قراءة في كتاب “وجها لوجه مع الفكر الاصولي(1) / فوزي برجاس

“صاحب من يقولون أنهم يبحثون عن الحقيقة وجانب من يدعون أنهم يملكونها” فاكلاف هافل

 في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الصديق خالد غزال استعير المقالة التالية من مطالعة سابقة لي عن كتابه، “وجها لوجه مع الفكر الاصولي” للإضاءة مجددا على  ملامسة قلمه النقدية لأزمة الأصولية بكل اشكالها في شرقنا العربي. 

تتباين الاراء حول تحديد مفهوم المثقف ودوره، على أن هناك شبه اجماع، أولاً: بأن المثقف هو من يحمل الوعي الجديد في عصره، اي من يكون مواكبا لمسيرة التطور الحضاري، وثانياً: انه صاحب الفكر الجريء الذي يسأل أسئلة الحاضر ويلتمس أجوبة لها تصّح لعالم اليوم.

ضمن هذا التعريف ارى الصديق خالد غزال من خلال كتابه “وجها لوجه مع الفكر الأصولي”(2) مثقفاً بامتياز، فهو يدرك خطورة الظاهرة الاصولية التي تتوسل العنف في محاولة لتحقيق أهدافها، فيحلل، بعقل حداثي، الخطر الكبير الذي يتحدى عالم اليوم ويكاد يلفه بغيومه السوداء. وهو أيضاً المفكر الجريء الذي يقف وجهاً لوجه أمام هذه الظاهرة التي هي أشبه بوجه مديوسا، الكائن الخرافي الذي يحيل من ينظر اليه إلى جماد.

يضع الكاتب الاصولية على مشرحة النقد المنهجي فيبدأ كتابه أولاً بأوسع تحديد للأصولية، فيضعها في الاطار العام أي اطار الفكر أو النوع الذي تنتمي اليه، فهي في نظره الفكر الاحاديّ النظرة في جميع أشكاله الدينية السياسية والعلمية.

ومن ثم ينتقل في التعريف الى مرحلة التمييز أي ابراز الخصائص المحددة لهذه الظاهرة فيقول أنه لا يتكلم عن الاصولية كايديولوجيا أو تعبير عن نظرة إيمانية، ولكن يتكلم عنها عندما تصبح أبعد من حدود النظرية أي عندما تنزلق إلى فرض نفسها كحقيقة مطلقة فوق النقد على يد من يدعون أنهم يتكلمون رسميا باسمها، ويستحيل كل رأي أخر مخالف أو معاكس لها هرطقة وكفر مبين.

والخطر في هذا واضح، فالتاريخ يشهد، كما قال أحد المفكرين، بأن كل الافكار الطوباوية التي حاولت بالقوة أن تجعل من المجتمع جنة أو نعيماً لم تفلح إلا أن تحولَه الى جحيم.(3)

لذا أشارك المؤلف نظرته، بأن لا خطر في الاصولية من حيث هي شعور انتماء والتزام فكري أو ديني. وانما الخطر  هو فرضها بالعنف على يد من يسمَون أنفسهم حكماء أو دعاة

يتقصّى الكاتب بروز السلفية الدينية في عالمنا العربي خصوصاً، فيرى انها أصلاً نتيجة اخفاق المشاريع القومية العربية والليبرالية عامة، بدءاً من سبعينيات القرن الماضي، التي لا نزال نعيش ارتداداتها إلى الحاضر، أذ نشهد سرعة انتشار المد الاصولي من مكان حصري محدد إلى أكثر الأمكنة، وذلك في توالد سرطاني خطر يكاد يطال الطوائف جميعها عندنا.

ويبقى القول أن ضغوط العولمة والخوف من تذويب الهوية الدينية والقومية أدى الى ظهور الأصولية كردة فعل طبيعية عند بعض الفئات التي تسعى الى تأكيد ذاتها ولو بالقوة، وهنا يكمن الخطر، فالأصولية من حيث هي ايديولوجية دينية أو فكرية، تستند إلى مسلمات وثوابت مطلقة نهائية تدعي امتلاك الحقيقة وحدها، فيصبح الآخر الكافر والعدو والطاعون الذي يجب استئصاله.

وهنا يحضرني، ولو استطراداً، تحليلاً قرأته عن سبب عدم شعور الاصولي المتعصب بالذنب مطلقاً عند قتل ضحاياه من الاطفال والنساء والرجال، والتحليل يأتي على شكل التساؤل التالي:

الا يرى هؤلاء المتعصبون الأصوليون الاشلاء الممزقة لضحاياهم؟ وهل هم مجردون من أي شعور انساني أمام عذاب الاخرين؟ وجوابي، يقول المعلق، هو أن هؤلاء يرون الحقائق فقط من خلال عدسة نظاراتهم الايديولوجية، فهم لا يرون حينها أمامهم اجسادا ممزقة، بل يرون أعداء الله؟ هم لا يرون أمامهم دماء حمراء وأشلاء ضحايا أبرياء، بل حجر عثرة في طريق السعادة الابدية. القتل والإنتحار والدمار يصبحن فعل شهادة، والشهادة مفتاحا للجنَة.(4)

بالعودة الى الكتاب الذي نناقشه اليوم، لا يرمي الكاتب الطفل مع ماء الحمام، كما يقول المثل الانكليزي، فهو لا ينتقد الأصولية من حيث هي ايديولوجية أو نظرية ايمانية، ويؤكد بموضوعية الناقد الذي لا يرى فقط النصف الفارغ من الكأس بأن الاصولية أي السلفية هنا لا تختزل الدين، فالدين في تطلعاته ومنطلقاته دعوة تسام وتسامح ومحبة وعدالة شاملة؛ وهذا الامر ينطبق كذلك على الايديولوجيات الاخرى في أهدافها اشتراكية كانت أم شيوعية، مدنية علمانية أو علمية.

بعد التشخيص والتحديد الدقيق للداء في المقدمة، ينطلق الكاتب في بحث نقدي هادئ النبرة، حيث يتناول في الفصل الاول الملامح المشتركة بين الاصوليات عامة.

وفي الفصل الثاني يقف عند خصائص الاصوليات غير الدينية والخطر الذي مثلته في التاريخ الحديث.

وفي الفصل الثالث يضع تحت المجهر الاصوليات الدينية في عالمنا الشرقي.

أما الفصل الرابع، ففيه يقدم الكاتب الوجه المعاكس والمضيء من الصورة، حيث يستعرض، عبر أمثلة حيَة، حياة وفكر اصلاحيين أعلام قاوموا، برصاص القلم ونور الكلمة، هذه الأصوليات في عالمنا العربي. لقد أبرز الكاتب بوضوح مشاريع هؤلاء الكتّاب الاصلاحية، لعلنا نستحضر منها بعض الدواء لداء الاصولية المتفشي في مجتمعاتنا.

سأقف سريعاً عند كل فصل بخطوطه العريضة، ففي الفصل الاول تحت عنوان “المشترك بين الاصوليات الدينية وغير الدينية” يفرد الكاتب خصائص خمس مشتركة هي:

أولا: “الاصطفائية وامتلاك الحقيقة المطلقة واحتكارها”. هنا ينزع المتعصبون في كل دين الى وضع أنفسهم في مرتبة المختارين الاصفياء على شبه معادلة شعب الله المختار في اليهودية أو نقاء العرق الآري، كما في النازية.

ثانياُ: “معاداة الديمقراطية ورفض الآخر واستخدام العنف” ورفض الديمقراطية.

ثالثاً: “الخلاصية المهداوية وعبادة الشخصية” والعصمة عن الخطأ، وهكذا يصبح عندنا القائد الخالد الملهم وما أكثرهم في عالمنا العربي.

رابعاً: الإيمان  بماضٍ مقدس أو مجيد يراد اسقاطه على الحاضر.

خامساً: “المؤامرة واختراع العدوّ”. فيصبح المتعصب، بالمعنى المجازي والعبثي، كالشخص الذي يريد الهروب من ظله.

وينتقل الكاتب الى العلمانية الاصولية التي ذهبت بالمجتمع من اصولية هيمنة الدين على الدولة الى النقيض الآخر وهو هيمنة الدولة على الدين، كما في تجربة الانظمة الشيوعية والتجربة التركية الاتاتوركية والتجربة العلمانية التونسية على يد حبيب ابو رقيبه. أن محاولة تلك العلمانيات اقصاء الفكر الديني وعزله خصوصاً في حال التجربة التركية ادى، بقول الكاتب، بما يشبه التجربة العلمانية الفرنسية،الى موقف ايديولوجي عدواني ومغلق يقابل موقف رجال الدين او الكنيسة الذي لا يقل عنه نقصاً وانغلاقاً.”

ومرة جديدة لا يغرق الكاتب في نفس الخطأ الذي ينتقده بل يشير الى انه لا ينتقد هذه التجارب لينقضها او يعريها من أي هدف سام أو جهد نبيل قامت به، فيقول في ( ص74 ) أن تسليط الضوء على الجانب الاصولي في التجارب الشيوعية والتونسية والاثار السلبية التي تركتها في شأن العلاقة مع الدين لايلغي الدور الايجابي الذي لعبته هذه العلمانية في تطوير المجتمعات الثلاثة “.

تبقى الأصولية العلمية التي اقامت مطلقاً آخر وهو خلاص البشرية عبر العلم، وهذا ما بحثه الكاتب في الجزء الآخير من الفصل الثاني حيث أوضح كيف بلغ الإنحراف العلمي درجة التقديس لطروحاته وتكريس نفسه كبديل وحيد بإعلان موت الله على لسان نيتشه.

ولا يعتم المؤلف أن يعيد الحق الى نصابه فليس العلم هو المشكلة انما التطرف في استخدام العلم وألهنته وفي هذا الحال يصبح اصولية مقيتة ، وما يمكن أن يكون حلاً يصبح هو المشكلة .

إن الفقرة الاخيرة من هذا الفصل تخاطب مباشرة واقعنا العربي وطريقة الخروج من كهوف الماضي الى الحداثة كوسيلة ضرورية من وسائل التطور والتغيير.

 

يبقى الفصل الثالث من الكتاب وهو حول الاصوليات الدينية حيث لم يخرج المؤلف عن نظرته النقدية الهادئة لهذه الاصوليات.

أما الفصل الرابع والاخير من الكتاب حول حياة وفكر بعض الاعلام من المصلحين العرب فهو يعطي هذا العمل قيمة اضافية، لا بد ّ من شكر الكاتب عليها وهي تتمثل بالاضاءة على الفكر الاصلاحي عندنا الذي تم طمسه أو اهماله ولا اراه يشكل إلا حيزاً ضيقا من اهتمامات الكتاب والمفكرين ومن مقررات  المناهج الدراسية في البلدان العربية .

نغلق الصفحة الاخيرة من الكتاب لكن دون ان ننسى أمرين: الامر الاول، ظاهرة الاصولية وخطرها ، والامر الثاني: السؤال ما العمل؟  بالنسبة للامر الاول يمكن اعادة تلخيصه بعد قراءة الكتاب بالشكل التالي :

تتماثل كل الاصوليات الدينية وغير الدينية عندما تدعي انها تمتلك حقيقة مطلقة لا تمس. ان الاستنتاجات المنطقية لهذه القاعدة في التفكير تقود حكماً في أكثر الأحيان وفي تسلسل منطقي إلى العنف. فالخطأ ليس في الاستنتاج الذي لا غبار عليه من حيث المنطق إنما الخطأ في القاعدة الأساس الذي بني عليها هذا الاستنتاج، فأي فكر يقوم على قاعدة أنه يعرف ويمتلك الحقيقة المطلقة هو تفكير خاطئ اساساً، لأن الانسان غير مؤهل بمحدودية ادوات الادراك لديه أن يعرف الحقيقة هذه. هذا لا يعني بالضرورة أبدا التشكيك بالمطلق إنما تشكيك بالقدرة البشرية المحدودة على إدراكه. إن هدف الدين أو العلم، برأيي، لا يمكن أن يكون القبض على الحقيقة فهذا أمر مستحيل انما هو محاولة الحصول على وعي أكبر لها. 

أما بالنسبة للامر الثاني: أي السؤال، ما الحل للخروج من حالة الأصوليات المتحجرة التي تعيق تقدم عالمنا العربي؟ فيلخص المؤلف الجواب عليه في المقدمة من خلال الدعوة إلى المراجعة النقدية وتصحيح لدور العقل والدين معاً، اذ يقول:

 

        ان تسليط النقد على الهوية الفكرية لهذه  الأصوليات يهدف إلى تعيين مداخل مناقضة لها، تساهم في السجال الدائر اليوم حول كيفية تجاوز المجتمعات العربية لتخلفها ولعجزها عن الدخول في العصر، وهو ما يستوجب بناء مشروع نهضوي جديد يفيد من سلبيات الماضي ويكون منفتحاً على الحداثة بجميع مكوناتها. يرتهن هذا المشروع بشرطين أساسيين: الأول يتصل بضرورة تحقيق الاصلاح السياسي في المجتمعات العربية على قاعدة اعتماد الديمقراطية سبيلاً لهذا الخلاص … أما الشرط الثاني فيحتم ضرورة الاصلاح الديني… يتطلب هذا الاصلاح الديني قراءة تاريخية للنصوص المقدسة وتبيان ما هو صحيح منها يمكن الافادة منه، وما تقادمه الزمن فيتم تجاوزه. (ص8 – 9).

 هذا العمل الفكري يضيء شموع العقل في دروب عالمنا العربي وينير الطريق للخروج من شعاب الحاضر المظلمة.

 

(1) مطالعة في ندوة عن كتاب خالد غزال، “وجها لوجه مع الفكر الاصولي”، بناء على دعوة من  المجلس الثقافي في قب الياس، شارك فيها كل من د. فوزي برجاس و د. توما الخوري وأ. محمد حيدر.

            (2) خالد غزال، “وجها لوجه مع الفكر الاصولي، بيروت: دار الطليعة، 2009.

 

JONATHAN RAUCH, “Crisis on the Right” New York:  New York Times Book Review, October 2007               (3)

 

 

John Kekes, “Words to Die By,” New York Time Book Reviews, February 20, 2007.                                      (4) 

فوزي برجاس

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.