“عصيان” الطلاب يحيي روح الانتفاضة وتاريخ نضالهم

لم تكن التوقّعات تشير إلى أنّنا سنستيقظ على حلمٍ أبطاله أطفال ومراهقون وشباب على مقاعد الدراسة، خصوصاً وأن ما بين أيدينا من علامات ومؤشرات كانت تؤشر إلى أنّ انتفاضة الطلاب في لبنان تكاد أن تكون في عداد المستحيلات، بالنظر إلى حدة وسطوة التقسيمات الطائفيّة والحزبية المهيمنة عليها، وبسبب مناهج متواطئة مع السلطة، تنشر وباء الخضوع والإستكانة وقبول منوعات الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة السائدة كافة. هذه الأوبئة التي تسبّبها المدارس الطائفية والجامعات التجاريّة التي تستثمر من جيوب الطلاب وتبثّ فيهم أفكاراً لا تبني أوطاناً ولا تخلق مواطنين يصنعون مصيرهم بأنفسهم.
لكنّ صباح يوم السادس من تشرين الثاني كان مختلفاً، فقد حطّم كلّ التوقّعات، مبشّرًا بأنّ الحركة الطالبيّة لم تصدأ بعد، وجيل المفاجآت جاهز لقلب الموازين كافة، عندما يدقّ ناقوس الخطر في أوطانه، لتصدح أصواتهم في الساحات من جديد، بوعيهم السياسي واصرارهم على النضال لأجل إحقاق العدالة الاجتماعيّة والمطالبة بالخبز والعلم والحريّة. هم طلّاب المدارس والثانويات والجامعات نبض الثورة، الذين بنضالهم تضيء شعلة التغيير الحقيقي المنشود، وهذا ما أثبته تاريخهم النضاليّ. لقد أصرّ الطلّاب على تطبيق ما تعلموه في كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة، رغم المناهج البالية، محاصرين من طوقهم بالقمع والترهيب بسلاح العلم والكلمة والقانون والدستور، وهكذا سجّل الطلاب انتصارًا على مناهج التعليب، محرّرين أنفسهم من وطأة عبودية الفكر والممارسات القمعيّة، متحرّرين من الانقسامات، متوحّدين فيما بينهم لأجل مستقبل أفضل في وطن ولدوا لأجل البقاء فيه.
ما فعله الطلّاب خلال تحرّكهم في اليوم الواحد والعشرون للثورة استحضر إلى اذهاننا تاريخ وأمجاد الحركة الطالبية التي لمعت في الستينيات والسبعينيات قبل بداية الحرب الاهليّة التي قادت الى تلاشي الحركة الطالبية وتفتيت النقابات، بهدف إنهاء كافّة أشكال الحركات الشعبيّة من خلال نشر التقسيمات الطائفيّة وفرض الهيمنات الحزبيّة وفرز المجتمع الشبابي طائفياً ومذهبياً وسياسياً، لا سيّما على الجامعة اللبنانية باتساعها واستقطابها، بعدما أمضى طلّابها سنوات من النضال مكافحين من أجل قيامها وتطورها. هكذا أدخلت الحرب الأهلية البلد في دوّامة الصراع مع الوحدة الوطنيّة، وأغرقت الشباب في مستنقعاتها، لتتلاشى الوحدة النقابية والطالبيّة، بعدما حقّقت إنجازات ولعبت دوراً فاعلاً ونهضوياً في قضايا بناء المؤسسات وتأمين الموارد البشرية المؤهلة لعموم أقسامها، ولا سيما في مجال التربية والتعليم، وفي النضال من أجل استقلاليّة الجامعة وحق العمل النقابي، إضافة الى الكثير من القضايا والمحطّات السياسيّة المفصليّة المحليّة أو العربية.
انتفض الطلّاب على عادتهم ومن شتى مراحل التعليم وفي عموم المناطق اللبنانية، غير آبهين بسياسة القمع والتهديد والتخويف التي حاول مدراء بعض المدارس فرضها. وبوحدتهم نجحوا في إقفال معظم المؤسسات التعليمية في المناطق اللبنانيّة كافة من الجنوب إلى الشمال، ومن البقاع إلى بيروت وجبل لبنان، واندفعوا في مسيرات جابت الشوارع والساحات والميادين المختلفة. لقد أثبت الطلاب من خلال انتفاضتهم أنهم يتمتعون بوعي سياسي واجتماعي لافتين، وأنّهم قادرون على التعبير عن آرائهم ورفع صوتهم عالياً ليطالبوا بدولة علمانيّة ورفع مستوى التعليم الرسمي، ومكافحة الفساد والتمرّد على قمع حرية الرأي والتعبير من جانب الإدارات الرسمية وغير الرسمية، ورفعوا الرايات والشعارات التي تؤكد أنّ الطلاب هم جزء لا يتجزّأ من التحرّكات المطلبيّة والنضاليّة التي تعمّ لبنان، ليتحولوا ليس الى “وقود” الثورة فقط، بل إلى قادتها في المستقبل القريب.
هذه التحركات الطالبية، كانت نقطة تحوّل مفصلية في انتفاضة 17 تشرين الأول، أعطت الثورة انتشاراً وزخماً جديدين، والتي اذا استمرت، لن تقوى السلطة على اخماد النيران التي أشعلتها أو تهدئة عاصفة التغيير القادمة. وأمام ما يحاك ويدبر لإغراق هذه الثورة في الفوضى الأهلية ، فإن على الطلاب أن يحرصوا على تشكيل لجان وهيئات طالبية لمنع أي محاولة للوصاية عليهم ومصادرة حركتهم وانتفاضتهم، ويعملوا لبلورة اهدافهم ومطالبهم، لأنّنا لا زلنا في بداية الطريق نحو بناء حركة شعبيّة جديدة نبضها الطلاب، جيل التغيير والمفاجآت.

جويل عبد العال

كتبت جويل عبد العال

شاهد أيضاً

السلطة تراوح مكانها فتُغرق البلاد في وحول الأزمة

وعليه تبقى الأوضاع تراوح مكانها ويخسر لبنان واللبنانيون وقتاً ثميناً كان يمكن انفاقه في ما هو مجدٍ ، وبما يعيدهم إلى خارطة الانتظام الاقتصادي داخلياً واقليمياً ودولياً. ولأن هذه السلطة قد "تمسحت" منذ عقود وعقود وقد ازدادت "تمسحة " مع حكومة الرئيس حسان دياب فلا شئ يغير في سلوكها،