إنعاش دور الأمم المتحدة لا يحيي وحدة ليبيا

قبل أن يجف حبر الالتزامات التي أعلنها مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، كانت القرارات التي أتخذها الحضور تتعرض للاختراق ميدانياً على الأرض. ما يعني أن المؤتمر سيدخل في موسوعة المحاولات الدولية لضبط الأزمة الليبية عند حدودها لا أكثر ولا أقل. وكان المؤتمر الذي عقد في 19 من الشهر الماضي، وتوصل إلى مجموعة من الالتزامات تنص على تجنب الدول الحاضرة التدخّل في النزاع الليبي، والتزامهم “احترام حظر الأسلحة (المقرر دون تنفيذ منذ 2011) وتنفيذه بشكل تام”. لكن غياب آليات فعلية لتنفيذ التعهدات، واستمرار الصراع بين رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورفضهما الاجتماع معاً، يؤكد المؤكد من أن ما قرره المؤتمرسيدخل في دفاتر مادة الإنشاء السياسي.

لكن الجانب المحلي المتمثل بالصراع بين السراج وحفتر يبدو الأقل دلالة، باعتبار ان ما ثبت هو أن الأطراف الدولية لن تمارس ضغطاً على الأطراف المحلية للتجاوب مع وقف القتال والشروع في عملية سياسية، تنتهي باتفاق على إعادة إنتاج السلطة عبر الانتخابات وتوحيد المليشيات في جيش وطني على طريق بناء دولة ومؤسسات. ومن بين الأدلة على غياب القرار الدولي قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن القوى الكبرى “لم تنجح بعد في إطلاق حوار جاد وراسخ بين الأطراف المتحاربة”. لكن ما حصل عملياً هو شبه اتفاق دولي، في ظل غياب الطرفين الليبيين المعنيين، السراج وحفتر، ودولتين جارتين رئيسيتين، هما تونس والمغرب، على إعادة إحياء دور البعثة الأممية الخاصة إلى ليبيا التي يقودها غسان سلامة. كما أن اتفاق قادة الاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا والولايات المتحدة على “دعم حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة”، يوحي بأن دعم الأمم المتحدة وسلامة وفريق عمله هو النتيجة الملموسة الوحيدة التي يمكن الخروج بها لدى قراءة قرارات المؤتمر.

ومن المقرر أن يعرض البيان الختامي لقمة برلين، كمشروع قرار على مجلس الأمن الدولي وفق سلامة، الذي دعا إلى التزام المشاركين “تجنّب التدخّل في النزاع المسلح في ليبيا أو في شؤونها الداخلية، وحث كل الأطراف الدولية على القيام بالمثل”. كما التزم المشاركون “احترام حظر الأسلحة وتنفيذه تنفيذاً تاماً”. وامتناع كل الأطراف عن كل عمل من شأنه أن يفاقم النزاع، “بما في ذلك تمويل القدرات العسكرية أو تجنيد مرتزقة” لصالح مختلف الأطراف. كما دعوا إلى تطبيق عقوبات مجلس الأمن على منتهكي قرارات الحظر. وطالبوا “كل الأطراف المعنية بمضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية بصورة دائمة، وخفض التصعيد ووقف إطلاق النار بصورة ثابتة“.

بالطبع هناك الكثير من التفصيلات التي يجب أن تترافق مع اعلان الهدنة على صعد الأسلحة وتمركز الميليشيات، وتشكيل لجنة عسكرية من عشر ضباط مناصفة بين القوتين، وصولاً إلى نزع أسلحة القوى المحلية ودمجها بالقوى النظامية والمؤسسات المدنية واستئناف المسار السياسي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة بغية تحقيق مصالحة ليبية – ليبية. وحثّ المشاركون “كل الأطراف الليبية على احترام القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان بشكل كامل، ووضع  حدّ لممارسات الاعتقال التعسفي وإغلاق مراكز احتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء تدريجياً”. ودعوا كل الأطراف إلى ضمان أمن المنشآت النفطية. وأكد سلامة نيّته دعوة اللجنة الأمنية العسكرية (5+5) خلال أيام للاجتماع.

لكن المعضلة الفعلية التي تعانيها ليبيا تتمثل في التدخلات الدولية التي ترسم المشهد الليبي على حقيقته من كلا الضفتين دعماً لحكومة السراج أو انحيازاً لصالح اللواء خليفة حفتر. ولعل ذروة ذلك تمثلت في الاتفاق الذي توصل إليه السراج مع تركيا لدعمه عسكرياً. وهو ما لا يغير فيه قول أردوغان بأنه أرسل مستشارين ومدربين فقط. وتقدم كل دولة مبررات لانخراطها في الصراع، من فرنسا إلى إيطاليا وألمانيا، مروراً بمصر والإمارات، وصولاً إلى روسيا وتركيا. ولدى كل من هذه الدول حساباتها الاقتصادية المرتبطة بالنفظ الليبي، أو ما يتعداه إلى النفط والغاز في شرق وغرب المتوسط، إضافة إلى اعتبارات سياسية وأمنية تتعلق بالمهاجرين غير الشرعيين الذين ينطلقون من الشواطئ الليبية متجهين نحو الموانئ الاوروبية. المهم هنا الإشارة إلى حضور مستجد لكل من روسيا وتركيا. فالأولى تستفيد من الوضع الليبي لترسيخ نفوذها الاستراتيجي شرق المتوسط، وتتقاطع محاولتها هذه مع مصالح تركيا على صعيد التمدد والاستثمار في حقول النفط البرية أو البحرية. علماً أن تركيا تبدو الأكثر اندفاعاً بدليل اتفاقها مع السراج ومباشرتها ارسال وحدات من الميليشيات التابعة في سورية. وما تعيشه ليبيا منذ حوالي العقدين هو حالة مركبة تتداخل فيها العوامل المناطقية والجهوية والسياسية المحلية مع التداخلات الدولية التي وإن كانت تتحدث عن دعم الحل السياسي، إلا أن الفعلي هو أن الحل الذي ترتأيه يرتبط بتقاسم العوائد النفطية الوافرة في البلاد.

على أن ما يجب الانتباه له هو أن هذا التناحر الدولي الذي باتت تتدخل فيه موسكو وأنقرة، إضافة إلى الدول الاوروبية القريبة والأبعد والتي تحرص على الحد من الهجرة غير الشرعية، ووصول امدادات النفظ والغاز القريبة منها، والتي تبدو في متناول يدها على الضفة المقابلة للمتوسط، إلى جانب مصر والعديد من الامارات العربية التي تقف إلى جانب هذا الفريق أو ذاك… يجري ذلك كله في ظل غياب الولايات المتحدة الاميركية التي انكفأت بعد مقتل سفيرها في طرابلس وتركت الأمور على غاربها بانتظار اللحظة الحاسمة للتدخل والحصول على الحصة الرئيسية لشركاتها النفطية تنقيباً واستخراجاً وتسويقاً. الجانب الموازي يتمثل في التباينات بين القوى سواء أكانت محلية أو دولية. فوراء كل قوة ميليشاوية محلية قوة دولية تقدم لها وسائل الدعم، ما يجعل من أي حل سياسي احتمالاً بعيد المنال. ولعل اللبنانيين يملكون ذاكرة حية عن سنوات المحنة قبل التوصل إلى اتفاق الطائف الذي يعاني سكرات الموت بعد عجزه عن بناء دولة موحدة ومتماسكة قادرة على إدارة شؤونها في مختلف جوانبها. 

عماد زهير

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

فلسطين الجريحة تنكس اعلامها حداداً ولا تلقي رايات نضالها ضد الاحتلال

ومن أشد المدافعين عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل... ووصفت ختاماً رحيله بالخسارة الكبرى للشعبين اللبناني والفلسطيني وقضيته وللشعوب العربية.. لكن تجربته وأفكاره وإبداعاته ومبادئه وتاريخه الحافل سيبقى راسخاً تتناقله ذاكرة أجيالنا على مر الزمن ..."