خالد غزال تلك “القوّة الصامتة” / وليد نويهض

 أعرف الرفيق “واصف” منذ خمسة عقود حين كنّا في جبهة واحدة في مطلع سبعينات القرن الماضي، نخوض معارك سياسية وأيديولوجية (وهميّة) للدفاع عن المقاومة وحقوق الضعفاء ولتغيير الواقع باتجاه الأفضل.

كان الانطباع آنذاك أن الأمور سهلة، وربّما لا تحتاج إلى عناء في التفكير للوصول إلى تلك الأحلام الوردية التي كنّا نطمح إلى تحقيقها.

وسط هذه الفضاءات الصاخبة بالصراخ والرصاص تميّز خالد غزال (الرفيق واصف) بالهدوء وقلّة الكلام ومراقبة المشهد عن بُعد.

كان خالد أشبه بتلك “القوّة الصامتة” التي تجنح نحو الممارسة الميدانية من دون ضجيج. كان الصخب يزعجه ويعطّل مزاجه الذي يفضّل العمل ويرجّحه على كل محاولات افتعال المشاكل التي لا طائل منها سوى تأخير حركة التغيير،  وما ستنتجه من حسنات.

استمر الوضع على ما هو عليه إلى أن بدأ يتدهور وأخذت الأمور تتّجه نحو المزيد من الانهيار، بعد أن تبيّن أن تعديل موازين القوى وكسر الأنماط الذهنية التي تهيمن على الجماعات الأهلية يحتاج إلى وقت ويتطلّب إعادة قراءة في التفكير.

في ذاك الجو المضطرب حصل الانقطاع وذهب الكل إلى اختيارات غير متناسبة وليست متوافقة في رؤيتها لتلك المتغيرات التي جرفت في تقلّباتها الكثير من الثوابت والحقائق.

بعدها كان الغياب عن المشهد السياسي في فترة صعبة قرّر خلالها خالد البقاء في الساحة، يقاتل ويغالب من دون أن يصدر عنه الكلام. فهو حافظ على قوّته الصامتة التي تميل دائماً إلى الفعل الميداني من دون إدّعاءات أو طموحات.

شخصيّة خالد اتّصفت بالتواضع والهدوء وتجنّب الظهور والابتعاد عن الصورة والاكتفاء بالممارسة، ولعب دور الرجل المُفاوض الذي هو يسمع أكثر من أن يعطي رأيه في الشاردة والواردة.

بعد 30 سنة من تلك المسافة الزمنية عاد الإتصال بين الرفاق والأصدقاء والأصحاب في لقاء أسبوعي كان يحصل كلّ أربعاء في أحد مقاهي أسواق بيروت.

فكرة اللقاء كلّ أسبوع بين رفاق وأصحاب الأمس البعيد لم تكن بهدف تجديد الماضي، بل محاولة إعادة قراءة الحاضر لتدارك ما يمكن تداركه في المستقبل. كان خالد من نجوم ذاك اللقاء، فهو حافظَ على شخصيّته المتواضعة التي تتفوّه بالقليل من الكلام وتعطي الآخر الحق بالرد. وبسبب تمتّعه بتلك الميزة تم التوافق على توكيل خالد مهمة إدارة اللقاء والإشراف على توزيع المسؤوليات وترتيب عناوين الموضوعات وقنوات تناولها.

آنذاك خالد أصبح معروفاً في كتاباته الفكرية والسجالية في الصحف اللبنانية وربما العربية. فتلك “القوّة الصامتة” تحوّلت بفعل الممارسة الميدانية والمواظبة على المتابعة والقراءة إلى فائض حيوي في الانتاج الفكري الذي أخذ يتراكم ويتوسّع وينتشر في كتب تصدر تباعاً.

كل ذلك لم يمنع خالد من البقاء في زاوية الصورة، فهو حافظ على شخصيته المتواضعة التي لا تحب الظهور واستغلال الموقع لفرض رؤيته أو تصوّره ضد الآخر. ولأنه كان يلعب دور نقطة الدائرة في اللقاء استمر كل الحاضرين في التوافق على توكيل خالد مهمّة الإدارة والإشراف على ترتيب النقاشات وتوزيع السجالات، لأنّه تميّز بعدم الانحياز ضدّ رأي الآخر مع حق احتفاظ كل صاحب رأي برأيه.

استمر الوضع على حاله أسبوعيًّا إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان حتى غاب خالد عن الصورة والمشهد بسرعة غير منتظرة، وفي وقت كان لا يزال عنده الكثير ليقوله.

أهميّة خالد المفكّر أنّه قرأ المتغيّرات والاحتمالات من موقع المناضل الميداني الصامت. ولأنه يفضّل الممارسة على الكلام اكتشف بالتجربة الحسّية والمعرفة العقلية أن الإسلام (والديانات السماوية) ليس فقط من الماضي، بل هو أيضاً من الحاضر، وأنّه ليس مجرّد أفكار جاهزة تهبط من السماء، وإنما مجموعة مفاهيم تتحرّك أمامنا في الواقع اليومي.

لذلك عمد إلى مواصلة الكتابة بهذا الشأن لأنه توصّل إلى قناعة فكرية ترى أنه لا بدّ من محاربة تشوّهات الحاضر حتى يمكن تغيير القناعات عن الماضي. فالماضي مضى وما حصل حصل، ولا يمكن تغييره إلّا من خلال خوض معارك فكرية ضدّ قناعات حاضرة تستند على الآتي من الماضي لتبرير ممارسات تدمّر في النهاية احتمالات التقدم نحو المستقبل.

توصّل خالد إلى هذه القناعة الجدلية لأنّه قرأ كارل ماركس جيّداً وقبْله كتابات ابن خلدون (صاحب المقدّمة) الذي كان يؤكد على أنّه لا يمكن أن نعرف الماضي إلّا من قراءة الحاضر. ومن يريد معرفة ما حصل سابقاً عليه بالحفر في أرض الواقع الراهن حتى نصل إلى النبع الذي تخرُج منه المياه.

لذلك لم تقتصر كتابات خالد على مناقشة أفكار الماضي، وإنّما ركّز جهده البحثي للسجال ضدّ القراءات والتصريحات والتصرفات التي تصدر عن منظّمات وهيئات وشخصيات تعيش في زماننا وتعبث في إطارنا ومحيطنا.

وبهذا المعنى يمكن القول إن “القوّة الصامتة” التي راقبت المشهد من وراء الكواليس في السبعينات، نجحت أن تدير نقاشات تحتاج إلى الى أعصاب هادئة، وشخصيّة متواضعة تتمتّع بقدرة على تدوير الزوايا بهدف احتواء التناقضات الساخنة وتبريدها تمهيداً لاستيعابها.

وليد نويهض

كاتب لبناني

 

 

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.