حصانة الانتفاضة وشعار “كلن يعني كلن”

لم يخطىء اللبنانيون الذين احتشدوا في ساحات وشوارع العاصمة والمناطق كافة، في رفع شعار “كلن يعني كلن”. كما لم يجانبوا الحقيقة وهم يعددون اللوائح الإتهامية بحق جميع أطراف الطبقة السياسية المتسلطة على البلد. تلك التهم التي تقع بمجملها تحت مظلة الفساد السياسي، وتحشد  منوعات لا تعد ولا تحصى من الممارسات التي  يصعب تعريفها ببضعة كلمات، وقد اختبرها اللبنانيون جيداً. لذلك لم يكن مفاجئاً  هذا الإصرار  على إعلاء الشعار الذي صدحت به حناجرهم ولاتزال، وتكريسه عنواناً لوحدة انتفاضتهم وسلاحاً لحمايتها من التفكك، ورد الهجمات المستمرة عليها من كل حدب وصوب.

 لم يكن مفاجئاً أن يتحول الشعار حصناً منيعاً يستحيل اسقاطه، وأن تتهاوى أمامه شتى الهجمات المتكررة وتفشل جميع المحاولات لفرض التراجع عنه، ومعها سعي بعض الفرقاء للإفلات من شباكه. والسبب تعدد الملفات واتساع حجمها  وتفرعاتها وما يحتشد فيها  من الوقائع والأدلة والإثباتات التي يستحيل دحضها. أما من حاول من الأطراف التشاطر، وادعى محاربة الفساد او التلطي  والتهرب من المسؤولية في ملف ما، فقد وجد أنه عالق في دهاليز الملفات الأخرى المتداخلة وتشعباتها. لأن شبكة الفساد العنكبوتية التي شاركت كافة الأطراف في حياكتها، كانت كفلية بوضع الجميع في قفص الإتهام بالجرم المشهود، بصرف النظر عن  النسب ومستوى الإرتكابات، سواء عبر سياسات الإستقواء بالخارج والتواطوء على المصلحة الوطنية، أو في إدارة الدولة ومؤسساتها ومرافقها تعطيلاً للاستحقاقات والقوانين، أو في التفرد والإستئثار والمحسوبيات والانتهاكات في شتى ميادين الهدر والنهب والتهرب والتهريب والتلاعب بحقوق الناس وكراماتهم،  ما يؤكد صواب شعار الإنتفاضة ودقته.

وعليه  لم يكن مستهجناً أن تنهال على الانتفاضة  هذه الكمية من التشكيك وتهم التخوين  والتآمر من هذا الطرف على ذاك. وفي هذا السياق لم تتورع  مرجعيات  وأجهزة دول  داعمة لبعض الأطراف من  إطلاق ذات التهم، بل أضافت لها مؤخراً السعودية واسرائيل، بعدما كانت اميركا وسفارتها قد استأثرت بالحصة الأكبرمنها، باعتبار انتاج الفقر والبطالة  وممارسة الفساد ماركة مسجلة لها،  ولا صلة لأحزاب السلطة بها. ولأننا لسنا بصدد تبرئة أحد من المسؤولية، فإننا نرى أن شعار”كلن يعني كلن” الذي ينطبق  عليها يشمل أيضاً  الدول والأنظمة المتجاوزة على مصالح البلد والداعمة لاطرافه الحاكمة، لأنها جميعاً تمعن في استخدامه وأهله ساحة وأدوات تلاعب لتبادل الرسائل  وتعريضهم لأشد المخاطر. 

 لم يكن وليس مستغرباً أيضاً، هذا الإصرار على ضرب الإنتفاضة ومحاولة الإجهاز عليها. لأن المشاركين فيها كسروا المحرمات وفاجأوا الطبقة السياسية بدقة اتهاماتهم لمكوناتها. وهو ما دفع بقواها إلى محاولات تحويل ساحات الانتفاضة ميادين مفتوحة أمام الهجمات عليها بشتى انواع الأسلحة التي تمتلكها، بدءاً من الأبواق التي تمتهن التحريض الطائفي، إلى استغلال الفقراء عبر حاجاتهم لأبسط مقومات العيش، وتعبئتهم للمواجهة وامتهان البلطجة والتشبيح، ورفع رايات الحزب او التيار الذي يستعملهم في استفزاز من هم أمثالهم، حيث تتقابل العصبيات والعراضات الطائفية وتشتبك وفق الحاجة، عدا تنظيم الهجمات ضد المنتفضين الذين تحصنوا بالسلمية، وضربهم والتنكيل بهم واختراق ساحاتهم واحراق خيمهم.

ومع احتدام النزاع حول صيغة الحكومة الجديدة والفشل في إيجاد المخرج الملائم للجميع بأمل تجاوز الأزمة المتفجرة بين اهل السلطة، والإمعان في تبادل الشروط وسط تجاهل مسار الانهيار المتسارع على الصعيدين الاقتصادي والمالي وطلائعه المرعبة في الميدان الاجتماعي وبلوغه حدود “التبشير” بالمجاعة. لم يكن  بالأمر الجديد أن يُرتجل تكليف أحدهم تشكيل حكومة، وينتقل شركاء الأمس إلى  مواقع العداء والخصومة وتبادل تهم الهروب والخيانة والغدر، وابسط الكلام ان يتقاذفوا تغريدات التشكيك والتشفي وانعدام المسؤولية. وبما أن التفرد وإلغاء الآخر هي صفات مشتركة، فالمضحك كان استحضار الميثاقية للتظلم  وإثارة الغرائز الطائفية التي يتقنها الجميع في شتى المناسبات، وقد جدد كل منهم انتسابه وحزبه إلى ميادين البطولة والعفة والنزاهة والحرص على البلد خلافاً لسائر الشركاء.

     مما لاشك فيه ان الانتفاضة نجحت في تحقيق أهدافها الممكنة في محطتها الأولى، والتي شكلت خطوة تأسيسية كبرى نحو تجديد وبناء حركة معارضة ديمقراطية عابرة للطوائف والمناطق. الأمر الذي افتقده اللبنانيون طوال عقود ثلاث، خضعوا خلالها  لحكم القوى الميليشياوية الطائفية  والمافياوية المتحدرة من الحرب الأهلية والمنتسبة لها، والتي أبقت شبحها مقيماً، عبر تجويف الحياة السياسية وقمع الحريات الديمقراطية، وتدجين الحركة النقابية وحق الاعتراض والمطالبة.

   ومع احتدام صراعات أهل الحكم وتجديد إعلاء خطاب التحريض الطائفي والتجييش المذهبي، للتغطية على الانهيار المريع، فإن  الأولوية  بالنسبة لأصحاب المصلحة في استمرار الانتفاضة وتطويرها، هي التشبث بشعار”كلن يعني كلن” لحمايتها من التبديد، وتحصينها في مواجهة العدمية  ودعوات إعطاء فرصة للرئيس المكلف، أو تبني عودة المستقيل.

المحرر السياسي

المحرر السياسي

شاهد أيضاً

السلطة تراوح مكانها فتُغرق البلاد في وحول الأزمة

وعليه تبقى الأوضاع تراوح مكانها ويخسر لبنان واللبنانيون وقتاً ثميناً كان يمكن انفاقه في ما هو مجدٍ ، وبما يعيدهم إلى خارطة الانتظام الاقتصادي داخلياً واقليمياً ودولياً. ولأن هذه السلطة قد "تمسحت" منذ عقود وعقود وقد ازدادت "تمسحة " مع حكومة الرئيس حسان دياب فلا شئ يغير في سلوكها،