العلاقات اللبنانية ـ السورية وسوء التفاهم التاريخي

منذ إلقائه القبض الكامل على الحياة السياسية اللبنانية. أدرك النظام السوري أن أحد عوامل استمرار وجوده في لبنان مرهون بإدامة الانقسام الأهلي ومنع الوصول إلى وفاق وطني إسلامي ـ مسيحي قد يكون هدفه الأول المطالبة بانسحابه. لذا اعتمد سياسة تغذية الانقسام الأهلي وترويع القوى الإسلامية، ليبقى مطلب الانسحاب السوري مطلباً مسيحياً فقط بما يبرر له وجوده وهيمنته.

التجربة مع الوصاية السورية تفيد أن سياستها في لبنان إنما قامت على ثلاثة أركان متكاملة:

1 ـ تسعير الخلافات بين المسلمين والمسيحيين بحيث تستمر الحرب الساخنة (1975-1990) بصورة حرب باردة (1990-2005). الأمر الذي كان يتطلب في الوقت نفسه ضرب أي محاولة لإعادة التفاهم بين المسلمين والمسيحيين في مهدها (تعطيل موجبات الطائف وإسقاط مفاعيله).

2 ـ إقناع المسيحيين بأن سعيهم إلى استرداد حقوقهم “السليبة” من المسلمين لا يمكن أن ينجح إلا بالتفاهم مع سلطة الوصاية.. في المقابل وفي الوقت عينه إقناع المسلمين بأن الحؤول دون عودة “الهيمنة” المسيحية لا يمكن أن ينجح إلا بالتعاون مع الوصاية ذاتها (الخوف المتبادل هو سيد الموقف).

3 ـ  ولكي يؤدي الركنان السابقان وظيفتهما الوصائية على خير ما يرام كان لا بد من إسنادهما بركن ثالث مفاده أن اللبنانيين بطبيعتهم غير مؤهلين لإدارة خلافاتهم بأنفسهم وأنهم بحاجة دائمة إلى مرجعية خارجية من دونها لا يؤتمنون على أحوالهم وقد يسيئون إلى الحوار. وقد جرى تسويق هذه الفرضية الظالمة والبضاعة المغشوشة على نطاق واسع في الداخل والخارج تحت عنوان الوصاية السورية تشكل عامل استقرار للبنان والمنطقة..

 

سوء تفاهم تاريخي:

واقع الحال هذا يشير إلى أن العلاقات اللبنانية السورية لم تكن علاقات سوية بين دولتين، بل أن هذه العلاقة محكومة بسوء تفاهم عميق تعود أسبابه إلى المرحلة الاستقلالية. وهو يرقى إلى فكرة تعسفية قديمة هي أن لبنان لواء سوري سليب “ينبغي أن يعود إلى كنف الدولة السورية بطريقة أو بأخرى. ولو بأسلوب التجاوز على الحقائق التاريخية والاجتماعية وأهمها أن شرعية تأسيس لبنان لا تقل بأي مقياس عن قيام الجمهورية السورية. بل سبقتها في التكوين فضلاً عن حق اللبنانيين في تعيين خياراتهم المصيرية وأسلوب عيشهم.

من هنا كان الخطاب السوري يركز دوماً على مقولة “شعب واحد في دولتين”. هو عنوان الوحدة في المفهوم السوري.

إن سوريا التي تسلمت مقاليد الأمور في لبنان بعد الطائف وتعاملت مع لبنان على أساس الحذر والارتياب من اللبنانيين جملةً وتفصيلاً.. عملت على خلق طبقة سياسية لبنانية مرتبطة بها تأخذ على عاتقها ضمان استمرار العلاقة بين البلدين على نحو ما تريده سلطة الوصاية.

في موازاة ذلك كان موقف قوى السلطة الجديدة يتلخص بالآتي: التضحية بلبنان في سبيل سوريا. هذه السلطة ربطت استمرار وجودها آنذاك باستمرار الوضع القائم وكانت تستغل هذا الأمر لاستباحة الدولة على نحو لم يشهده لبنان إلا على أيدي الميليشيات أثناء الحرب.

إضافة إلى ذلك فإن اتفاق الطائف الذي قضى نصاً وروحاً باندراج المقاومة في الدولة. فقد بدا عملياً وبفضل الوصاية السورية هو اندراج الدولة في المقاومة، وهو التعبير الموارب لاندراج الدولة في متطلبات السياسة السورية التي كانت قد ألغت السياسة الخارجية اللبنانية تحت شعار “وحدة المسارين” ثم كان مصطلح ثنائية دولة مقاومة الذي تبدى في صورة وواقع دولة داخل دولة. وبتعبير أوضح فإن ما حدث فعلاً هو استتباع الدولة لمقتضيات المقاومة المستقلة تماماً عنها ولغاية تتجاوز الحاجة الوطنية اللبنانية.

ولقد كان الأشد دلالة على الطبيعة السلبية الضدية للعلاقة بين البلدين ولفرض الوكالة والوصاية تحت مقولات العروبة لإضمار استغلال البلد الأقوى للبلد الأضعف.. وعليه استحال ملء هذه العلاقة التي استمرت حتى العام 2005 بأي مضمون جدي اقتصادي أو ثقافي أو تعليمي. بما يتعدى الشق الأمني والإلحاق الاستراتيجي على ما يقول حازم صاغية.

وإذا كان اتفاق الطائف المعقود العام 1989 هو الذي رسم سبيل الانتقال اللبناني من حال الحرب الأهلية إلى حال السلم الأهلي. فإن هذا الانتقال لم يكن ليتحقق دون موافقة سورية الصريحة.. وكانت لهذه الموافقة شروط ثقيلة وضعتها دمشق وتمسكت بها. ثم نجحت في فرض الشطر الأكبر منها على الوضع اللبناني وحيال المدى العربي والمحفل الدولي. وهذه الشروط كانت تندرج في خانة “سورنة” إتفاق الطائف أي جعله ملبياً لتطلعات الهيمنة السورية على لبنان بمقدار تلبيته لحاجة اللبنانيين إلى عقد سلم أهلي بين طوائفهم وتياراتهم السياسية يضع حداً للمفاعيل التدميرية الهائلة للحرب الأهلية على مجتمعهم المشترك.

هذه المعادلة التي ولدت مع الطائف نصاً وحدثاً معادلة شراء اللبنانيين سلمهم الأهلي بثمن خارجي كبير هو القبول بوصاية سورية على بلدهم، هي المعادلة التي انتهت بالأغلبية اللبنانية (الطائفية والسياسية) إلى تقبل أحكامها كخيار لا بديل منه في حينه.

إن اضطرار النظام السوري للانسحاب من لبنان، شكل بداية الأزمة الوجودية لهذا النظام، لأن العام 2005 هو تاريخ انهيار حلم “سوريا الكبرى” الذي يشكل لبنان قلبه ونبضه. وبدلاً من أن يشكل هذا الانسحاب في نهاية نيسان 2005 بداية استعادة لبنان لدوره المستقل وحكم نفسه بنفسه، عمل النظام السوري بين 2005-2011 على تعطيل أي إمكانية لهذا الأمر.

إن سوريا في ظل الأزمة المفتوحة التي تعيشها وما ستؤول إليه الأوضاع في المقبل من الأيام، هي “سوريا أخرى”.. ثمة زمناً سورياً انتهى وإن زمناً آخر بدأ منذ العام 2005 ولم يعد يجدي نفعاً بعث الروح في مشروع سوريا الإقليمية والعودة للإمساك بلبنان والهيمنة عليه.

محمد حرفوش

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.