الظاهرة “الأيوبية” وتهديد الحريّات في الجامعة اللبنانية

لم تتوارَ السلطة وميليشياتها عن استكمال قمعها التظاهر منذ  اندلاع الانتفاضة في 17 تشرين الأول 2019، التي عبرت عن الغضب تجاه ما أدت إليه سياسة السلطات اللبنانية المتعاقبة من انهيار سياسي واجتماعي واقتصادي نوعي لم تعرفه البلاد قبلاً، واستخدامها العنف المفرط وتجاوزاتها غير المسبوقة منتهكة نصوص الدستور وشرعة حقوق الانسان. وهو ما شهدناه وعبر عن نفسه من خلال الاعتداءات  وقمع  الصحافة والحريات العامة، واستعمال العنف ضد المتظاهرات والمتظاهرين بداية، مروراً بالتحركات الأخيرة التي شهدتها الساحات وسط بيروت. أشكال القمع المستمرة من الاعتقالات العشوائيّة، والتعرّض بالضرب للمعتقلات والمعتقلين  في مراكز التوقيف والاحتجاز، وملاحقة الناشطات والناشطين، ووسائل الاعلام والصحافة من قبل مكاتب مكافحة جرائم المعلوماتية، كل هذا لم يعد مستغرباً من دولة يستسهل حكامها وأجهزتها ممارسة العنف، والقمع وكأننا  نعيش في دولة بوليسية. حيث  لا تتورع أجهزتها عن ممارسة “البلطجة” بحق مواطنيها.

فقد بات الإدلاء برأي حول قضايا الفساد أو توجيه الانتقاد إلى أحد المسؤولين السياسيين، يواجه باستدعاء قضائي بتهم القدح والذم والتشهير. وفي ظلّ هذه الموجة من قمع الحريّات، لم يتأخر رئيس الجامعة اللبنانية د. فؤاد أيّوب عن استغلال الوضع لصالحه والثأر للقضايا التي لم ينتصر فيها، واستكمال رفع الدعاوى القضائية عند كل كلمة او سؤال يوجّه إليه، وأمام عجزه عن الدفاع عن نفسه يعتمد القضاء وتلبيس المتسائلين والمنتقدين جريمة القدح والذم، بالنظر لما يوفره القضاء بالمجمل في لبنان من تفاعل ملائم للمتلازمة “الأيوبية“.

     لم تسلم الصحافة في لبنان من دعاوى أيوب، فهو ومنذ ترؤسه الجامعة اللبنانية في العام 2016 رسّخ قمع حرية الرأي والتعبير، وأجبر الاعلام اللبناني، عبر دعاوى قضائية، على إزالة كل خبر يتعلق بالجامعة، بما فيه نشر أي خبر يعتبره مسيئا له أو للجامعة. قرارات أيوب القمعيّة منحت الهيئات والمجالس الطالبية المعينة  في الجامعة قوة مضاعفة لتعزيز حصونها وقلاعها الحزبيّة الطائفية، لتتحول معها إلى سلطة  محاسبة لكل طالب يخالف ما تراه مناسباً لمرجعيتها، وهو ما يتم بالتواطوء مع الإدارة. كما يشمل كل من يتجرأ على انتقاد الوضع السائد في الجامعة اللبنانية من المحسوبيات والمحاصصات الحزبية والطائفيّة والتجاوزات القانونية على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الذريعة التي أطلقها ايّوب لم تكرّس سوى الممارسات والأعمال التي تشوّه صورة الجامعة اللبنانية أمام اللبنانيين.


     أيّوب الذي ارتبط اسمه بما شاع عن تزويره الشهادات الجامعيّة، لم يدع شخصاً ذكر اسمه ودعا إلى التحقيق في ملفات التزوير والمخالفات القانونية، إلا ورفع ضده دعوى، ولاحقه قضائياً أمام المحاكم. وعليه فان متلازمة أيوب تفوقت على ممارسات الديكتاتوريين وأنظمة المخابرات والوصاية، فلم يسلم  منه الاعلام أو الطلاب، ووصل لقمع الأساتذة الذين يشهد تاريخهم النضالي على نضالهم دفاعاً عن استمرارية الجامعة وتطويرها ورفع الأيدي السياسية الملوثة عن حرمها، في وقت كانت الطفيليات تتغذى من الحصانات السياسيّة الطائفية بهدف تكبيل حرية الجامعة طلاباً وأساتذة خدمة للمصالح الحزبية و”بوتيكات” التعليم العالي.


    الدكتور عصام خليفة أحد رموز النضال في الجامعة اللبنانية، والذي فضح ملفات الفساد في الجامعة وطالت انتقاداته أيوب نفسه، خاصة في ملف الشهادات المزورة، واستغلاله النفوذ مع بعض العمداء في مجلس الجامعة، تعرّض للملاحقة القضائيّة والتهديدات، فأيوب مع من عيّنوه يقلقهم وجود نقابي مستقل يرى من واجبه المساءلة والمحاسبة والدفاع عن استقلالية الجامعة اللبنانية. ولا شك أنه وأمثاله  يهددون كل المتسلقين والعاملين على تهميش الجامعة ودورها الوطني، وإلحاق رابطة الأساتذة بهم وتقاسمها بين قواهم الطوائفية.


     في العام 2018 امتنع القضاء عن محاكمة خليفة، ولكنّ المتلازمة الأيوبية” ونزعة “الفرعنة” لم تسمح لأيوب بتقبّل الهزيمة، فعاد ليستأنف الحكم، وحوّل الموضوع لجنحة وجرم، مستفيدًا من تفاقم الملاحقات القضائية خلال الانتفاضة، وراح يثأر ويبيّض صفحته، مقدّمًا نفسه كالعادة بريئًا من الفبركات والإشاعات” التي طالته، محصّناً ضعف براهينه بمرجعيته التي توفر له الغطاء.


      هكذا، اذاً يمضي أيّوب ولايته في كتابة إنجازاته حول سياساته الإلغائية وعدد الدعاوى القضائية التي رفعها، وعمليات قمع الحريات وكم الأفواه. هذا دون أن نسمع ولو لمرة واحدة عن إنجازاته الأكاديمية والإدارية والتنظيمية ودفاعه عن الجامعة اللبنانية موظفين إداريين وطلاباً وأساتذة، والأهم هو مستواها العلمي ودورها الثقافي في انتاج ودعم الثقافة الوطنية التوحيدية للمجتمع اللبناني.

إن مسألة حريّة الرأي والتعبير في الجامعة اللبنانية ستبقى مهمّشة في ظلّ غياب العملية الديمقراطيّة، وستستمر التهديدات وسياسات القمع تمارس على الطلاب والأساتذة المناضلين المستقلين، طالما انّ هنالك من يفبركون جرائم القدح والذم، ويستخدمون القضاء، بحجّة حماية الجامعة. والملفت هو وقوف رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانيّة التي يفترض بها الدفاع عن الجامعة كمؤسسة أكاديمية، متفرّجة وبعيدة عن كل ما يشهده الجو العام منذ الانتفاضة. وعليه، يبقى التحدي ملقىً في وجه الطلاب  أصحاب المصلحة الحقيقية في استعادة الجامعة إلى ميادين العلم والنضال في سبيل الحريات الديمقراطية والقضايا الاجتماعية والوطنية الجامعة، وبالطبع بمواجهة سياسات  أهل السلطة وقواها التي تتجاهل أبسط حقوق الطلاب وحاجاتهم ومستقبل عيشهم ومصيرهم، وهي القوى التي تجد في الطائفية غطاءً لانتهاكاتها وممارساتها  وفسادها الذي بلغ معدلات قياسية. 

إن أخذ الطلاب قضية الجامعة بأيديهم يشكل أقصر الطرق ليس للنهوض بها على طريق رسم مستقبلهم، بل أيضاً في سبيل تطوير مشاركتهم في النضال من أجل التغيير على طريق الخلاص الوطني من دوامة الانقسامات الطائفية، ومخاطر تجدد النزاعات والحرب الاهلية، التي تشكل الوسيلة الأهم لتجديد سيطرة سلطة أحزاب الطوائف، مع ما يرافقها من التحكم بمصائر الاجيال القادمة. لذلك فالأولولية بالنسبة للطلاب تكمن في  ضرورة التحرّك من أجل تجديد هيئاتهم التمثيلية  كخطوة أساسية  في اتجاه تحرير الجامعة الوطنية من الفساد الأكاديمي والإداري الداخلي، بدءاً من رأس هذه المنظومة الفاسدة المتكاملة حتى أسفل الهرم، لأن تحريرها هو جزء من تحرير الوطن واستعادته إلى أصحابه الحقيقيين.

جويل عبد العال

كاتبة لبنانية

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.