طه

شاهد أيضاً

المصارف تمسك بخناق حياة اللبنانيين ومستقبلهم

والمفارقة أن هذا التخوف من مصير الفاقة القريب وصل إلى فئات كانت تصنف حتى الأمس القريب من الفئات الميسورة، باعتبار أن لديها من المداخيل والأموال ما تستطيع إنفاقه، والحفاظ على قدراتها الشرائية ومقومات عيشها، لكن الإجراءات المصرفية المتلاحقة وضعت هذه الفئات أيضاً أمام الأسئلة المصيرية،