جدل دفع المستحقات ومحاولات تبرئة “القياصرة” الانهيار

بينما كان وفد صندوق النقد الدولي يجول على المسؤولين السياسيين والماليين كان الجدل المالي ـ النقدي يتصاعد متمحوراً حول السؤال: هل يدفع لبنان أو لا يدفع سندات اليوروبوند؟

 وعن الإجابة أيجاباً وسلباً تتفرع الكثير من الوقائع التي تعرض لمزايا وعيوب كل من الخيارين، وهي وقائع طالت بالطبع موجودات المصرف المركزي من العملات الأجنبية وحقيقة أرقامها وقدرتها على استمرار تمويل الدفعات اللازمة لتأمين الطحين والمحروقات والأدوية وما شابه. بالطبع خلال هذه المطالعات كاد يضيع الموضوع الأساس بما هو سبل الخروج من المأزق؟ وما هو المطلوب لمهمة من هذا النوع ومن يتولاها؟ ولعل السؤال الأهم هو هل تستطيع السلطة السياسية الحاكمة التي كانت سبباً في هذا الانهيار العظيم أن تقود سفينة الإنقاذ ؟ أم أنه يجب تسليم الدفة لصندوق النقد الدولي؟ وضمن أي شروط.

بدا الموضوع برمته أشبه ما يكون بمتاهة من التحليلات. بينما كانت وقائع الحياة الاقتصادية تؤشر إلى الكارثة التي تطحن القطاعات وتودي بمئات المؤسسات في مختلفها إلى الافلاس، وتقذف بعشرات ألوف العمال إلى مستنقع البطالة الكاملة أو الجزئية ( يقدر العدد بما بين  150 و250 ألفاً). أكثر من ذلك كانت الليرة تتهاوى وتفقد المزيد من قيمتها أمام الدولار المفقود في الأسواق، بعد أن قننت المصارف تقنينها السابق بالحصول عليه لدى المودعين.

المؤكد أن ما وصف بأنه استشارة تقنية من الصندوق معطوفاً على الحديث عن مكاتب استشارية دولية لتقييم وضع لبنان المالي والقانوني وكيفية الخروج  من حال الانهيار المقيم، يخفي في جانب منه الاصرار على رفض تحمل سلطة المحاصصة الطائفية مسؤولية المآل الذي بلغه الانهيار. إذاً المسألة الفعلية هي مسألة سياسية في المقام الأول، وترتبط بأداء الطبقة السياسية التي قادت البلاد طوال هذه العقود وصولا إلى محطة الكارثة الدائمة، والتي تشمل هذه المرة كل مقومات الاقتصاد االوطني بدءاً من المالية العامة إلى الموازنة والواردات ومزاريب الهدر والفساد والتهرب والتهريب الضريبي والنفقات المجدية وغير المجدية وحجم وأداء القطاع العام والأجور والناتج الوطني الاجمالي، وأوضاع القطاعات وما خسرته في غضون الأشهر الماضية، فالمعطيات تؤشر إلى أن المعضلة باتت بحاجة إلى ضخ كميات كبرى من الأموال لرسملة الدولة ومعاودة تحريك قطاعات الانتاج التي توقفت في السياحة والخدمات والصناعة والزراعة ( يتراوح المبلغ المطلوب بين 20 إلى 35 مليار دولار على مدى خمس سنوات). وهي كميات غير متوافرة، ومن الصعب توفيرها من المصادر العربية والدولية في ظل الهيمنة المقيمة على القرار السياسي اللبناني تبعاً لما يتمتع به كل فريق داخلي ـ خارجي من أرجحية. المقصود القول إن الخروج من كارثة الوضع يتطلب أكثر من مشورة تقنية، بل قرارات سياسية كبرى، تضع لبنان فعلاً وليس قولاً على سكة النأي بالنفس كما أعلنت ذلك حكومة الرئيس ميقاتي ثم جاءت حكومة الحريري لتكرس المعادلة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ يوماً. وعليه ومهما كانت صوابية الإستشارة التي سيخرج بها فريق خبراء الصندوق يبقى الوضع مرهوناً بمعادلة واضحة: هل يفضل اللبنانيون ـ بعضهم المعروف ـ مصالح مرجعياتهم الاقليمية على مصالح بلادهم أم العكس؟

 فإذا كان الجواب بالايجاب تترتب عليه قرارات وسياسات تفتح لبنان على العالم والمنطقة العربية، وإذا كان الجواب بالنفي تترتب عليه أيضاً مواصلة الغرق في وحول المستنقع القائم. إذاً يتطلب الأمر أكثر من وصفات علاجية تقنية، وطالما نحن وسط الدوامة فانه يستوجب التوصل أيضاً إلى عقد اجتماعي جديد بين المكونات المجتمعية اللبنانية، إضافة إلى العقد السياسي الذي يخرج لبنان من مأزق مواصلة الإقامة في فخ التبعية لفريق الممانعة ومحوره “المكافح” لسيطرة الشيطان الأكبر. وهنا تتلاحق الأسئلة وأبرزها: هل يوافق الطرف المهيمن على التخلي عن امتيازات السيطرة لحسابه وحساب مرجعيته الاقليمية؟ ثم كيف توزع الأعباء بين الفئات والشرائح لدفع أكلاف النهوض في مرحلة تتراوح مدتها الزمنية بين خمس إلى عشر سنوات. وهل يمكن الاستمرار في نهب أموال المكلف اللبناني سواء أكانت ضرائب مدفوعة أم ودائع جرى السطو عليها بتواطؤ بين السلطة السياسية والمصرف المركزي والمصارف التجارية؟ أم أن هناك حداً تدفعه كل شريحة تبعاً لقدراتها وما تملكه من مقومات. أكثر من كل ذلك: هل ستقبل هذه السلطة السياسية بقيام سلطة قضائية مستقلة أم تستمر في الإمساك بمفاتيحها بما يجعلها أعجز عن محاكمة رموزها وممثليهم في المؤسسات العامة والمصارف والمقاولات وغيرها. إذن تبدو الحلقات متكاملة ولا مخرج منها ضمن المناخات السياسية القائمة. خصوصاً وأن لبنان كما هو معروف بات مكشوفاً سياسياً وأمنياً ومالياً واقتصادياً على الخارج. الوقائع التي حضر بموجبها وفد الصندوق تشي بالخبث ورفض تحمل القوى السياسية المسؤولية وإلقائها على حكومة ” مجابهة التحديات”. والمؤكد أنه لم يعد أمام  لبنان سوى مخرج واحد هو الحصول على مساعدات ما تزال متعذرة لاسباب لها علاقة بسياسته الاقليمية، ولا سيما مع اميركا واوروبا والخليج العربي، التي يريدنا البعض خوض حرب طروادة معها بينما الاقتصاد اللبناني مدولر بنسبة تفوق الـ 74 %. والأسوأ في الأزمة الراهنة أن القطاع المصرفي الذي طالما صُنف أنه الملاذ الآمن بات بحاجة إلى رسملة وهيكلة ما يتطلب معرفة ما يتمتع به من سيولة وملاءة، وإعادة النظر بتوظيفاته ومقدار العجز الذي يعانيه وما يملكه من عملات أجنبية، وحماية هذا القطاع من مخاطر الانهيار المحدق.

وسط هذا المناخ من الاضطراب والأفق المسدود عن ولوج حلول معقولة يتتابع دفع الثمن من حساب الفئات الدنيا والمتوسطة في المجتمع اللبناني على صعيد ارتفاعات الأسعار، فقد سجّلت جمعية حماية المستهلك ارتفاعاً في مؤشر الأسعار بنسبة 45.16 بالمئة منذ بداية تشرين الأول 2019، وحتى 15 شباط 2020. ووصفت لبنان بأنه “في قلب الانهيار الكبير. والقدرة الشرائية للبنانيين تتراجع بسرعة لم يشهدها لبنان في تاريخه. فيما 40 بالمئة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وفق البنك الدولي، وهذه البداية“.

المحرر الاقتصادي

كتب المحرر الاقتصادي

شاهد أيضاً

اللبنانيون بين خياري معابر التهريب وانهيار اقتصادهم

أن مسألة التهريب باتت قضية يصعب على الدولة حلها وحتى التخفيف من حدتها ونتائجها السلبية لأنها صارت جزءً من استراتيجيات محور المقاومة في دعم صمود دوله وأحزابه بوجه ضغوط "الأمبريالية" الأميركية بهدف إضعافه في حرب النفوذ المفتوحة بينهما. ولم يكن خارج السياق أن يبلغنا صراحة رأس حزبه في لبنان أن الحدود لن تقفل، وستبقى ممراً لسلاح محوره، ومعبراً لتأمين الحاجات الضرورية للنظام المتهالك في سوريا