هل تنقذ الإنتخابات المبكرة عنق نتنياهو ؟

يتفق المحللون ان قرار الائتلاف الحكومي اليميني في اسرائيل بإجراء الإنتخابات المبكرة بعد حل الكنيست، في اعقاب طرح قانون تجنيد الحريديين، كان حصيلة تفاعلات بدأت مع استقالة وزير الأمن أفيغدور ليبرمان احتجاجاً منه على رفض اعتماد النهج الذي يراه ناجعاً في مواجهة الوضع الذي يعيشه قطاع غزة، بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار الأخير.

ومن المعروف أنه كان هناك إتجاهان لدى القيادة الإسرائيلية إزاء أوضاع القطاع، أحدهما يؤيده نتنياهو وقيادة الجيش وأكثرية أعضاء الحكومة المصغرة، والتي تفضل بقاء حماس مسيطرة عليه رغم الأضرار الجزئية التي يتسبب بها، سواء على مستوى المواجهات العسكرية الصاروخية التي تستهدف المستوطنات القريبة، أو عبر التظاهرات التي تنطلق نحو المنطقة الحدودية، وأدت حتى الآن إلى سقوط مئات الشهداء وألوف الجرحى من أبناء القطاع ، وتتسبب بإحراج دولي. ويرى هؤلاء أن المكاسب التي تحصل عليها اسرائيل لا تقارن بالخسائر، وأبرزها القنوات المفتوحة مع مصر باعتبارها معنية أكثر من سواها بالوضع الأمني في منطقة ملتبسة، واستمرار الانقسام الفلسطيني على حاله بين السلطة الوطنية وحماس، ما يجعل الضفة الغربية والقطاع يعيشان في ايقاعين مختلفين تماماً، مع ما يعبر عنه ذلك من تكريس انقسام المجتمع الفلسطيني بدل توحده وممارسته سياسة واحدة تضع اسرائيل في مأزق فعلي، وتفرض حركة سياسية ونضالية ناشطة، بما فيه وضع حل الدولتين على طاولة البحث في المحافل الدولية. أكثر من ذلك أدت مثل هذه السياسات الأميركية ـ الإسرائيلية إلى تحقيق اختراقات عربية لا يستهان بتأثيرها، وإن كانت ما تزال محصورة في بعض دول الخليج والسودان.  وهذه لا تقاس بالخسائر المحدودة التي تتعرض لها اسرائيل.

وبدورها القيادة العسكرية الاسرائيلية، ترى أن وضع القطاع لا يمكن أن يواجه بما يدعو إليه ليبرمان من خوض مواجهة عسكرية كبرى مفتوحة على إعادة احتلاله ثانية، بالنظر إلى الخسائر التي ستقع في صفوف قواتها من جهة، ولأن أزمة غزة مركبة ومعقدة تدخل فيها الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها القطاع من جهة ثانية. ويمكن عبر وسائل متداخلة الحد من تأثير بقاء حماس، وتحويل إمساكها  بزمام الأمور إلى مكاسب صافية. وهذه تتطلب مواصلة التنسيق الأمني مع مصر، ومتابعة الاونروا عملها وتقديماتها في غزة ومخيماتها، وفتح المعابر وتقنين توريد الأساسيات بما فيه البترول،  وتسهيل تمرير الاموال القطرية إلى القطاع لدفع جزء من رواتب موظفي حركة حماس بما فيه أجنحتها العسكرية، وإطلاق الوعود الأميركية عبر المؤتمرات وغيرها بوجود مشروع “تنموي” اقليمي ـ دولي للقطاع يعالج مشاكل البنية التحتية المستعصية ويؤمن الكهرباء والمياه والمجاري ويضمن عمل المستشفيات وإمدادها بالطاقة والمعدات اللازمة. إذن يندرج الخلاف داخل القيادة السياسية الاسرائيلية بين طريقين للمواجهة، أحدهما يدعو إلى استعمال هراوة الجيش بمقدار مدروس، كي لا تكون النتيجة خسارة المكتسبات التي يتسبب بها وجود حماس مهيمنة عليه، والثاني يدعو إلى الحسم وخوض حرب مفتوحة بدل الاستنزاف.

هذه المناخات هي التي تسببت في استقالة ليبرمان، الأمر الذي دفع زعيم حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت لرهن بقائه بالحصول على حقيبة الأمن، وتلويحه بالاستقالة في حال الرفض، ما يعني سقوط الحكومة والذهاب نحو انتخابات مبكرة. المهم أن حكومة نتنياهو ترنحت، لكنها لم تسقط بعد أن تخلى بينيت عن طموحه بتلك الحقيبة التي أعلن نتنياهو أنه من سيشغلها. بذل نتنياهو جهداً سياسياً كبيراً لضمان بقائه على رأس الحكومة. وتوجه نحو الرأي العام والكتل اليمينية معلناً أن اسرائيل تجتاز ظروفاً أمنية خطيرة تتطلب بقاءه على رأس الحكم وبالتالي عدم الإنشغال عنها بالانتخابات، وما تحدثه من شروخ وانقسامات في المجتمع الإسرائيلي. ثم إن فرض هذا الخيار سيجد تفسيره في إعلام “الممانعة” بأنه نتيجة الانتصار و مضاعفاته المربكة في اسرائيل، ثم إن انفجار العلاقات بين قوى اليمين المتنافسة الذي تتشكل منه الحكومة، ما من شأنه خدمة المعارضة على اختلاف تلاوينها، وسيجد ذلك نتائجه في صناديق الاقتراع، الأمر الذي يشكل خسارة وخدمة تاريخية لهذه القوى التي قد تعيد الإمساك بالسلطة. وعلى وقع سيل الخطابات والتصريحات تم طي صفحة احتمال الانتخابات مؤقتاً، دون أن يزول الخطر باعتبار أن الإئتلاف الحاكم الآن يقوم على هامش ضيق لا يتعدى الصوت الواحد في الكنيست، إذ يحتفظ نتنياهووفريقه بـ 61 صوتاً مقابل 59 صوتاً للمعارضة، وهنا جاءت قضية قانون التجنيد التي قصمت ظهر البعير، ثم أنه علينا ألا ننسى التهم المكدسة في أوراق محققي وزارة الداخلية والقضاء حول نتنياهو وزوجته، والتي في حال تقديمها في لائحة إتهام رسمية أن تضع بقاءه في مهب الريح في حال تقرر سوقه إلى المحاكمة.  ولذلك يبقى نتنياهو الذي يتربع على رأس الحكم منذ 11 عاماً مهدداً في أي لحظة بالسقوط. 

لكن السؤال الذي يدفع إلى اسئلة كثيرة هو ذلك الذي وصفه نتنياهو بأنه ظروف أمنية خطيرة، رغم غياب التهديد الوجودي الذي كانت تمثله يوماً الجيوش العربية والمقاومة الفلسطينية مع حاضنة عربية ودولية. هنا ينبغي النظر إلى مسائل طارئة وعلى درجة بالغة من التعقيد والتداخلات. وابرزها دون شك قرار ترامب بانسحاب القوات الاميركية من سوريا في غضون فترة تتراوح بين 60 إلى 100 يوم، والعثور على أنفاق حزب الله في الجنوب نحو الأرض المحتلة، المهم أن هناك إعادة خلط أوراق كبرى على صعيد المنطقة، وهي مجتمعة قادت إلى احتمالية نفاذ رقبة نتنياهو من مقصلة القضاء الإسرائيلي حتى الآن، إذ كل طرف يعيد الآن تقويم وضعه ومراقبة المجريات. وينسحب مثل هذا الوضع على كل الأطراف المشاركة والمتفاعلة بما فيه الطرف الإسرائيلي الذي يبدو أكثر من سواه في مرحلة تفحص دقيقة للتطورات. 

عماد زهير

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.