سوريا وتسع سنوات من التفكيك والدمار

لم يكن يخطر ببال أولئك الفتيان الذين انطلقوا في درعا جنوب سوريا يوم الخامس عشر من آذار عام 2011 يطالبون بالحرية والديمقراطية مطلقين بأصواتهم المدوية، بعد أن ظلت طموحاتهم مكبوتة لعقود، لم يكن يخطر ببال هؤلاء الفتية أن الامور ستؤول إلى ما وصلت إليه الآن، وما تدرجت به قبل ذلك. لم يكن يخطر ببالهم ولا هم كانوا يرغبون أن تتحول حركتهم السلمية حروبا شرسة متنقلة متوسعة متأقلمة مدوّلة وهم الذين جعلوا شعارهم الاول “سلمية سلمية”. كذلك لم يكن يخطر ببالهم أن المعتقلات، أو المسالخ البشرية على حد وصف منظمة العفو الدولية، سوف تضيق بأعداد المعتقلين، وأنها ستعود فتتسع لتستوعب المزيد منهم. وأن التهم ستكون جاهزة لأي معتقل. وأن كبيرة الكبائر أن يعلن ملاحظة ولو بسيطة تمس النظام وأهله.

اليوم تحولت سوريا إلى ساحة تتبارز على جبهاتها جيوش دولية ضخمة، وذهبت صيحات الحناجر التى ارتفعت تطالب باسقاط النظام أدراج الرياح، كما ذهبت نداءاتها طلباً للديمقراطية والحرية هباءً. فيما بلغت أعداد الشهداء أرقاماً تقارب نصف المليون، وبلغ عدد المشردين والمهجرين من منازلهم حوالي أحد عشر مليوناً ما يوازي نصف تعداد السكان. ومع دخول الحرب عامها العاشر ما زال رأس النظام في موقعه، وما زالت قواته التى تتلقى دعماً روسياً وايرانياً، تقاتل وتدمر وتحرق وقد سجلت فى أواخر العام التاسع من الحرب أسوأ كارثة انسانية حيث بلغ عدد المهجرين خلال أشهر قليلة قرابة المليون نسمة، وهو رقم لم تعرف الانسانية في حروبها مثيله، كما هو رقم يؤرق اوروبا وتستعمله تركيا فزاعة في وجه القارة العجوز.

إن سوريا اليوم مسرح لتوتر روسي اميركي، وروسي تركي وايراني اسرائيلي، وقد فجر هذا التوتر أزمة الهجرة غير المسبوقة.

لقد شكل بروز داعش أول انقلاب على احلام الشباب الثوار السلميين، ليتغير المشهد السلمي وتدخل الولايات المتحدة الاميركية على رأس حلف دولي لشن حرب على الارهاب شكّل الاكراد في الشمال السوري رأس حربته، حيث أعلن النصر على داعش رغم بقاء خلاياها النائمة قادرة حتى اللحظة على شن هجمات دموية موجعة. وقد ازدادت سوريا دماراً وتشتتا تحت نظر المجتمع الدولي وبرعايته. ويتصارع فوق ترابها جيوش اميركا وروسيا وايران وتركيا إضافة إلى جيشها والميلشيات الملحقة والميلشيات المعادية. ومثل هذه الصورة بحد ذاتها تنشر الرعب وترفع وتيرة المخاوف إلى حدها الاقصى.

فايران يعنيها وهي تعمل بدأب على فتح طريق ايران العراق سوريا لبنان المتوسط، إبقاء هذا الطريق تحت سيطرتها وإمرتها ولأجله ولأجل الحلم باستعادة وهم الامبراطورية، تتحدث عن عواصم عربية تأتمر بأمرها وتسلس لها القياد. واميركا التى ترابط في منطقة البوكمال على الحدود السورية العراقية وفي منطقة الآبار النفطية في شمال شرقي سوريا، والتى خاضت على رأس التحالف الدولي معركة اخراج داعش من المنطقة والحاق الهزيمة به، ما زالت وستبقى كما يبدو معنية بمراقبة الحدود السورية العراقية وإقفالها إن أمكن، ومواصلة رعاية الحكم الذاتي للاكراد راهناً، وفي مناطق شرقي الفرات ومناطق منابع النفط. أما تركيا التى تسيطر اليوم على شريط واسع من الشمال السوري وبالتوافق مع روسيا حيث تسيران دوريات مشتركة على أكثر من خط آخرها خط ام 4 السريع، تركيا هذه التى يؤرقها أن تقوم على حدودها دويلة كردية، ترى أن نواتها يتمثل بالحكم الذاتي الكردي القائم في الشمال الشرقي لسوريا حيث السيطرة لقوات سوريا الديمقراطية ذات الغلبة الكردية. أما روسيا الممسكة بتلابيب النظام والحامية له، والتى تخوض مباحثات مع تركيا نيابة عنه فتحدد ميدانياً المسموح والممنوع والممكن وغير الممكن فوق الاراضي السورية، وهي التى رسخت ولمدى زمني طويل 49 عاما قابلة للتجديد نفوذها عبر قاعدة حميميم البرية كما قاعدة طرطوس البحرية.

وروسيا هي التى تؤمن الغطاء الجوي المطلوب للهجمات السورية على مواقع الميلشيات المعادية للنظام والمدعومة من دول ذات مصلحة بالإمساك بالارض، روسيا تملك ذات المطامع الامبراطورية، وهي صاحبة الحلم باستعادة الدور الدولي. أما اسرائيل التى لم يعد يردعها رادع بعد الذي أصاب سوريا وأصاب الدول العربية المحيطة، فقد أخذت على عاتقها توجيه ضربات للقوات الايرانية والميلشيات التابعة لها فوق التراب السوري وبصمت روسي يبلغ حد التواطؤ.

وليس بعيدا عن مصائب الصراع الدولي والاقليمي وويلاته ما يجري في الداخل السوري من عمليات خطف واخفاء وتضييق على الشخصيات المحلية وحرياتها من قبل التنظيمات الاسلامية الأصولية المتشددة التى ادت إلى نزوح وهرب الكثير من النشطاء وعائلاتهم، كما أدى صراعها المسلح إلى المزيد من مراكمة الخراب. بدايات اندلاع الحرب تبدو بعيدة، وقد تلاشت تفاصيلها الأولى، أما نهاياتها فتبدو لا أفق مرئياً لها. لم يتحرك العالم لوقف قتل المتظاهرين السلميين في الأشهر الاولى للثورة، وكل دعم أو مؤتمر حصلت الثورة عليه أخفى اطماعاً ونوايا، ما لبثت أن نزلت على السوريين كوارث لم يكن أقلها تشكيل الميلشيات الجهادية، التى اعاقت وتعيق كل تقدم وتفرض ديكتاتوريات يقودها مأجورون يباعون ويشرون من اجهزة مخابرات الدول ذات المصالح المتعارضة والمتناقضة.

كم هي مريرة حقيقة ما يمكن أن يبلغه العنف في مجتمع منقسم عرقياً وطائفياً حيث يبقى عبر القوة والسلاح وهم إبادة الاخر، ومضافاً إليها منوعات القمع حيث تبدو عارية المضامين الدموية لمصطلحي الأقلية والأكثرية. لقد اخفقت المعارضات المختلفة في تقديم نموذج بمقدور اصحابه التعايش مع بعضهم، ومع الاخر من خلال الاعتراف بالتنوع والتعدد.

هي سوريا بعد تسع سنوات من الحرب، من التدمير، من التشريد، من القتل… كأنها تسير حثيثا نحو اعلانها محمية روسية ايرانية، تحتل تركيا شمالها وبشريط واسع، وترعى اميركا حكماً ذاتياً كردياً في الشمال الشرقي، وتعربد اسرائيل في أجوائها ملحقة مزيداً من الخراب والموت بعد أن ضمت جولانها. لقد ضاقت أحلام الشباب السوري الذي اطلق نداءات الحرية والديمقراطية والسلمية، لكن سوريا لن تعود بلاداً لأهلها الا بهمة هؤلاء وبنشاطهم وتضحياتهم.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

“الكورونا” يكشف عورات الغطاء الصحي اللبناني

إن الاتهامات العنصرية البغيضة التي رافقت بدء الوباء والتي توارت بعد أن بلغت حدوداً من الصفاقة، قد ترافقت مع الاعتباطية والارتجال من جانب المسؤولين ما عبر عن غياب الخطة الصحية المتكاملة وفقدان المراكز والتجهيزات المناسبة  لمواجهة مثل هذا الوباء ومنوعات البلاء.