سوريا بين مطرقة موسكو وسندان واشنطن

بغية احياء العملية السياسية وانقاذاً للاقتصاد السوري، زار وفد روسي مدني وعسكري رفيع المستوى دمشق والتقى الرئيس السوري بشار الاسد ومسؤولين سوريين بارزين، ما يوحي أن الزيارة تشكل نقطة تحول حاسمة بتوجه موسكو لوضع ترتيبات كاملة على طاولة البحث مع القيادة السورية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

هذا المستوى الرفيع للوفد الروسي يشير إلى أهمية المباحثات على ضوء تفاقم الصعوبات الاقتصادية المعيشية التى تمر بها سوريا، والتى تتطلب تحركا عاجلاً  لمواجهة الحصار الاقتصادي المفروض ولتردي الأوضاع بسبب تداعيات قانون (قيصر). وبالتوازي يحمل الوفد الروسي رؤية لدفع العملية السياسية وإطلاق آليات تنفيذ القرار رقم 2254 بما فيه “التعديل الدستوري والإنتقال السياسي والتحضير للإنتخابات”.

دبلوماسي روسي شدد على أن “هذه الزيارة تختلف عن كل الزيارات السابقة لأن القرار صدر بإطلاق مسار المساعدات الاقتصادية الكاملة في إطار رؤية شاملة تقوم على دفع المسار السياسي أيضا”. مصادر روسية أكدت أن موسكو ترى نضوجاً لإحياء العملية السياسية، بعد بروز إشارات من واشنطن للاستعداد لدفع المسار التفاوضي في جنيف. لكن موسكو ما زالت تدعو واشنطن لفتح حوار شامل حول الملفات السياسية رغم وجود ملفات خلافية عديدة بينها الوضع شرق الفرات، والوجود الاميركي غير الشرعي على الأراضي السورية، وصولاً إلى سياسة العقوبات خصوصاً تطبيق قانون قيصر.

من ناحية مقابلة، أكد الناطق الرسمي باسم التحالف الدولي أن الولايات المتحدة والتحالف الدولي ليسا طرفاً بالاتفاقات النفطية التى أعلنتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مع شركات اميركية خاصة. القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي قال “عقدنا لقاءات مع شركات دولية لكي نضع كل طاقاتنا في خدمة سكان شمال وشرق سوريا ونحن على استعداد لأن نتعاون مع كل الشركات العالمية لخدمة شعبنا، كما عقدنا اتفاقات مع الروس والاميركيين وجاهزون لمثلها بما يخدم مصالح شعبينا”. لكنه اتهم الحكومة التركية بالعمل على إبعاد مكونات شمال وشرق سوريا من العملية السياسية. على صعيد آخر، خرجت تظاهرات للنازحين من قرى ريف دير الزور الغربي الخاضعة لسيطرة قوات النظام، مطالبة باستعادة قراهم وطرد الميلشيات الايرانية منها. على المقلب الآخر تشهد البادية السورية طلعات جوية متواصلة للطائرات الروسية مستهدفة مناطق انتشار تنظيم داعش الذي يواصل نشاطه في البادية، إذ ينتشر بشكل مكثف مستهدفا قوات النظام والميلشيات الموالية عبر كمائن وهجمات وتفجيرات. روسيا في الشمال السوري تصمت ولا تعلن عن أعنف غارات لها في ادلب، كما تجنبت وزارة الدفاع الروسية إصدار تأكيد او نفي حول قيام طيرانها بشن عشرات الغارات، في حين سعت لتوجيه الأنظار إلى ملف آخر عبر الإعلان عن توافر معلومات لديها حول قيام متشددين في ادلب بالتحضير لما وُصف بانه “هجوم كيماوي”. بالمقابل تجاهلت وزارتا الدفاع والخارجية الروسية الإشارة للغارات. وبات لافتاً الحديث عن تحضير متشددين في ادلب “لاستفزاز كيماوي” في كل مرة تشتعل فيها نقاشات دولية حول الوضع في سوريا، أو تقع حوادث أو تطورات كبرى في ادلب. المعلومات الواردة عن نائب رئيس مركز المصالحة الروسي  تتحدث عن تخطيط مسلحي جبهة النصرة لتنفيذ استنفاز باستخدام مواد سامة في القطاع الجنوبي من منطقة خفض التصعيد في ادلب. داعياً قادة الفصائل المسلحة للإمتناع عن الإستنفزازات العسكرية واعتماد التسوية السياسية. وعلى الصعيد السياسي وصل المبعوث الاميركي الخاص بالملف السوري جيمس جيفري إلى مدينة الحسكة وأجرى لقاءات في قاعدة التحالف الدولي مع قادة الأحزاب الكردية وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، واستمع من رؤساء الوفود المفاوضة إلى وجهات نظرها. وقالت مصادر كردية أنه سيرعى إعلان توقيع اتفاق سياسي بالأحرف الأولى، وتأسيس المرجعية الكردية العليا بين طرفي الحركة الكردية أحزاب الوحدة الوطنية الكردية بقيادة حزب الإتحاد الديمقراطي السوري وأحزاب المجلس الوطني الكردي، وطمأنهم لعدم حصول توغل تركي.

كما إن الإدارة الاميركية تعمل لتحشيد قوى المعارضة السورية لدعم الموقف الاميركي بتحميل دمشق وحليفتها موسكو مسؤولية إفشال العملية السياسية، وبالتالي عرقلة إحراز أي تقدم في أعمال اللجنة الدستورية وتنفيذ القرار رقم 2254.

وتواصل تركيا تعزيز قطعاتها العسكرية في ريف ادلب الجنوبي بعد رفض طلبات روسية بتقليل عددها وسحب الأسلحة الثقيلة، وقد تم توزيع تعزيزات عسكرية جديدة على نقاط عديدة، وبلغ عدد الجنود الأتراك في مناطق خفض التصعيد شمال غربي سوريا نحو 15 ألف جندي. ورغم الإجتماع في أنقرة لم يتوصل الجانبان الروسي والتركي إلى الإتفاق على تخفيض نقاط المراقبة التركية في محافظة ادلب، أو تلك المواقع داخل المناطق التى يسيطر عليها النظام. روسيا تقول إن تركيا لم تفِ بالتزاماتها بموجب اتفاقات استانة والتفاهمات الثنائية، ولم تقم بدورها بالفصل بين المجموعات المتشددة وفصائل المعارضة السورية المعتدلة. وزير الخارجية التركية مولود جاويش اوغلو قال “يجب أن يكون هناك هدوء نسبي، واذا استمر هذا الوضع فقد تكون العملية السياسية انتهت. نحتاج إلى وقف إطلاق النار في سوريا من أجل الإستمرار، والتركيز أكثر قليلاً على المفاوضات السياسية.”

المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون وضع خطوطاً عامة لجدول أعمال اللجنة الدستورية آملاً في عقد جولات جديدة من المفاوضات. وقد أفاد بأنه رغم الحقائق الصعبة على الأراضي السورية، وانعدام الثقة العميق بين القوى السورية المتحاربة، فقد أشرق بصيص أمل خافت مع انعقاد الجولة الثالثة من المفاوضات بين أعضاء اللجنة المصغرة للجنة الدستورية في جنيف.

مقاربتان تسيران بطريقيين متوازيين ترى موسكو أن نقطة اللقاء هي الإنتخابات الرئاسية السورية المقررة منتصف العام المقبل “لإعلان الغرب التراجع عن سياساته الخاطئة”. في المقابل  تراهن واشنطن على تفاقم الأزمة الاقتصادية وتلاشي آمال التطبيع وعدم إعمار سوريا كونها ستؤدي لإعلان روسيا “التراجع عن رهاناتها الخاطئة”. بين الرهانات الروسية والاميركية ستتفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا في انتظار جلوس الطرفين إلى طاولة التفاوض بعد اختبارات مؤلمة من السوريين في مناطق النفوذ الروسية والتركية والاميركية لفك المقاربتين.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.