بانتظار الإنهيار أو تسويات الخارج، البلد إلى أين؟.

ما إن لاحت إمكانية  تشكيل الحكومة، حتى تعثرت تحت راية لمن الهيمنة عليها، وانفجرت  أزمة النظام التي باتت انعكاساً لأزمات البلد الأصلية. التفكك السياسي والتشرذم الاجتماعي  بلغا حداً لا سابق له. ونظام الطائف أسير تعطيل المؤسسات الدستورية. أما الفساد فقد أحال القوانين إلى الأرشيف، والقضاء ومؤسساته عاجزين. السياسة الخارجية كل يغني على ليلاه، والاقتصاد دخل مرحلة الموت السريري والوعود المشروطة ملّت الانتظار. وانهيار الخدمات العامة  حوّل بدائلها ميداناً لنهب مافيات أهل السلطة، وحقوق الناس  أصبحت مادة ابتزاز لهم على يد السماسرة والمتنفذين. وبات مصير البلد  سؤالاً  يبحث عن جواب، في ظل احتدام الصراع على السلطة بين القوى والأحزاب الطائفية والمذهبية الحاكمة، بعيداً عن المصالح الوطنية للبلد،  وفق معادلة “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم”، حيث يسعى كل طرف ان يفرضها على الآخرين، طوعاً أو قسراً، سلماً أو قتالاً إذا استدعى الأمر وكان ممكناً. ولأن الأطراف الرئيسة قادرة على النقض أو الاعتراض  لتعديل التسويات، فإن الوسائل المباحة تتراوح من التعطيل إلى السلاح. المهم تحقيق الأهداف، وهذه  موصولة بالمصالح  التي تتباين وفق مواقع أصحابها، من الطائفي والمذهبي إلى المناطقي والعشائري لتشمل الإمارات المتوارثة والزعامات المستحدثة  على رافعة الميليشيات أو سلاح المال. ولأن المواقع تفتقد الصفة الوطنية العامة، فإن العداوات المؤقتة والتحالفات المتبدلة والشراكات المتجددة، هي أوجه  ثابتة ودائمة.  هذا ما تؤكده صفحات تاريخ البلد، الحاشدة  بصراعات  القوى والزعامات الطائفية والحروب الأهلية المدارة إقليمياً أو دولياً، وما يتخللها من عمليات احتلال أو انتداب أو وصاية.

 ولأن الأزمات لا تولد من فراغ، وأسبابها وعواملها موصولة بما سبقها، وطبيعتها  غالباً ما تتشابه  وإن اختلف شكل  إنفجارها أو ارتباطها بنزاعات  الخارج المحيط. لذلك فإن الإختناق الراهن للبلد واحتدام أزماته، لم يسقطا من سماء صافية.  فالتيار الحر الذي يرى أنه الحزب المسيحي الأول حقق حلم مؤسسه بالرئاسة. ورغم  دخولها العام  الثالث فإنها لم تبدأ بعد، لكن هيبتها تآكلت وأصابها الإهتراء،  وتحولت مقولة الرئيس القوي مادة للتهكم. أما المراهنون عليها فقد  تبددت أحلامهم باستعادة العصر الذهبي للمارونية السياسية، وهم يشهدون  العجز في فرض مقولة  “ألأمر لي” والتعثر في تطبيق معادلة “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم”. بينما يفتش المراقبون  عن انجازات العهد بين نتائج صراعاته مع  شركائه في الحكم ، ومعارك حزبه الضارية لتحجيم  وتهميش الأطراف المسيحية الأخرى بغية الإستئثار بالمواقع والمناصب والمنافع وحصرها  بأتباعه.

كانت نتائج الإنتخابات المعلبة قد جددت أوهام الهيمنة، وأججت معارك فرضها، سواءً خلف شعارات  تحرير حقوق المسيحيين واستعادة صلاحيات  الرئيس في الحكم وتأليف الحكومة، واقتطاع حصة وزارية خلافاً للدستور، أو في محاولات استئثار التيار الحر بالتمثيل المسيحي، واقتطاع جوائز ترضية للحلفاء الملحقين. مما جعل العهد وحزبه مسؤولان أولاً، عن تأخر تشكيل حكومتة الأولى، دون إلغاءٍ لمسؤولية الأطراف الأخرى التي تستميت لانتزاع ما تراه حق لها أو ملكية خاصة بها.

   أما السنية السياسية، وتيارها الأبرز المتمثل بتيار المستقبل، فهو ومنذ أن بددت سلطة الوصاية السورية أحلام مؤسسه، قبل اغتياله، في الهيمنة السياسية على رافعة الدور الإقتصادي، فإن ورثته مازالوا يخوضون معركة دفاعية عنوانها الرئيسي إثبات وجود التيار كشريك أساسي في السلطة بدعم خارجي. ولأن الموقع والدور لحقت بهما هزائم وخسائر فادحة، جراء ما أصابهما من صنوف الحصار والتعطيل مروراً بالإقالة والإبعاد، فقد أصبحت عودته شريكاً في الحكم، مرهونة بخضوع قيادته لشروط الطرف الشيعي المهيمن.  وأمام خسائره الإضافية  في الانتخابات، نراه  يصارع لصد هجمات الإخضاع والتدجين والإلحاق، في ظل التلويح الدائم بإمكانية الإطاحة  بما تبقى له من موقع أو دور. 

     وإذا كانت الزعامة الجنبلاطية  تُحسن قراءة التحولات وتتقن  حماية موقعها عبر تدوير زوايا السياسات والمواقف التي تضمن مصالح الطائفة الدرزية ووجودها، فإن ذلك لا يمنع  استهدافها ومحاصرتها من داخل الطائفة أو خارجها، مما يبقيها في حالة استنفار دائم دفاعاً عن الموقع.

    في المقابل، يتابع حزب الله مسيرته التي بدأت مع تأسيسه مرتبطاً بولاية  الفقيه والنظام الإيراني اللذين أمّنا له كل مصادر القوة من تمويل وتسليح. وبعد تجاوزه أزمة علاقته مع النظام السوري، تدرج في فرض وجوده  شريكاً في المعادلة الشيعية ليصبح لاحقاً الطرف الرئيسي، على رافعة دوره المقاوم للإحتلال الإسرائيلي وإنجاز التحرير. كما تمكن من تكريس موقعه في المعادلة الداخلية  طرفاً مسلحاً مستقلاً عن الدولة ومؤسساتها وشريكاً رئيسياً في السلطة وفق مقولة: الجيش والشعب والمقاومة.

   في مقابل ايجابيات دوره في مقاومة الاحتلال، فإن سياسات الحزب وممارساته  التعطيلية  للمؤسسات الدستورية كان لها مضاعفات سلبية ساهمت في تسعير الإنقسامات والصراعات الأهلية. كما شكلت مواقفه وتدخلاته السياسية ومشاركته القتالية في  أزمات المنطقة خاصة سوريا واليمن، تجاوزاً على المصالح الوطنية، واوقعت البلد في ما يشبه الحصار الإقتصادي  عربياً،  وجعلته عرضة للضغوط الدولية، في ضوء  تصنيف الحزب  تنظيماً إرهابياً، من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والعربية، ووضعت البلد والحزب أمام مسلسل خطير من العقوبات.

      رغم نجاح الحزب بسياساته التعطيلية في تمكّين رئيس التيار الحر من الرئاسة، وفرض شروطه لعودة رئيس تيار المستقبل، وتكرّيس رئيس حركة أمل رئيساً دائماً لمجلس النواب، فإنه لا يثق بقدرة  أهل الحكم على مواجهة الضغوط الخارجية وشروط الدعم الموعود. لذلك هو يسعى للإحتماء بالبلد وربطه  بالمحور الإيراني كضمانة. عليه فإن تقاطع حاجته الى حكومة يتحكم بقراراتها وسياساتها، مع نجاحاته في الإنتخابات الأخيرة، شكلا فرصة استثنائية، لتجاوز هيمنة الأمر الواقع المُسلّم بها قسراً، نحو فرض معادلة “الأمر لي” من بوابة تشكيل الحكومة وفق شروطه.  

     أما معادلات القبول والرفض والمواجهة والتراجع، بين القوى الحاكمة والمتحكمة، فهي معقدة وشبه مستعصية، وكلفتها تتجاوز قدرات البلد الغارق بأزماته السياسية والمهدد بالانهيار الاقتصادي والمخاطر الأمنية، والمأسور بالمشاريع الإنتحارية المدمرة. بانتظار الإنهيار أو تسويات الخارج، يبقى السؤال من يبعث الأمل في أوصال اللبنانيين.

زكي طه

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.