المحتجون العراقيون السلميون يدفعون دماءهم ثمناً للتغيير

“خرجنا سلميين من اجل الاصلاح وحقن الدماء ووضع المجرمين بيد القضاء… خرجنا ونحن رافعون شعار السلمية. راهنا عليها كثيرا وسنراهن، وستكون هي شعارنا الدائم”. هذا جزء من بيان المحتجين العراقيين الذي اصدروه بعد واقعة ساحة “الوثبة”، حيث قُتل شخص واُحرق منزله وعُلقت جثته على عامود كهرباء، بعد ان قتل خمسة متظاهرين بالرصاص. يكمل البيان: “ما حدث في ساحة الوثبة جريمة يدينها المتظاهرون… نحن المتظاهرين السلميين نعلن براءتنا مما حدث في ساحة الوثبة ونعلن براءتنا من اي سلوك خارج نطاق السلمية التى بدأنا بها وسنحافظ عليها الى حين تحقيق آخر مطالبنا.”

رغم التمسك بالسلمية ورغم المراهنة عليها، الا أن الثمن الغالي يدفعه المتظاهرون شهداء وجرحى ومخطوفين ومعتقلين. هؤلاء يرغبون في تغيير صورة بلادهم التى لحق بها كل ما يسىء على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة، كما لحق بها من ادران الفساد والعمالة المعلنة لغالبية قواها السياسية لقوى الخارج، ما جعل تواصل الحراك والاحتجاجات والتظاهرات طريقا للتغيير وسبيلا للخلاص. لقد سقط من القتلى حتى اواسط شهر كانون الاول من العام 2019 خمسماية واحد عشر قتيلاً، فضلا عن جرح وإصابة واحد وعشرين ألف شخص في مدن بغداد والناصرية والبصرة وميسان وكربلاء والنجف. وما زالت السلطات العراقية تحظر على وزارة الصحة الاعلان عن عدد القتلى. تقرير الامم المتحدة اشار إلى ” الاستخدام غير المشروع وغير المناسب للقوة وسوء المعاملة وانتهاك الحقوق الاجرائية للمتظاهرين المعتقلين.”

فرض المتظاهرون على رئيس الوزراء الاستقالة، وفرضوا أنفسهم نصف المعادلة، اذ النصف الآخر هو مهمة تعيين حكومة جديدة. يحتاج رئيس الوزراء العراقي المقبل إلى الولاء للعراق وليس إلى طائفته أوحزبه أو كتلته، وإلى الخروج من تحت عباءة تأثير القوى الاجنبية، لا سيما ايران والولايات المتحدة الاميركية. الجديد بعد استقالة عبد المهدي يتمثل في رفض رئيس الجمهورية برهم صالح قبول ترشيح كتلة البناء أحد رموز القمع رئيساً للحكومة هومحافظ البصرة، ما أدخل البلاد في منحى سياسي مختلف وسط ضغوط ايرانية ومحلية تنطلق من أكثر من محور، وبلغت حد تهديد صالح بالاستقالة ما اضطره للمغادرة إلى مسقط رأسه في السليمانية.

لقد بدأ البرلمان العراقي مناقشة قانون انتخاب جديد يجري تقسيمه على اساس 50% للنظام الفردي و50% للقوائم، وهو ما يعني الابقاء على نصف حصة الأحزاب، ومنح المستقلين النصف الثاني، المحتجون والمتظاهرون في ساحات بغداد والمحافظات الاخرى ما زالوا يرون أن هذه القسمة غير عادلة بعد مئات القتلى وآلاف الجرحى، وهدفهم هو تغيير المعادلة التى تحكمت بالمشهد السياسي العراقي. ورغم ان القانون الجديد لا يلبي مطالب المتظاهرين بالكامل، الا أنه سيغير للمرة الأولى المعادلة السياسية العراقية. فقد بنيت المعادلة السياسية سابقاً على اساس محاصصة عرقية وطائفية بسبب قوانين الانتخابات وملحقاتها، ونتائجها يتم التوافق على الرئاسات الثلاث: كردي لرئاسة الجمهورية، وسني لرئاسة البرلمان، وشيعي لرئاسة الحكومة، وهو المنصب التنفيذي الأهم. ويتم توزيع الوزارات على اساس المكونات. القانون الجديد ومهما تكن الاشكاليات المحيطة به، بات مقدمة لتغيير المعادلة السياسية في العراق بما يهدد نفوذ القوى السياسية الكبرى.

المرشحون لرئاسة الحكومة العراقية يستقيلون من أحزابهم ويعلنون عدم انتمائهم لأي حزب. كما يعلنون أن العراق هو انتماؤهم الأول. المرجعية الدينية العليا في النجف دعت القوى السياسية إلى مواجهة ما سمته ” معركة الاصلاح” بوصفها التحدي الأكبر. “أمامكم اليوم معركة مصيرية هي معركة الاصلاح والعمل على إنهاء حقبة طويلة من الفساد والفشل في إدارة البلد.” وأضافت في رسم معالم طريق الاصلاح ” نشدد على أن يكون القضاء العادل هو المرجع في كل ما يقع من جرائم ومخالفات وعدم جواز ايقاع العقوبة حتى على مستحقيها الا بالسبل القانونية، كما تؤكد على ضرورة أن يخضع السلاح كل السلاح لسلطة الدولة.”

 لقد فشلت الكتل العراقية في البرلمان حتى اللحظة في تحديد شخصية جديدة لرئاسة الحكومة مع انتهاء المهلة التى يمنحها الدستور لاختيار خليفة لرئيس الوزراء المستقيل. بعض الاجتهادات تقول: لأن الحكومة استقالت ولأن المنصب لم يخل، فان الحكومة تتحول الى حكومة تصريف أعمال يومية. في هذه الأثناء اقدم نواب من كتل برلمانية متعددة على مخالفة أحزابهم ووقعوا عريضة سلمت لرئيس الجمهورية سمت مرشحا مستقلاً، وشكلت غالبية برلمانية أكثر من الغالبية المطلقة بهدف خرق الجمود والارتباك. وهو ما دفع صالح بعد ترشيح البناء لتوجيه رسالة للبرلمان تطالبه بتحديد الكتلة الأكبر في داخله. لكن الأمر لم يثمر حتى اللحظة، وما زالت الفجوة تتسع بين المسؤولين والمتظاهرين. من جهة أخرى أتى القصف الأميركي العنيف لقواعد ومستودعات “حزب الله العراقي” في سوريا والعراق، رداً على الصواريخ التى استهدفت قواعد عسكرية تأوى جنوداً اميركيين، كي يرفع من حدة المواجهة مع ايران. الساحات العراقية رفعت شعار نريد مستقلاً لا مستقيلاً، إشارة للمرشحين الذين يستقيلون من أحزابهم بهدف الترشح لرئاسة الحكومة من موقع مستقل. كل ذلك والبرلمان العراقي يناقش قانون انتخاب يقوض سلطة الأحزاب ويعتمد الدوائر المتعددة والتصويت الفردي والفوز بأعلى الأصوات بمرجعية مفوضية انتخابات مستقلة من القضاء، وليس من الأحزاب السياسية. يعود كل الفضل في هذا التغيير الكبير إلى الانتفاضة الجماهيرية حيث بقيت مادتان من أصل خمسين مادة من قانون الانتخاب الجديد.

لقد حسمت المرجعية الدينية العليا موقفها وأعلن ممثلها في خطبة الجمعة “إن الشعب هو مصدر السلطات وإن اقرب الطرق للخروج من الأزمة… هو الرجوع إلى الشعب بإجراء انتخابات مبكرة بعد تشريع قانون منصف لها، وبعد تشكيل مفوضية مستقلة لإجرائها، ووضع آلية مراقبة فاعلة على جميع مراحل عملها تسمح باستعادة الثقة.” لكن المرجعية تخلت عن كل مواقفها المتقدمة هذه وامتنعت عن الجهر بموقفها خلال الأسبوع الأخير. بينما كانت القوى الملحقة بإيران توسع نطاق تهديداتها للقوى السياسية. 

 ما بين تعثر الاجتهادات يبقى المتظاهرون السلميون يدفعون من دمهم. وتستمر شوارع العراق بالغليان وتتمسك السلطة ومن هم خلفها بتجاهل الحراك ومطالب أهل الحراك.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

الانقاذ المستحيل مع التكليف وحكومة اللون الواحد

بالطبع لن يحظى دياب بثقة الانتفاضة التي اندلعت في 17 تشرين الاول الماضي، وقدمت سلسلة مطالب معروفة أبرزها دون منازع تشكيل حكومة مستقلة عن أطراف السلطة الذين قادوا البلاد إلى الكارثة الراهنة، وإعداد قانون انتخابات نيابية وإجرائها قبل موعدها المقرر،