الشمال السوري مسرح مقايضات اميركية – روسية – تركية

وقعت تركيا واميركا تفاهات عسكرية لإقامة منطقة آمنة في شمال شرقي سوريا، وأضحت الاراضي السورية مسرحا لمقايضات اميركية وروسية وتركية. ان التفاهمات إزاء شرقي الفرات هي بمثابة ترتيبات عسكرية لا تصل حد الإتفاق على منطقة آمنة واضحة المعالم، لكنها مفتوحة لتصل حدود الإتفاق الكامل بعد زوال الكثير من نقاط الغموض في الترتيبات والعلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة. كانت الفجوة واسعة بين الموقفين. انقرة ارادت منطقة آمنة تمتد نحو 460 كلم من جرابلس على نهر الفرات إلى فش خابور على نهر دجلة، وبعمق وسطي قدره 32 كلم. وتكون المنطقة خالية من وحدات حماية الشعب الكردي وسلاحها الثقيل.وتكون بحماية عسكرية تركية مع تشكيل مجالس محلية، ما يسمح بعودة لاجئين سوريين. والواقع ان هذه المساحة الجغرافية وبهذا الاتساع ومع الإشراف والإنخراط في تشكيل مجالس محلية، وفتح الباب للعودة، تعني ببساطة تغييراً ديموغرافياً بحيث يقتلع الاكراد، ويحل محلهم موالون لتركيا. واشنطن أبدت استعدادها لإقامة منطقة بعمق 5-14 كلم، ولا تصل لأكثر من مئة كلم، مع إبعاد الوحدات والسلاح الثقيل والبحث في موضوع المجالس المحلية، إضافة أن تكون حمايتها اميركية. التفاهمات تبدأ بمركز عمليات مشترك تركي اميركي جنوب تركيا وترتيبات عسكرية بطول 70-80 كلم بين مدينتي رأس العين وتل أبيض في محاذاة الحدود التركية السورية، وبعمق بين 5 و14 كلم، كما تسيير دوريات عسكرية اميركية انطلاقا من مركز العمليات المشترك جنوب تركيا، وهي ترتيبات عسكرية بحتة لا علاقة لها بالحكم المحلي أو بالتحالف الدولي ضد داعش، على ان يسحب السلاح الثقيل ووحدات حماية الشعب الكردية من هذه المنطقة، ويبعد السلاح الثقيل مسافة 20 كيلومتراً عن الحدود التركية، ويتم تسيير طائرات استطلاع من دون طيار للتحقيق ولتبادل المعلومات.

لم تحقق تركيا كل ما أرادته لكن الجانب الاميركي وضع خطاً احمر واضحاً وهو حماية قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تعهد واشنطن بالحصول على موافقتها لأي خطوة إضافية. قائد قوات سوريا الديمقراطية كان يريد منطقة بعمق 5 كلم فقط، وربط ذلك بخروج تركيا من مدينة عفرين. البرنامج الاميركي لدعم الاستقرار شرقي الفرات سيستمر، كما أن الجانب الاميركي لم يمانع عودة طوعية للاجئين سوريين إلى مناطق خاضعة للترتيبات العسكرية. لكن الواضح هو رفض واشنطن الدخول مع أنقرة في مفاوضات حول الحكم المحلي والمجالس المحلية المدنية شرق الفرات. تقول مصادر أن وزير الخارجية التركي قلق من تكرار اميركا لخطة منبج، والبطء في التنفيذ “لشراء الوقت وتمييع البرنامج الزمني”. المفارقة هنا أن تركيا تريد حماية نفسها من الوحدات الكردية وأن اميركا تريد حماية الوحدات الكردية من تركيا.

الجانب الروسي حاول الإفادة من هذه التفاهمات بالدفع باتجاه فتح أقنية اتصال بين وحدات حماية الشعب الكردي ودمشق، وتعزيز المخاوف الكردية من الاميركيين. كما عمد الجيش الروسي لدعم قوات الحكومة السورية لقضم منطقة ” خفض التصعيد” شمال غرب سوريا. ما يهدد إتفاق سوتشي الروسي التركي ويؤدي إلى تصاعد التوتر قبل انعقاد القمة المرتقبة الروسية التركية الايرانية في ايلول. على خط موازٍ أصبحت أكبر نقطة مراقبة تركية موجودة في منطقة التفاهم الروسي التركي تحت مرمى نيران قوات النظام بعد سقوط مدينة خان شيخون الاستراتجية في جنوب ادلب، وبعد أن انسحبت منها فصائل مقاتلة. وقد سبق وسيطرت قوات النظام بإسناد جوي روسي على أكثر من نصف المدينة، وتمكنت من قطع طريق حلب دمشق الدولي أمام تعزيزات عسكرية أرسلتها أنقرة وكانت في طريقها إلى ريف حماه الشمالي، حيث نقطة المراقبة التركية الأكبر في بلدة “مورك”. جزء من هذه الطريق يمر في ادلب ويربط مدينة حلب بدمشق. ويقول عارفون أن النظام يريد استكمال سيطرته عليه. وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو قال خلال مؤتمر صحفي ” سنفعل كل ما يلزم لضمان أمن عسكريينا ونقاط المراقبة الخاصة بنا”. ودعا دمشق إلى عدم اللعب بالنار، وذلك بعد أن أعلنت أنقرة تعرض رتل من قواتها اثر وصوله إلى ريف أدلب الجنوبي لضربة جوية ولم يتمكن من اكمال طريقه إلى “مورك”.

إشارة إلى أن ادلب مشمولة باتفاق روسي تركي لخفض التصعيد. بشار الاسد وخلال استقباله وفداً روسيا أكد أن المعارك الأخيرة في ادلب كشفت لمن كان لديه شك عن دعم أنقرة الواضح وغير “المحدود للارهابيين”. وقد تسبب التصعيد منذ نهاية نيسان بمقتل اكثر من 860 مدنياً ونزوح أكثر من 400 ألف شخص. لافروف وزير الخارجية الروسي قال “إن الوضع الناشىء في ادلب سببه مواصلة العناصر المتشددة شن هجمات لم تتوقف على المناطق المجاورة ومساعيها المتواصلة لتوسيع مساحة سيطرتها الجغرافية”. وأضاف: إن موسكو أبلغت الجانب التركي أنها لن تتردد في الرد بشكل حازم على أي اعتداءات يقوم بها المسلحون ضد مواقع محيطة بادلب. الرئيس الروسي بوتين أكد على أن بلاده “تواصل تقديم كل الدعم اللازم للجيش السوري من أجل مواجهة الارهابيين في ادلب”.

ومن أهم الاستنتاجات انعدام فرصة للتعايش أو لهدنة مستقرة. وقد باتت ادلب الملجأ الأخير للهاربيين من آتون العنف وحربها ، بعد أن اضحت حرباً دولية واقليمية في آن. فالتدخلات العسكرية الخارجية والتى تملي رغباتها على طرفي الصراع الداخلي تفتح على إمكانية أن تاخذ هذه الحرب أشكالاً من المواجهة الاقليمية، أو أن تفضي نتائجها وتداعياتها إلى تسوية اميركية روسية تركية ايرانية.

هل هذا التصعيد العسكري الراهن مدخل لهجوم شامل لإستعادة كامل محافظة ادلب لمصلحة النظام، مع كل ما يرتبه ذلك من دمار ومن تسويات مع اطراف، ومن تصفية للقوى الرافضة؟ أم أن المعارك هي سلسلة صدامات طويلة مبنية على أساس القضم المتتالي والبطىء، بهدف الضغط على تركيا وبالسيطرة على مزيد من الاراضي المحيطة بادلب مهما يكن.

ففي كل الاحوال يبدو أن محنة السوريين ستأخذ أشكالاً أكثر ألماَ وأشد قهراً.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

فرع الشمال يكرم شهداءه

 أقام فرع الشمال في منظمة العمل الشيوعي لمناسبة ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وتكريما …