تبقى مُلهماً… وعلى العهد صامدون

    رحل رفيقنا محسن ابراهيم، فيما العالم يعاني مخاطر انتشار كورونا، وسط انفلات صراعات قواه وحروبهم الاقتصادية، في سياق السعي لإخضاع المجتمعات البشرية لسيطرتها وتسلطها، والارتداد عن المكتسبات التي انتزعت منها بالنضال، فيما قوى التغيير والديمقراطية تقف عاجزة عن تجاوز أزماتها وتجديد قواها وبرامجها والتصدي للهجوم المتجدد للرأسمالية. وهنا تكمن أهمية مبادرته في مراجعة تجربة اليسار والحركة الديمقراطية بكل تياراتها الشيوعية والاشتراكية، والتي تضمنت دعوة لتجديد اليسار وتحديث النظر إلى الاشتراكية. وهي المساهمة التي صدرت عن منظمتنا تحت عنوان “في الاشتراكية”.

   رحل قائدنا، رفيق القادة العرب الكبار في الفكر والسياسة، والشريك في تأسيس وبناء حركات التحرير الوطني والتحرر القومي والتقدم الاجتماعي، في مصر والجزائر والعراق وسوريا واليمن.. وفي قيادة المواجهة مع الاستعمار.. رحل في لحظة من تاريخ المنطقة العربية، هي الأشد ظلاماً وصعوبة والأكثر خطورة على مصير كياناتها الوطنية ومستقبل مجتمعاتها الأهلية، التي  تستباح وتُدفع نحو المجهول، عبر مسارات التفكيك والدمار بقوة الحروب الأهلية المدارة إقليمياً ودولياً بقيادة اميركية حريصة على تأبيد أنظمة الإستبداد والقمع التي تأسر مجتمعاتها في دوائر التخلف والانقسام وإعادة إنتاجه. فيما الأصوليات والمذهبيات تضاعف الانقسامات والنزاعات العرقية والطائفية والقبلية على السلطة، وهي تحاول استعادتها وتجديدها بكل ما فيها من أساطير وقتل ودماء، يقودها وهم الإيمان أن باستطاعتها كتابة تاريخ آخر. بينما الأصوليات العقائدية، لا تزال تؤمن أن التاريخ حتميات ميكانيكية وغايته تحقيق أفكار ومقولات لا تقبل المراجعة، وتجاهل أنها أُنتجت في سياق حركة المجتمعات التي لا تقبل الجمود.

   رحل معلمنا الذي بدأ مسيرته النضالية مشاركاً في تأسيس أكبر حركة قومية عربية لتحرير فلسطين باعتبارها رافعة التحرر والوحدة. رفيق قادة النضال الفلسطيني جميعاً وعلى راسهم الشهيد القائد ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية. رفيق منظمة التحرير الدائم حضوراً ومشاركة في خياراتها وقراراتها، المحصن بالنزاهة في التزام فلسطين التي شيعته بأعلامها المنكسة، شعباً وقوى وأطيافاً وقيادة في مبادرة وفاء لا سابق لها، تضاف إلى وسام فلسطين الوطني. في ما هم يواجهون تحدي القدرة على إبقاء شعلة القضية على قيد الحياة في مواجهة مخطط التصفية الصهيوني الأشد خطراً، في ظل التواطوء والصمت العربييْن والعجز الدولي والتماهي الأميركي مع دولة الإحتلال الإسرائيلي. مما يحتم أولوية استعادة الوحدة باعتبارها السلاح الأمضى، في مواجهة العدو الاسرائيلي، وفي تعطيل تلاعب أنظمة الاستبداد العربي والاقليمي والأصوليات المذهبية، التي ترفع راية فلسطين زوراً وترعى الإنقسامات وتشارك بقواها في حروب تفكيك كيانات المنطقة ومجتمعاتها.

  رحل أميننا العام وهو المدرك جيداً، أن لبنان لا زال مقيماً في عين العاصفة، ومحاصراً بالنيران المستعرة في كيانات الجوار العربي، وبإنعدام الأهلية الوطنية للطبقة السياسية وقواها الطائفية، التي اكتسحت كل مساحات البنية اللبنانية دولة ومؤسسات واجتماعاً، وبددت كل الحصانات التي كان لها أن تشكل مصدر حماية له، كما جاء في البيان الفكري – السياسي الذي أدلى به لمناسية تكريم رفيقه الأعز الشهيد جورج حاوي، وقد كانا معاً إلى جانب الشهيد الكبير كمال جنبلاط شركاء في بناء نهضة اليسار، وتأسيس الحركة الوطنية اللبنانية، وصياغة أهم برنامج للإصلاح السياسي. وهو البيان الذي حمل نقداً ذاتياً حول خطأين هما: استسهال ركوب موجة الحرب الأهلية وسيلة للتغيير، وتحميل لبنان ما يتجاوز قدرته على الاحتمال من أعباء النضال الفلسطيني المسلح. كما أطلقا معاً في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي، نداء  المقاومة والتحرير في 16 أيلول 1982، مساراً توحيدياً ديمقراطياً بديلاً عن الحرب الأهلية الطائفية العبثية برعاية خارجية، التي خرجت منها المنظمة عام 1986. وهي الحرب التي  حاصرت خيار المقاومة الوطنية وقواها وهمّشت إنجازاتها الكبرى، لمصلحة مقاومة فئوية، نجحت في استكمال التحرير وإجبار العدو الصهيوني على الانسحاب دون قيد أو شرط وامتنعت عن المساهمة في بناء الوطن. وكما أهدر الحراك الطوائفي المستمر المفاعيل الوطنية  للتحرير العظيم من الإحتلال الصهيوني، فقد أطاح أيضاً بإيجابيات الخلاص من الوصاية السورية التي ادارت البلد وفق مصالح نظامها وسياساته. ما منع توظيف الإنجازين في بناء الوطنية اللبنانية الجامعة، وأحالهما مادة استغلال واستثمار لإعادة انتاج المحاصصات والانقسامات، وتشريع الاستقواء بالخارج والإرتهان له وإبقاء الحرب الأهلية احتمالاً مطروحاً. 

وإذ حظي النقد الذاتي للحركة الوطنية واليسار والمنظمة بالإهتمام الذي يستحق، فإن التعمية التي أصابت نقد الطبقة السياسية، وتحميلها مسؤولية التفريط بمصالح الوطن وهدر إنجازات تاريخية كلفت الكثير من الدماء، وتجاهل الرؤية التي تضمنها البيان حول المستقبل الطائفي المستحيل للبنان، والمستقبل العلماني الصعب، الذي لا يمكن أن يقوم ويستقيم ويتحول إنجازاً عصياً إلا بنضال شاق لبناء كتلته الراجحة في ميادين السياسة والثقافة والاجتماع.. عكسا حالة اليأس والإحباط، التي حاصرت النخب والقوى والتيارات الديمقراطية والعلمانية. 

ختاماً، لن أكرر ما قيل أو أبدي رأياً في ما كتب، وإن كان الأمر يستحق، نظراً لتعدد زوايا مقاربة الأدوار والأفكار والمواقف التي تخللتها، وتنوع المقاصد وتباين الخلفيات والآراء التي عكستها. أقول لك رفيقي وأنت المقيم على مقاومة الاحتلال ومواجهة الإستبداد، المسكون بهموم البقاء في الموقع المتقدم بين أهل اليسار والديمقراطية والتنور والحداثة، مستنداً إلى قناعة راسخة أن تاريخ البشرية ومجتمعاتها هو حصيلة تجاربها بكل نجاحاتها وإخفاقاتها. ولم تتردد في الذهاب بعيداً في مراجعة التجارب وممارسة النقد دون استسهال، في ضوء النتائج والتفاعل مع المتغيرات من موقع التزام قضايا العرب والوطن واليسار، بحيث يصبح التغيير هو الصواب الذي يجب الأخذ به، ومعه ترصيد الحسابات وتحديد الأخطاء  وتحمل المسؤولية حيث يجب، بعيداً عن الجمود والإنغلاق، أو الإلتحاق بآخر مراكز السلطة التي تجتر شعارات الثورة والصمود والمقاومة. وبديلاً عن البلادة الفكرية وتقديس ما كان، أو الهرولة والتوبة والتكفير أمامه أو الكفر بالقضايا.  

  سلاماً على من تفتقدهم شعوبهم ومجتمعاتهم في ظلمة لياليها، بدوراً يزرعون الأمل ويجددون التزام طموحات التحرر والتقدم، وفاء لدماء الشهداء الذي سقطوا في سبيلهما. سلاماً على من أنكفأ بحثاً عن التجديد ولم تأخذه أوهام المناصب. الإرث كبير، كما التحدي، ومشروع تجديد اليسار الديمقراطي العلماني مهمة قيد النضال. سلاماً على من كان ويبقى ملهماً في فكره ومسيرة نضاله.. وعلى العهد صامدون ونتابع الطريق.    

زكي طه

كاتب لبناني
  

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدين التطبيع الاماراتي الأسرائيلي وتؤكد على الوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة الإنحدار العربي

على تصليب الموقف الفلسطيني وتوحيده تحت راية منظمة التحرير وبمشاركة مختلف القوى والفاعليات، وصوغ برنامج مواجهة يستجيب لتحديات المرحلة. إن وحدة إرادة وقرار الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والشتات، هو السبيل الوحيد المتاح لخوض مجابهة موحدة وقادرة على تعديل ميزان القوى