مخاطر إدمان الرهان على بعض قوى السلطة

  إذا كانت الانتفاضة هي نتيجة لفشل السلطات المتعاقبة في بناء وطن ودولة، فهي أيضاً نتيجة قصور المحاولات الإصلاحية عن كسر الحلقة المفرغة  التي أبقت البلد منذ التأسيس، أسير دوائر التخلف السياسي والاقتصادي، وخارج مسارات التقدم والحداثة. ودائماً كانت صراعات البنى الطائفية والعشائرية الموروثة، مع علاقات التبعية، تعيد انتاج عناصر الانقسامات حول الهوية الوطنية وموقع الكيان ومعادلات النظام الطائفي وتراتبياته.

    إن عفوية انتفاضة  اللبنانيين الذين ملأوا الساحات منذ  17 تشرين الاول الماضي، أتاحت للناشطين ودُعاة التغيير على تنوع مشاربهم أو مراميهم، أفراداً كانوا أو مجموعات وأحزاب، الانتساب لها والمشاركة في أنشطتها، باعتبارها محطة جديدة واستثنائية في تاريخ البلد سيكون لها ما بعدها. لذلك تكاثرت محاولات التزوير وإدعاء النطق بإسمها وحصرية تمثيلها. كما سارع البعض لتشكيل تنسيقيات تدعي ادواراً قيادية في تحركاتها ومساراتها. وعليه، اصبحت الساحات ميادين لاستحضار المهام والشعارات ولوائح المطالب العامة والخاصة لجميع قطاعات وفئات المجتمع اللبناني، وتحميل مسؤولية تحقيقها للانتفاضة. وللمناسبة، حضر الخبراء الذين تباروا في تحليل الأزمات والمشكلات العامة واستعراض الحلول، حدث ذلك في الخيم التي  تحولت منصات ملأت الساحات  في العاصمة والمناطق، وحاول العديدون منهم الجمع بين رضى الانتفاضة ورضى قوى السلطة معاً ، اعتقاداً منهم بانهيار الأخيرة مع استمرار بقاياها، مما يتيح حجزمقاعد لهم، منطلقين من دعواتهم لاستلام السلطة وإنقاذ البلد مما يتخبط به.

    وفي مقابل استقالة رئيس الحكومة الخاضعة لهيمنة تحالف اتفاق مار مخايل نتيجة خلافات مكوناتها، وانهيار التسوية مع الرئاسة ومعها ربط النزاع، أخذت التشكيلات الوهمية للحكومة البديلة بالتناسل، وهي تحمل اسماء المستوزرين، وسط تعدد المطالبات أن تكون تقنية مستقلة  وقادرة على معالجة الأزمات، أو انقاذية لوقف الانهيار الاقتصادي والمالي، أو انتقالية تمهد لانتخابات نيابية مبكرة ، وفق قانون جديد يعيد تكوين السلطة على طريق تغيير النظام.  عكس ذلك اختلاف القراءات  للأزمة وأسبابها وسبل تجاوزها وتنوع الحلول لها، وأكد اختلاف الرؤية للانتفاضة، بدءً من تعريفها وطبيعتها وحدود أهليتها، إلى مآلاتها الراهنة والمستقبلية، وما يحف بها من تحديات وسط الكثير من الإستسهال والتضخيم.

   ورغم استحالة تجاوز معضلات الانتفاضة، لجهة غياب التنظيم والبرنامج  والقيادة، فإن ذلك لم يمنع  بعض المشاركين أو الملتحقين بها، من استعارة شعارات، أو استحضار صيغ تجارب سابقة، كصيغة الحركة الوطنية والبرنامج المرحلي، ومحاولة اسقاطهما على الانتفاضة. وقد غاب عنهم أن تلك المحاولة الاصلاحية التي كان لليسار الدور الرئيسي فيها وفي مواجهة نظام الامتيازات الطائفية وقواه المغلقة على الاصلاح، قد  انتهت حرباً أهلية طاحنة هدرت إنجازات البلد المتراكمة وألحقت بهما دماراً هائلاً، ولم تتوقف إلا بتكريس نظام المحاصصة الطائفية والوصاية الخارجية عليه، وتهميش اليسار وقواه.

  وعليه، تواصلت الانتفاضة في ظل عجز الطبقة السياسية  عن توليد تشكيلة حكومية جديدة تتولى إدارة الأزمة وفق الشروط الاصلاحية للدعم الاقتصادي والمالي التي وضعها المشاركون في مؤتمر “سيدر”، والتي وافق عليها الجميع رغم تجاوزها على مصالح البلد وأكثرية أهله. والعجز هنا مرده انتظار التسوية الخارجية بين القوى الكبرى المتدخلة والمشاركة في نزاعات المنطقة و لبنان منها. علماً أن أطراف السلطة المحلية  لم تكتف برفض مطالب اللبنانيين المنتفضين، بل امعنت في محاصرتهم بشتى وسائل القمع والارهاب ومحاولات  استدراجهم لميادين العنف والانقسام الطائفي للإجهاز على تحركاتهم. 

   كما رافق عفوية الانتفاضة الكثير من التبسيط حول امكانية تحقيق إنجازات تكاد تكون تاريخية، إضافة لاستسهال  تحميلها مهام وشعارات برنامجية فوق طاقة قواها ومكوناتها.  لقد كان سهلاً لدى الذين  أطلقوا، وصدقوا مقولة انهيار النظام وعجزه عن معالجة أزماته، رفع شعار اسقاطه، وقد تاهت عنهم  مصادر قوته ونجاح قواه دوماً في استثمار الأزمات. كان مهماً فضح سياساتها والممارسات المرافقة لها، ومهماً أيضاً استحضار الحقوق المهدورة والقوانين االمعطلة والمطالب المشروعة. لكن ذلك كله لم يكن كافياً لاستحضار قطاعات المجتمع وفئاته المعنية العريضة إلى ساحات الانتفاضة  وشوارعها، فاستقطابها يحتاج إلى الأطر الناظمة – القادرة على تحشيدها، وحيازة الثقة المفقودة. لذا كان مستهجناً توقع التغيير في ظل غياب قواه واصحاب المصلحة فيه، في موازاة الاستخفاف بقوة النظام وامتلاك قواه السلطة والنفوذ واسلحة الترهيب والترغيب واجهزة القمع الميليشياوي المشحون بالتحريض الطائفي سلاحاً أثبت فعاليته دوماً.

 أما الملفت، فتمثل بالقراءات القاصرة، لطبيعة النظام وآليات عمله واعادة إنتاج قواه وعلاقاتها، والتي تحدد منطلقات استمرار سياساته ومصادر أزماته. وحصرأسباب الأزمة المتفجرة التي تعصف بالبلد وتدفعه إلى مهاوي الافلاس والفوضى، بالسياسات الاقتصادية والمالية المعتمدة، بموافقة جميع من شاركوا في السلطة، ومارسوا الهدر والنهب. وإذا كانت تلك السياسات تشكل أسباباً رئيسية وأساسية، لكنها ليست الوحيدة. فإبقاء البلد رهينة وساحة صراع لمحاور الخارج الدولي والاقليمي المشاركة والمتدخلة في النزاعات والحروب الدائرة في المنطقة، والنتائج السلبية لانخراط البعض فيها ومفاعيله على الصعيدين الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وتعريضه للمقاطعة والحصار والعقوبات لا يقل أهمية عن السبب الأول. خاصة أن تلك الدول والأنظمة لا تقيم وزناُ لمصالح لبنان، علماُ أن الاطراف المحلية المسترهَنة لها، تعتمد حيال اللبنانيين ذات الأسلحة  المستخدمة في مواجهة شعوب المنطقة، وهي الاستبداد والقمع والاستغلال والنهب، وتسعير الانقسامات والصراعات العرقية والطائفية والمذهبية وإدارتها. مما أدى إلى تفكيك الكيانات وتبديد المجتمعات وتهجيرها وتدمير عمرانها، وجعل كل النتائج تصب في طاحونة الطرف الأقوى فيها المتمثل بالولايات المتحدة الاميركية وحليفتها اسرائيل اللتين نرفض مساواتهما بالآخرين، بصرف النظر عن نظريات المؤامرة الكونية البائسة.

لقد أثبتت التجارب أن القراءات آحادية الجانب، هي اقصر الطرق لتجديد الرهانات على بعض أجنحة السلطة، ما يعكس عجزاً عن الانتساب إلى أزمات البلد حيث هي حقاً. لأن إنتاج الخط الجامع  يستند إلى صواب القراءة المتوزانة، التي تُسهّل صياغة شعارات وتوجهات تحاكي  مصالح  أكثرية اللبنانيين، فئات ومناطق وبيئات، بهدف جذبها الى ميادين العمل المشترك لتوسيع مساحاته وساحاته وفق مسار متدرج يساهم في توليد وتأسيس تيار وكتلة غالبة بعيداً عن لغة الإنكار والتخوين واهدار الفرص المتاحة.

زكي طه

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

المصارف تمسك بخناق حياة اللبنانيين ومستقبلهم

والمفارقة أن هذا التخوف من مصير الفاقة القريب وصل إلى فئات كانت تصنف حتى الأمس القريب من الفئات الميسورة، باعتبار أن لديها من المداخيل والأموال ما تستطيع إنفاقه، والحفاظ على قدراتها الشرائية ومقومات عيشها، لكن الإجراءات المصرفية المتلاحقة وضعت هذه الفئات أيضاً أمام الأسئلة المصيرية،