النظام العالمي مكثفاً في لبنان وسط المراهنات القاتلة

إنها لحظة منفلتة تماماً، الأرجح ألا تدوم طويلاً. يغيب عن العنوان مصطلح “الوصاية الدولية” الذي قد يقع في تناقضات عدّة. إنها لحظة يمكن فيها لكل تفصيل سياسي أن يصلح كقراءة لمفهوم “توازن القوى” [في النظام العالمي]، الذي يهرب ساسة لبنان [كلهم ودوماً] منه، لأنه يصف عمقاً يهربون من مواجهته، تلخيصه الفشل خلال مائة سنة في جدل نسيج وطني [بمعنى لبناني]. حتى حدث صغير كذلك الذي جرى عند باب السيدة فيروز عشية لقائها بالرئيس إيمانويل ماكرون، يصلح مدخلًا لقراءة “توازن القوى”.  بأقصر قول، أن تياراً سياسيّاً محليّاً لم تكف سرديته عن التباهي بأنها تجد الحل لمشكلة “طائفتها/وطنها” باستدعاء تدخل قوى إقليمية [إسرائيل وسوريا بعد “حرب السنتين” وعند الطائف مثلاً]، رفعَ عبر مسخرة مذهلة شعار الاستقلال بوجه ماكرون. ويزيد وقع المسخرة أنها حصلت عشية مئوية “لبنان الكبير” الذي تعتبره تلك السردية نجاحاً مبهراً لها، وقد استولدت فيه فرنسا ذلك الكيان السياسي الجغرافي. أسوأ من ذلك، أنه تيار سياسي [يجب دوماً التفاعل معه وطنيّاً] دأب على قراءة وجود لبنان من زاوية علاقته مع الغرب، بل أن “تصديه” لماكرون ليس سوى صدى لقراءة فقيرة ومحدودة، لنقل إنها فائقة الأدلجة، لمتغيرات النظام العالمي. المراهنة؟ سيعود ترمب إلى الرئاسة قويّاً جبّاراً، فيتصدى لإيران ويعمل على دحرها كليّاً من المنطقة، ويسير بالعلاقات مع أوروبا إلى مزيد من الإخضاع، بما في ذلك دعم مشروع “العثمانية” الأردوغانية. ماذا لو فاز ترمب ولم يفعل ذلك، بل سار في الدور الأميركي المركزي في منظومة توازن القوى العالمي إلى اتجاه مختلف؟ لا سبب يدعو إلى إغفال إمكانية فوز جو بايدن، لكن ألم يكلل ترمب نفسه نشوته بالاتفاق الإمارتي- الإسرائيلي بأنه إذا فاز سيتوصل إلى اتفاق مع إيران في ثلاثين يوماً؟ ماذا لو رعى ماكرون بصورة ما اتفاق ترسيم الحدود البحرية والهيدروكربونية مع إسرائيل الذي يحمله شنكر، مع التذكير بأن ماكرون وترمب كررا منذ انفجار مرفأ بيروت [يوازي إنهيار وجودي للنظام اللبناني] أنهما ينسقان معاً؟ ماذا تستفيد أي قوة لبنانية لا تنتمي إلى الأصولية السنية، من المراهنة على أن تكون علاقة ترمب مع العثمانية الإردوغانية، صدامًا مع أوروبا؟ ربما إن بعض احتمالات المشروعين الإسلامويين في طهران وأنقرة، استبدلا تصادمهما ضمن خريطة توازن القوى، بتنسيق إقليمي بينهما مستبعد بينهما حاضراً.

وفي ظل أوضاع سائدة عربياً، قد لا يعني ذلك سوى انهيار الكيان اللبناني إلى كانتونات طائفية، ربما لا زالت تساور أذهان البعض.  ربما في أطراف سردية ما في لبنان، أن المسيحيين [خصوصاً الموارنة] حاربوا مع السلطنة العثمانية العائدة إلى لبنان وسوريا وفلسطين في 1840 لأنهم كانوا “يعلمون” من الغرب أنه يرعى “توازن القوى” [عملياً، هو توازن بين القوى الأوروبية] في “الرجل المريض” تمهيدًا لوراثته عند رحيله. حدث ذلك فعلًا، وترك  تأثيرات كثيرة من بينها تلك المراهنة القوية على القوى الخارجية، مع حدوث حروب داخلية ومجازر وتهجير ومجاعة، هي الترجمة المحلية لـ”توازن القوى” العالمية!

الغلبة الفئوية مدخلًا لحروب الاستتباع

ثمة درس مكثف قوامه أن مجموعة محلية تعقد العزم، وتُرسخ سردية سائدة في ثقافة أفرادها وعائلاتها، على أن تكون لها الكلمة فوق كل الفئات الاخرى في الوطن. وعندما لا تستطيع بقواها الذاتية تحقيق ذلك، تعمد إلى المراهنة على قوة خارجية، ويكون أن الفئات المحلية الاخرى تفعل الشيء نفسه. وتسقط المراهنات المحلية في طاحونة توازن القوى، لأن أول شيء يحدث فعلاً هو أن يصبح كل طرف رهينة القوة الخارجية التي راهن عليها. النتيجة؟ حروب الاستتباع. ألا يذكِّر ذلك بشيء من الحروب اللبنانية المتواصلة؟ ألا يصلح وصفًا للمشهد الليبي الذي يقع في القلب من حركة الاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط، خصوصاً شرق المتوسط، أخيراً؟ ألا يصلح وصفاً لبعض ما يجري في سوريا، خصوصًا منذ 2011؟

ظهر طرح سياسي “عبقري” يقارن وضع لبنان بتركيا أردوغان، ويدعو إلى “الضغط” [سوريالـية ضغط دولة منهارة على الاتحاد الأوروبي] بالنازحين السوريين للحصول على مليارات الدولارات من أوروبا. النتيجة؟ أُعطيت أموال النازحين السوريين إلى معظم دول استضافتهم، عدا لبنان! كيف خطر لتيار محلي أنه بوزن “العثمانية” وعلاقتها مع أوروبا وحلف الأطلسي وإسرائيل، وتمدد نفوذها في الغاز خصوصاً، من أطراف أفغانستان (البحر الأسود) إلى المتوسط وليبيا؟ ماذا عن مشهد النازحين السوريين يتحولون مقاتلين لمصلحة المشروع العثماني الاستراتيجي الضخم، خصوصاً مع زعامة أردوغان لتنظيم “الإخوان المسلمين” الدولي الذي يستطيع تحريك كتل شعبية ضخمة على امتداد العالم الإسلامي [وفي قلب أوروبا]، بما فيه القرن الإفريقي ودول الساحل الغربي ومنطقة ما تحت الصحراء الكبرى وصولاً إلى…. موزامبيق؟ [هل تذكر أحد شيئاً ما؟]

تنظيمات أصولية مسلحة أفريقية

ماذا عن حضور المشروع الأردوغاني العثماني في لبنان، من السلاح إلى الشرائح التي ترى في العثمانية خلاصاً وانتصاراً لبنانيّاً وربما سوريّاً؟ لنقدم جردة جزئية سريعة عن القوى الإسلاموية المسلحة في أفريقيا، ابتداءً من ليبيا إلى “أنصار الشريعة” في تونس، “فصيل الملثمين” في الجزائر، “القاعدة في المغرب الإسلامي” (“أكيم”) المتمدّد في المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا، “بوكو حرام” في نيجيريا، “الشباب” في الصومال، “أنصار الدين” و”فصيل المتعاهدين بالدم”، “الحركة الإسلامية في آزاواد” و”حركة الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا” في مالي. وفي 2015، تكوّنت مجموعة “الشباب” المسلحة داعية إلى تطبيق الشريعة في الموزامبيق كلها، وتلتها حركة مسلحة أضخم إسمها “أنصار الشريعة” وتمارس نشاطاً مسلحاً منذ سنوات عدة، في موزامبيق وكذلك سواحل أفريقيا الشرقية التي تقطنها قبائل تنطق باللغة السواحلية. ويتفق دارسون كثر على أن ضعف الدولة وهشاشة المجتمعات من أهم عناصر تعزيز تلك الحركات.

مجددًا، أليست الوحدة الوطنية هي المستند الأول لنجاة لبنان من الانهيار والحرب الأهلية غير المستبعديْن؟ ربما يجب النظر إلى “الوصاية الدولية” عبر منظور أوسع مما اعتدنا فعله طويلاً.

أحمد مغربي

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.