التلاعب الاميركي يهدد أمن المنطقة وثرواتها

مؤلمة هي العقوبات الاميركية التى فرضت على ايران، وشديد اثر الحصار الاقتصادي المضروب عليها. لكن عقوبة منع تصدير النفط هي الاقسى لانها تطال الشريان الحيوي الذي اصاب خمسة ملايين ونصف المليون برميل يوميا. ردة الفعل تدرجت ردا على العقوبات فبدأت تبلغيم ناقلة، ومن ثم خطف اخرى، الى ان وصلت ذروتها في الهجوم على الآرامكو، فما دامت محرومة من تصدير نفطها، فلا بأس ان عطلت تجارته، واصابت قلب الصناعة العالمية بشلل. اقرب انظمة المنطقة من اميركا واهمها في تصدير البترول بكافة مشتقاته وعدوتها ومنافستها على النفوذ في الدول الاسلامية هي المملكة العربية السعودية الهدف مثالي فهي ربيبة “الشيطان الاكبر” وهي العدو الاقليمي المعلن.

الارتباك الذي أحدثه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايراني والذي كان قد اقر اصلا ايام ولاية الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما، وتصاعد العقوبات على ايران، جعل ردات الفعل الايرانية تتوالى تصاعديا من التفلت من حدود شروط التخصيب النووي كما ونوعا، مرورا بتلغيم ناقلة نفط وبعدها احتجاز اخرى، وصولا الى استهداف مصافي ارامكو بهدف التأثير على استقرار الاسواق العالمية. إن الاصل في الاتفاق النووي الموقع من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن إضافة إلى المانيا قد وضع ايران في الكثير من سياساتها الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية تحت القيادة المباشرة او غير المباشرة لما يطلق عليه مجموعة (5+1) مقابل اطلاق يدها ـ اي ايران ـ في تنفيذ اجندتها ل”تصدير الثورة” في الشرق الاوسط، وتطوير صواريخ ذات مدى اطول، بهدف توسيع دائرة نفوذها في المنطقة وما بعدها. وكان بإمكان ايران تقبل الاتفاق لألنه تضمن بنداً ينص على توقف سريان القيود المفروضة في غضون سنوات. الرئيس الاميركي الحالي يرغب في اتفاق جديد تستمر بموجبه القيود على ايران إلى الأبد. الواضح هو أن الوضع القائم الجديد لا يكلف الاميركيين شيئاً، وبقدورهم إطالة امد هذا الوضع كيفما شاءوا. فكل الذي أعلنه ترامب هو أن كل من يدخل في علاقات تجارية مع ايران لن يسمح له بالدخول في علاقات تجارية مع الولايات المتحدة الاميركية، وأنها لن تسمح بعد الآن للجمهورية الاسلامية الايرانية بالاستفادة من المنشآت المصرفية والتجارية الاميركية العالمية كل ذلك بهدف الضغط لإعادة بدء مفاوضات لتعديل الاتفاق النووي السابق. القيادة الايرانية تقول إنها لا ترغب في المفاوضات ولا في الحرب، بينما يقول ترامب إنه مستعد لكليهما، وقد يساعد هذا التوازن في الحفاظ على الوضع القائم الذي يميل بوضوح لصالح اميركا. وفي ظل هذا الوضع الجديد تبدو المفاوضات مستحيلة والحرب بلا مبرر. لكن غير المعلن والذي يمارس هو أنه ما دامت ايران لا تستطيع أن تصدر نفطها فإن احداً لا ينبغي ان يصدر نفطه من دول الجوار ولو ادى ذلك الى الحرب. من هذا المنطق يبدأ الفرنسيون وساطتهم بين اميركا وايران. الفرنسيون يريدون أن تسمح اميركا لايران ببيع حوالي مليون برميل يومياً، وبالتوازي معه تأمين 15 مليار دولار لها. ولهم ـ أي الفرنسيون ـ في ذلك حسابات لا يوافقهم عليها الاميركيون.

ترامب يعرض الحوار متسلحا بعقوباته، فيما يجيب روحاني أن لا حوار الا بعد اسقاط العقوبات. ايران مباشرة أو بالواسطة توجه ضرباتها ولها حجج في ذلك، أبرزها علاقاتها السيئة مع السعودية منذ اواسط الثمانينيات من القرن الماضي، كما العدوان الاميركي من اواخر السبعينيات وحتى اليوم والعدوان الاسرائيلي وهو فرع من العدوان الاميركي.

هل لا يزال أمن منطقة الخليج العربي يهم الولايات المتحدة الاميركية، فاولئك الذين ارتبطت بهم واشنطن طوال عقود ومثلوا جغرافياً وديموغرافياً حوائط صد وجدرانا عازلة في مواجهة ايديولوجيات مناوئة، لا سيما طوال الحرب الباردة باتوا أقل شأناً مما كانوا عليه. الحضور الاميركي في المنطقة يستفيد في كافة الاحوال مما يجري، وضعف وتفكك كيانات المنطقة لا يتيح لها الاستغناء عن الاستقواء “بالبعبع” الاميركي. إن الاضرار التي اصابت البنى التحتية السعودية احدى اهم الدول المصدرة للنفط لها ارتدادات على كل العالم، فمنشأة ابقيق مثلاً هى الكبرى في المعالجة النفطية، وفيها تسهيلات لتخزين الغاز السائل.

اشارة أنه خلال شهر آب لم تستطع طهران تصدير اكثر من 180 ألف طن من النفط الخام، مما ادخلها مرحلة الاختناق الاقتصادي الذي بات يهدد استقرارها الداخلي، ما يرشحها لتنفيذ مزيد من الضربات في المنطقة خاصة على السعودية، التى تقود المحور الذي يطالب بوضع حد لنفوذها ولأن المنشآت السعودية تمثل مصالح اقتصادية عالمية، ومن خلال استهدافها ستدفع المجتمع الدولي الى الحوار معها، تحت ذريعة ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين. هل ستذهب واشنطن الى سياسة الردع في مواجهة طهران أم أنها ستخاطر بخسارتها ثقة حلفائها ولهيبة الدولة العظمى؟ إن التراجع أمام التحديات التى تمارسها طهران سيؤثر على رسم خرائط النفوذ لعقود طويلة. لقد رفعت طهران مستوى المواجهة بينها وبين واشنطن، وفرضت على إدارة ترامب التى تستعد للدخول في سياق انتخابي ضرورة التفكير بخيارات استراتجية مربكة كانت ربما مستبعدة من قائمة ردودها. والمعادلة المتبعة هي تصعيد الضربات مقابل تصعيد العقوبات ـ عند ايران ـ فبعد أن رفع ترامب العقوبات بحيث طالت البنك المركزي الايراني وهي اقسى عقوبة على دولة حتى الآن، واكد استعداده للخيار العسكري وحدد بنكاً للاهداف العسكرية كناية عن 15 موقعاً كشفت السعودية عن حجم الاضرار في المنشأتين النفطيتين في بقيق وخريص. التهديد الايراني مفاده أن مساحة ايران أكبر من حدودها الجغرافية، إشارة إلى الفصائل المنتشرة في اقطار مختلفة والتي تأتمر بأمرها والجنرال صفوي مستشار السيد خامنئي قال ” اذا فكر الاميركيون في أي مؤامرات سترد الأمة الايرانية من البحر المتوسط إلى البحر الاحمر والمحيط الهادي”.

ما بنته السعودية خلال عشرات السنوات سقط خلال دقائق. الحليف الاميركي في موقع الرابح خطه الأحمر الأمن الاسرائيلي، أما أمن دول المنطقة الاخرى وثرواتها فهي في مدار لعبته.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

الرئاسة وانتفاضة اللبنانيين

فإن سحب سلة الضرائب من الموازنة واقرارها مع الورقة الاصلاحية التي تتناقض مع مصالح البلد الاقتصادية وتفاقم أزماته الاجتماعية، لم توقف انتفاضة اللبنانيين ضدهم وفي مواجهة سياساتهم وأدائهم، وقد أعلن المنتفضون وبالفم الملآن انعدام الثقة المطلق بهم جميعاً دون استثناء.