نحو حركة شعبية ديمقراطية تطوّر الانتفاضة وتبني الوطن

لم يبق للبنانيين سوى انتفاضتهم وإرادتهم يراهنون عليها ضمانة للوطن، وتجديد الأمل بالحياة، ومجابهة التحديات والصعوبات التي تنتصب في وجوههم. لا مجال للعودة إلى الوراء، فبعد 17 تشرين الاول 2019 ليس كما قبله. خصوصاً مع تمادي الطبقة السياسية الحاكمة في الاستهتار بحياتهم ومستقبلهم ومصيرهم. شهران ورئيس البلاد ينتهك الدستور ويرفض تحديد موعد لاستشارات نيابية ملزمة. بدورها قوى السلطة لم تتجاوز دائرة البحث عن جنس الحكومة الجديدة، والجميع يقيمون عند شروطهم المتبادلة للبقاء في السلطة أو العودة إليها، وضمان أدوارهم وحماية مواقعهم ومصالحهم، محصّنين برهاناتهم ودعم الخارج لكل منهم، يستوي في ذلك الحاكم والمتحكم والمستقيل والمنكفيء.
لم يبق للبنانيين سوى انتفاضتهم التي يجب العمل على حمايتها وتحصينها، وتنظيم صفوفها وتوسيع مساحة المشاركين فيها، كي تبقى وتستمر في محاصرة قوى السلطة، والضغط عليها، لإجبارها على تشكيل حكومة انقاذ تعمل على وقف الانهيار الاقتصادي والمالي. وإذ تستمر السلطة في الاستهانة بهم، وترفض الاعتراف بحقوقهم والاستجابة لمطالبهم، فإن المشاركين في يومياتها لا يستغربون ما عرفوه وعانوا منه طوال ثلاثة عقود، وقبل نزولهم إلى الساحات والشوارع، محصّنين بما حصّلوه من وعي عبر تجاربهم، ومن خلال معاناتهم، وقد انهارت أمامهم شعارات الاصلاح والإنماء والتغيير وازدهار مستقبلهم. وتبخرت الوعود التي سمعوها طويلاً وراهنوا على من أطلقها، ولم يحصدوا سوى الخيبة والفشل. لقد أثبتت وقائع الانتفاضة بأحداثها وحوادثها أهمية الإرادة القوية، والوعي المتحقق لدى المشاركين فيها، وهم يواجهون محاولات قوى السلطة استدراجهم للعنف ومواجهة مجموعات الشبيحة من الفقراء، الذين تُمارس بحقهم ابشع أنواع الاستغلال، وقد دفعت بهم لتنظيم الهجمات الوحشية على ساحات الانتفاضة، لممارسة الارهاب وإثارة الرعب في صفوف المنتفضين، علّها تتمكن في نهاية الأمر من اخضاعهم وإعادتهم إلى بيت الطاعة الطائفي.
لم يبق للبنانيين سوى انتفاضتهم المشحونة بالغضب والخوف من المصير المجهول الذي ينتظرهم، جرّاء انعدام حس المسؤولية الوطنية لدى الطبقة السياسية الحاكمة، ولا مبالاتها بشؤون حياتهم وتعريض وطنهم لأشد مخاطر الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يقارب حد الافلاس. وهذا الأداء ليس مفاجئاً للبنانيين، وهم لا يرون فيه عجزاً أو فشلاً، لأنهم باتوا على يقين بأن الأحزاب الطائفية لا تبني وطناً ولا توحد مجتمعاً، ولا تعالج ازمات، أربابها هم صنّاعها. وأن قضايا الوطن ومستقبله تتناقض وطبيعة القوى التي تُبقي البلد ساحة مشرّعة للاستثمارات السياسية والمالية لدول الخارج وللأنظمة التي تأكل من خبزها. والتي تستغل الانقسامات الطائفية في صراعات السلطة والنفوذ والمنافع. وهي تعرف جيداً مصادر قوتها ولا تخشى السقوط، وهي خلافاً لأوهام البعض ليست بوارد تسليم أوراقها لأحد، كما لم تستشعر خطراً جدياً بعد على سلطتها ومصالحها، تضطرها لاستخدام أسلحتها التي لا يحق لأحد الاستهانة بفاعليتها.
لم يبق للبنانيين سوى التحصن بانتفاضتهم في سبيل المستقبل، لذلك هم معنيون ومسؤولون عن حماية المسار السلمي لها، وعدم استسهال ممارسة العنف ومنع الانزلاق نحوه، مهما كانت أشكاله، إضافة إلى محاصرة الاختراقات المشبوهة التي تستهدف التخريب وافتعال الإشكالات عبر قطع الطرقات المرفوضة، وتسهيل استغلال الحوادث المؤسفة لتسعير الانقسام والاشتباك الأهلي على رافعة خطابات الحقد والتحريض الطائفي، وعراضات الميليشيات الموتورة، كما جرى في اكثر من منطقة وساحة.
ولأنه لم يبق للبنانيين سوى انتفاضهم، فإن ما يتصدر الأولويات هو السعي لتطويرها وتجذير بنيتها عبر تنظيم قطاعات مختلف فئات المجتمع المتضررة، وبناء أدواتهم النضالية وإنتاج برامجها المطلبية والنضالية، والمبادرة إلى تشكيل الأطر في الأقضية والمحافظات حول قضاياها ومشكلاتها المشتركة، وتحديد أولوياتها ورسم خطط تحركاتها، مما يسهل معه تنسيق التحركات، والإرتقاء بها إلى مرحلة صياغة برنامج اصلاحي يستجيب لتطلعات وآمال اللبنانيين ومصالحهم.
وإذا كانت عفوية الانتفاضة قد شكلت عامل قوة لها في أسابيعها الأولى، فإن استمرار العفوية، هو أسهل الطرق نحو الفوضى، التي يسهل معها تبديد تضحيات المشاركين فيها وهدر الإنجازات المتحققة لغاية الآن، والتي يجب عدم الاستهانة بها، أو التقليل من شأنها، بقدر ما يجب العمل على ترسيخها في الوعي وعلى أرض الواقع، من أجل قطع الطريق أمام عودة اليأس والاستسلام للخوف، ومواجهة ورفض كل منوعات التشكيك بها. وهذا يستدعي أيضاً وبلا تردد السجال الصريح مع كل منوعات استسهال التغيير الجذري، وفوضى الممارسات المرافقة لها. ومنها مواجهة الذين يروجون لضعف الطبقة السياسية، وينظرون لعجزها وعدم قدرتها على الصمود، وانهيار نظامها وسلطتها، على أنه لم يبق امام اللبنانيين سوى التقدم لاستلام السلطة وتغيير النظام، وأن الأمر لا يحتاج سوى لاستجابة الانتفاضة لمناشدات أهل السلطة، بتشكيل قيادة يرون انهم مؤهلون لها، باعتبارهم خبراء الحلول السحرية لأزمات البلد، وهي بانتظارهم لتكليفهم مهمة انقاذ البلد.

المحرر السياسي

كتب المحرر السياسي

شاهد أيضاً

المصارف تمسك بخناق حياة اللبنانيين ومستقبلهم

والمفارقة أن هذا التخوف من مصير الفاقة القريب وصل إلى فئات كانت تصنف حتى الأمس القريب من الفئات الميسورة، باعتبار أن لديها من المداخيل والأموال ما تستطيع إنفاقه، والحفاظ على قدراتها الشرائية ومقومات عيشها، لكن الإجراءات المصرفية المتلاحقة وضعت هذه الفئات أيضاً أمام الأسئلة المصيرية،