المؤتمر العام الرابع لمنظمة العمل الشيوعي – من أجل حزب يساري ديمقراطي علماني

منظمة العمل الشيوعي

في لبنان

المؤتمر العام الرابع

 

من أجل حزب يساري ديمقراطي علماني

من أجل حركة علمانية ديمقراطية لبنانية وعربية

تشرين الثاني 2018

 

 

مدخل

يضمّ هذا الكتاب الوثائق الخاصة بالمؤتمر العام الرابع لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، وهي الوثائق التي جرى إقرارها في جلسة اختتام أعمال المؤتمر في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني 2018.

على امتداد العام 2018، انخرطت فروع ووحدات المنظمة في نقاش مستفيض لهذه الوثائق، واخضعتها للتدقيق في كل قسم من الأقسام. الوثائق شاملة تتوزع على تقرير سياسي حاول الإحاطة بمجمل قضايا الوضع اللبناني، وبعض قضايا الوضع العربي. كما تضمن قسماً أساسياً يشكل الحلقة المركزية في أعمال المؤتمر وهو المتعلق بمراجعة الهوية الفكرية للمنظمة، وهو الموضوع المطروح منذ تسعينيات القرن الماضي. كما يتضمن الكتاب تقارير عن نشاط المنظمة وخططها البرنامجية.

ما أراده المؤتمر العام الرابع وشدد عليه هو إطلاق مبادرة لتجديد اليسار اللبناني، وهي مسألة تخترق مجمل تقارير المؤتمر. تأمل المنظمة من هذه المبادرة أن تشكل حافزاً لكل القوى العاملة من أجل التغيير الديمقراطي في لبنان، والساعية لتجاوز الطائفية نحو تحقيق العلمانية فيه.

القسم الأول التقرير السياسي

تقديم

تمر المنطقة العربية في مرحلة سمتها الرئيسية انهيار مقومات بناها المجتمعية وسيادة الفوضى الكيانية وتحولها إلى حروب أهلية. يجري ذلك وسط تطورات وتحولات عالمية كبرى، بدأت مع انهيار المعسكر الإشتراكي أواخر القرن الماضي. وبالتالي فقد غاب الحديث عن معسكرين رأسمالي واشتراكي، وبات العالم أمام معسكر رأسمالي تتشابه دوله الكبرى في طموحاتها للهيمنة السياسية والإقتصادية والعسكرية.

كما تواجه المنطقة العربية مطامع استعمارية من قوى عالمية ودول إقليمية. عالمياً، تتصدر الولايات المتحدة الأميركية وروسيا المشهد، بوصفهما قوتين أمبرياليتين تسعيان للسيطرة على المنطقة، فيما تسعى دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا لنيل حصة من النفوذ والثروات في البلدان العربية. إقليمياً، تسعى كل من تركيا وإيران إلى توسيع نفوذهما وهيمنتهما على دول الجوار العربي المحيطة بهما، الأمر الذي حوّل المنطقة وكياناتها ساحة نزاع إقليمي ودولي بين القوى الطامحة إلى تقاسم الأرض ونهب الثروات، وتفتيت المجتمعات العربية وتقاسم أرضها وتفكيك كياناتها الوطنية. الأمر الذي شكل خدمة مجانية للعدو الصهيوني، ووفر له تغطية لهجومه المتجدد من أجل تكريس كيانه كواحد من كيانات المنطقة، وتأمين الاعتراف به دولة قومية يهودية، في إطار سعيه لتصفية قضية الشعب الفلسطيني والحؤول دون قيام دولته الوطنية المستقلة على أرضه كحد أدنى. في وقت تضع الدول الكبرى خاصة أميركا وروسيا في رأس أولوياتهما الدفاع عن أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة، على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة.

لم يعد من الممكن الحديث في هذه المرحلة من تاريخ المجتمعات العربية وصراعاتها المحلية والخارجية، عن أنظمة تقدمية وأخرى رجعية كما كان الأمر في مراحل سابقة. إذ نحن أمام رزمة واحدة من الأنظمة العربية، سمتها الأساسية الاستبداد والديكتاتورية، وقهر الشعوب، وإدامة التخلف. نحن أمام أنظمة رهنت بلادها إلى القوى الاستعمارية الخارجية والإقليمية، حيث تحتل الولايات المتحدة المركز الأول في الهيمنة من خلال إرتماء دول الخليج في أحضانها، فيما تمارس روسيا الدور نفسه في سوريا، وتسعى إلى مد نفوذها إلى اقطار أخرى.

كان الوضع اللبناني دوماً على علاقة وثيقة بتطورات الوضع العربي وتحولاته. يتأثر سلباً أو إيجاباً بما يحصل في المنطقة. وإذا كانت المنطقة تعاني اليوم من اصطراع القوى الدولية والإقليمية على أرضها، فإن لبنان ساحة تتجسد فيها بعض مظاهر هذا الصراع، الذي يجد له صدى داخل المجتمع اللبناني، عبر محاولات ربطه بالمشاريع الإقليمية والدولية. لذا، فإن كل قراءة لهذا الوضع، وكل برنامج للتغيير، لا بد أن يأخذ في نظر الاعتبار هذا التشابك بين  العوامل الداخلية والخارجية.

 

أولا   أزمة النظام السياسي اللبناني

1 – في بعض سمات النظام السياسي اللبناني

النظام اللبناني، في ثوابته الموروثة الراهنة المستمرة نظام طائفي يؤطر مساحة تتقلص بإستمرار من الحريات العامة والتعدد السياسي والانفتاح الثقافي والاجتماعي. لكنه ليس نظاماً ديمقراطياً ناجز التكون بمعنى الانتساب الفعلي إلى الحداثة الديمقراطية في أهم مجالاتها التأسيسية: الدولة الحديثة، والفرد الحديث، وحقوق الإنسان الحديثة، وضروب الإنتظام الاجتماعي الحديثة، وقيم الثقافة الحديثة، وآليات التطور البشري الحديثة، وجدلية الإستغلال الطبقي والسيطرة الطبقية الحديثة.

انفجر النظام اللبناني مطلع السبعينيات تحت وطأة التناقض بين حاجات المجتمع اللبناني لاستكمال حداثته في معظم الميادين، وبين تصلب النظام اللبناني عند مصادر التقليد التي تحكمه وتتحكم به، سياسة ونصوصاً دستورية وقانونية وأعرافاً ومؤسسات اشتراعية وتنفيذية وإدارية.

كان للحرب الأهلية مفاعيل تدميرية على المجتمع اللبناني، فقد زحف الأهلي على المدني، وجرت محاصرة الكتل الطائفية للدولة واستتباعها. وحصل ارتداد تاريخي بالغ السلبية عما كان البلد حققه من إنجازات تحديث ديمقراطي نسبي، وهو ما تسبب بانهيار النصاب المجتمعي الضاغط في اتجاه استئناف التطور الديمقراطي للبلد.

إن استعادة هذه الخلاصات تشكل مفتاحاً يساعد على فهم أزمة النظام السياسي الذي نشأ مع اتفاق الطائف عام 1989، ومع التطبيق الجديد للإتفاق الناجم عن التسوية السياسية التي أتت بالحكم الحالي نهاية العام 2016.

أ في بعض سمات إتفاق الطائف

 يقع إتفاق الطائف أساساً في باب الإصلاح الطائفي للنظام الطائفي اللبناني. هو ليس خطوة تطور فعلي إلى الأمام بمقدار ما أتى يمثل خطوة زادت من تعميق المحاصصة الطائفية قياسا عما كان أصلياً من خلل في الصيغة اللبنانية المكرسة مع الاستقلال مطلع الأربعينيات. فالعاصفة البنيوية الأهلية اللبنانية التي شهدها البلد خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، جعلت من التسوية السياسية القائمة على الإصلاح الطائفي للنظام الطائفي اللبناني الخيار الأوحد الذي بقي متاحاً أمام اللبنانيين لإستعادة السلم الأهلي.

يقوم الإصلاح الطائفي في إتفاق الطائف على إدخال المزيد من الدقة والبلورة والحسم والوضوح في أصول التقاسم الطائفي ضمن هذا النظام، ما جعل المحاصصة تزحف على كل مفاصل النظام السياسي وتستكمل استتباع الطوائف ومذاهبها ومناطقها وعشائرها للدولة.

لعل من نتائج هذه المحاصصة إنعدام الإستقرار السياسي، واستحالة بناء دولة القانون والمؤسسات في ظل المحاصصة الطائفية والمذهبية. فلا وجود لعدالة طائفية ترضي جميع الطوائف. لذا لا يمكن اعتبار إتفاق الطائف تسوية تاريخية ناجحة وسليمة لمعضلات لبنان الكيان، ولمعضلات لبنان النظام.

    ب تسوية الطائف في ظل الوصاية السورية

لم يكن لتسوية الطائف أن تمر لولا الموافقة السورية. وعلى رغم أن الإتفاق تمّ بضمانات عربية ودولية، إلا أنه سرعان ما تم تكليف النظام السوري من قبل القوى الضامنة له برعاية الوضع اللبناني. هكذا بدأت سورنةاتفاق الطائف، بما يجعله ملبياً لتطلعات الهيمنة السورية على لبنان، عبر إعادة إنتاج الإنقسامات بين اللبنانيين وإدارة صراعاتهم لتبرير حاجتهم الدائمة لمن يتولى الوصاية عليهم.

إن الوصاية السورية على لبنان شكلت قيداً ثقيلاً حاسماً في مفعوله المانع من تقدم اللبنانيين نحو إنجاز تسوية سياسية وطيدة تتجاوز بهم حال السلم الأهلي البارد القلق بين طوائفهم ومكونات حياتهم الوطنية، وحاسماً في مفعوله المانع من تقدمهم نحو فتح آفاق تحديث ديمقراطي حقيقي لنظامهم يعوّض خسائرهم الفادحة في حربهم الأهلية ويُخرج هذا النظام تباعاً من اختناقاته الاجتماعية الاقتصادية الثقافية السياسية الأصلية والمستجدة.

ج   إتفاق الدوحة تسوية طائفية مشوّهة لإتفاق الطائف الطائفي

  في أعقاب الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، تجدد السجال بين اللبنانيين حول ممارسات سلطة الوصاية السورية. تعددت الأصوات المطالبة بخروج الجيش السوري تنفيذاً لإتفاق الطائف، كمدخل للخلاص من وصايته على البلد. أدى  ذلك إلى تسعير الإنقسام اللبناني واتخاذه طابعاً طائفياً، خاصة مع إصرار النظام السوري على التجديد لرئيس الجمهورية الموالي له. وشكل البعد الإقليمي والدولي حول موقع لبنان تزخيماً للصراع الداخلي ومهد عام 2004 لصدور قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي نص على نزع سلاح حزب الله وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

شكل القرار مصدر خطورة فعلي على الاستقرار الأهلي المأزوم، واحتدم الصراع القائم،  وانفجرت أزمة نظام الطائف المدار من سلطة الوصاية حول تشكيل الحكومة. رغم أن غالبية الأطراف السياسية  كانت تعي استحالة تطبيق قرار مجلس الأمن، إلا أن الأزمة أخذت أبعاداً خطيرة مع تصعيد الإنقسامات والاصطفافات الطائفية، وتمثلت باغتيال رئيس الحكومة الأسبق وتوالي مسلسل الإغتيالات لقادة ورموز القوى المعترضة على الدور السوري في لبنان

 ومع  تنفيذ الإنسحاب السوري انفجر الصراع السياسي في الداخل واتخذ أبعاداً أمنية خطيرة إقليمياً ودولياً، خاصة  في أعقاب رفض حلفاء سوريا  الإقرار بنتائج الانتخابات النيابية. كما شكل العدوان الإسرائيلي التدميري على لبنان صيف 2006، عاملاً إضافياً في تسعير الأزمة التي نجم عنها فراغ موقع رئاسة الجمهورية وشلل مؤسسات الدولة جراء الممارسات التعطيلية من حلفاء النظام السوري، والتي كان أبرزها الإعتصام المديد في وسط العاصمة. وتعددت أشكال ووسائل النزاع الداخلي وصولاً إلى سيطرة حزب الله وحلفائه على غرب العاصمة بقوة السلاح، الأمر الذي لم ينته إلا في أعقاب إتفاق الدوحة عام 2008. ذلك الإتفاق الذي وقعته كافة أطراف الطبقة السياسية الحاكمة، الذين اُستدعوا إلى الدوحة بقرار دولي ـ إقليمي. شكل إتفاق الدوحة تكريساً للمحاصصة الطائفية والمذهبية كصيغة لتنفيذ إتفاق الطائف تعكس اختلال ميزان القوى القائم، كما نص على انتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية وتشكيل الحكومة بضمانات دولية وإقليمية عارمة.

 لم تختلف مفاعيل إتفاق الدوحة من حيث مضاعفاتها السلبية على الوضع، ولم تشكل حلاً لأزمات النظام الطائفي التي سرعان ما تجددت مع اندلاع الإنتفاضة السورية، ليتجدد معها الإنقسام الطائفي وممارسات التعطيل التي توجت بفراغ موقع رئاسة الجمهورية وشلل الحكومة ومجلس النواب.  

   د   إتفاق الطائف من منظور التسوية الجديدة للعام 2016

يُنظر إلى التسوية التي أتت بالحكم الجديد إلى السلطة بأنها نسخة أخرى من إتفاق الطائف الأصلي. لكن الإتفاق الجديد لا يحظى برعاية دولية وإقليمية، على رغم أن المصالح الإقليمية، خصوصاً السعودية والإيرانية قضت بحصوله. علماً أن التسوية أتت في سياق تبدل التوازنات والتحالفات الطائفية. فالشيعية السياسية بقيادة حزب الله أثبتت أنها تملك القدرة على التعطيل، ففرضت الشخص الذي عينته رئيساً قبل أن يحصل على المنصب الرسمي. والمسيحية السياسية قطعت أشواطا في إقامة ثنائية مكونة من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، لفرض شروطها في التسوية. أما السنية السياسية التي كانت من أشد المعارضين لرئاسة عون ولسياسة حزب الله، فقد وجدت نفسها في قلب التسوية ـ الصفقة، بعد أن فقدت الكثير من عناصر قوتها ومن موقعها التمثيلي للطائفة. كانت التسوية عبارة عن تنظيم صراع المحاصصات، وكانت تحمل في جوفها تناقضات وألغاماً سرعان ما انفجرت لاحقاً.

كشف العهد الجديد عن توجهاته الحقيقية وطريقة إدارته للحكم. بدأ يمهد للإنقلاب على إتفاق الطائف الأصلي، وبما يوحي بعودة غالب تمثله المسيحية السياسية على مغلوب يتشكل من القوى التي لم تكن توالي حزب الله والوصاية السورية. ارتفع صوت المسيحية السياسية بوجوب استعادة الصلاحيات الرئاسية التي قلصها إتفاق الطائف الأصلي. طغت روائح الصفقات والتلزيمات في أكثر من مجال، وارتفع حجم فساد القوى الطائفية.

 خلافاً لما تقرر في خطاب القسم والبيان الوزاري حول سياسة النأي بلبنان عن الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون دول الإقليم، فإن سياسة العهد أتت تعلن صراحة انحيازها لموقف حزب الله، وتبرر تدخلاته العسكرية في بعض الدول العربية بحجة حماية لبنان ومحاربة الإرهاب. كان موقفاً متجاوزاً لقواعد الميثاق الوطني، بحيث بدا لبنان ملحقاً بالمحور الإيراني السوري، من خلال سلسلة مواقف أساءت إلى المصلحة الوطنية اللبنانية وإلى علاقات لبنان ببعض الدول العربية ومن عزلة دولية، وزادت من تسعير الصراعات المذهبية داخل لبنان.

شكلت الانتخابات النيابية التي جرت في العام 2018 وفق قانون انتخابي اعتمد النسبية المقيّدة بالصوت التفضيلي الطائفي،  مناسبة لتجديد الطبقة السياسية القائمة. لكن الجديد فيها أن ميزان القوى شهد اختلالاً في توازنات التيارات والمواقع الطائفية وعلاقاتها بمحاور الصراع، الأمر الذي جعل البلد أسير  تجدد صراعات مرجعيات الحكم حول الصلاحيات وصيغة تشكيل الحكومة وتوازناتها ومحاولات الإنقلاب على التسوية القائمة. وعليه بات البلد في خضم  انفلات الصراع  بين أصحاب مشاريع الهيمنات الطائفية بهدف تغيير مواقع الطوائف كما حددها إتفاق الطائف، ما يضع البلد أمام مزيد من التأزم وانعدام الإستقرار.

  2 – في ضرورة الاصلاح السياسي، في اهدافه وشروط           

هل يمكن لأهل المحاصصة الطائفية  السياسية إنجاز تسوية جديدة تنقذ النظام والكيان وتفتح آفاقاً لاصلاح سياسي حقيقي يتجاوز الطائفية ويفتح البلد على آفاق حداثة وتحديث؟ وهل يجوز إلتزام إتفاق الطائف على علاته كما جرى سابقاً، أم أن هذا الإلتزام بات خارج الموضوع؟

 ترى المنظمة أن تسوية الطائف، بقديمها وجديدها، لم تعد صالحة لإدارة البلد وقد تحولت إلى صراعات على المحاصصة داخله. إن ما يحتاجه لبنان هو نظام جديد يُخرج البلد من أزماته المتكررة، ويلبي حاجاته ومتطلباته والحد الأدنى من طموحات اللبنانيين على مختلف الصعد. فالنظام الحالي غير قابل للإصلاح، والطبقة السياسية عاجزة عن القيام بإصلاحات أو إنجاز تسويات. فالنظام الطائفي على امتداد ثلاثة عقود كان مقفلاً على أي محاولة إصلاحية، وأثبت دوماً أنه نظام رعاية لحرب أهلية مستدامة، باردة وساخنة في الوقت نفسه. يزيد من عجزه انكشافه على الخارج وبقاؤه أسير المحاور العربية أو الإقليمية ونزاعاتها.

وتزداد استحالة اصلاح النظام عندما يتبدى منحى استبدال هيمنة طائفية بهيمنة طائفية أخرى، كما يؤكد هذه الاستحالة المسار الذي سلكته دولة المحاصصة الطائفية خلال العقود الثلاثة، حيث كان جلياً أنها أنتجت انحداراً في تاريخ الحياة السياسية الاجتماعية والثقافية الإدارية اللبنانية، قياساً إلى فيدرالية الطوائف التي قامت عليها دولة الاستقلال عام 1943. كما ترى المنظمة مجدداً:

أ إن الأزمة التي يعيشها لبنان هي أزمة نظامه السياسي بمكوناته القائم عليها، ولا تقل خطورة عما كانت عليه أزمة النظام في سبعينيات القرن الماضي. وهي أزمة تطرح تغيير النظام الطائفي من أجل إطلاق موجة تحديث في مجمل تراكيب المجتمع اللبناني، بحيث لا يقتصر التغيير على استبدال طاقم سياسي بآخر. في سبعينيات القرن الماضي، ساهمت المنظمة في إنتاج برنامج التغيير عبر الحركة الوطنية التي أقرت برنامجاً للإصلاح الديمقراطي يدعو إلى إلغاء الطائفية السياسية.

ترى المنظمة اليوم أن شعار إلغاء الطائفية السياسية الذي دعت إليه سابقاً، والذي كانت تعتبره الوجه الرئيسي لمعركة التحديث الديمقراطي، لم يعد الشعار الذي  يضع البلد على طريق الاصلاح. لذلك ترى المنظمة أن قضية العلمانية هي المعركة التي تفتح الأفق أمام إمكانية تجاوز ما هو عليه البلد من تخلف، وتحرره من أسر الطائفية وتضعه على طريق التقدم والحداثة. فشعار إلغاء الطائفية السياسية انتهى طائفياً، وهو وُلد في الأصل ملتبساً طائفياً. والعلمانية التي تدعو إليها المنظمة ليست عقيدة مطلقة موازية للعقيدة الدينية، بل هي الصيغة التي تؤشر إلى فصل العام الوطني عن الخاص الطائفي، إلى فصل الدين عن الدولة. كما ترى المنظمة أن إنجاز العلمانية بانقلاب أو بمرسوم هو مجرد سراب. إن تحقيق العلمانية بسلطة الاستبداد هو بديل أسوأ من الطائفية على سوئها الفاضح. إن العلمانية لا تقوم ولا تستقيم ولا تتحول إنجازاً عصياً إلا بنضال شاق من أجل بناء كتلتها الاجتماعية الراجحة الوزن في ميادين السياسة والثقافة ومؤسسات الانتظام الاجتماعي الحديثة. وهي لا تتحول من نوابض اجتماعية منتشرة حاشدة إلى نظام سياسي وطيد إلا باستفتاء اللبنانيين على مصيرهم في هذا المجال بكل الحرية الواجبة والمسؤولة.

لكن المفارقة الكبيرة تكمن في مدى توفر القوى اللازمة لحمل مشروع التغيير في الوقت الراهن. في سبعينيات القرن الماضي توفر للبلد حركة شعبية كان لليسار دور مركزي في بنائها وقيادتها، وكان المجتمع اللبناني يضم شرائح عريضة من قوى عابرة للطوائف والمناطق، وكانت الحركة الوطنية قوة فاعلة في الميدان السياسي والشعبي. كان لبرنامج التغيير قاعدته المادية، بقواه الشعبية والسياسية، وبخطه السياسي والفكري، وهو ما جعله برنامجاً فعلياً للتغيير وليس مجرد طرح نظري. هذا الواقع مفقود اليوم، فالحرب الأهلية بددت القوى الحية من المجتمع اللبناني، وهمشت اليسار بمختلف أطيافه ومعه سائر القوى الديمقراطية، وسهلت الطريق لهيمنات طائفية اجتاحت المساحات المشتركة وتسلطت على بُنى الدولة والمجتمع بشكل كامل.

ب إن هذا الواقع الذي تعيشه الحركة الشعبية، راهناً، ومنذ هزيمة مشروع الحركة الوطنية، يشهد على مسار الانهيار المتمادي للقاعدة المادية التي تقوم عليها تلك الحركة. وكان من أهم تجلياته  انهيار قوى اليسار والإقامة المديدة في الهامش وتوسل بعضه الوصول من خلال الرهان على الطوائف وبُناها، يضاف إليها ضعف النقابات المهنية والعمالية وتحولها إلى أطر فارغة، وإلحاقها بالمرجعيات السياسية الطائفية وإخضاعها لقراراتها السياسية.

كانت المنظمة تشدد دائماً، ولا تزال، على أن استنهاض الحركة الشعبية وإعادة بنائها مستحيل من دون دور فاعل ومتجدد لليسار اللبناني.

 

ثانياً   أزمة اليسـار

تقديـم

 تقوم المنظمة على ثابت رئيسي ركيزته أن مبرر وجودها  يتصل بموقعها في اليسار وفي دورها ضمنه. لا يُقرأ التاريخ اللبناني الحديث في القرن الماضي من دون رؤية دور اليسار فيه، خصوصاً الشيوعي منه، حزباً ومنظمة. منذ ستينيات القرن الماضي وعلى امتداد الفترة التي سبقت الحرب الأهلية، وخلالها، لعب اليسار اللبناني دوراً أساسياً في تحليل طبيعة النظام السياسي والصعيد الاقتصادي والبنية الاجتماعية وقراءة محطات تطورها قراءة نقدية، وكان دوره محورياً في استنهاض الحركة الشعبية وقيادة نضالاتها السياسية والاجتماعية والوطنية. واليسار، ساهم مساهمة رئيسية في تأطير قوى الحركة الديمقراطية والمطلبية وصولاً إلى تأسيس الحركة الوطنية وقيادتها، وكان من أهم إنجازاته البرنامج المرحلي للاصلاح السياسي في العام 1975.

1 – هزيمة المشروع الوطني مع الإجتياح الإسرائيلي وتقلص دور اليسار

إذا كان مشروع الحركة الوطنية قد تلقى ضربة كبرى في العام 1977 إثر اغتيال قائده كمال جنبلاط، عطفت على دخول القوات السورية 1976 بتوافق أميركي وإسرائيلي وتغطية عربية، إلا أن الضربة الكبرى كانت مع الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخروج المقاومة الفلسطينية منه. كانت الهزيمة عاملاً أساسياً في تجديد الانقسام الطائفي والمذهبي، وعودة الاستقطابات التي أدت إلى اندلاع حروب طائفية متعددة الجبهات، جعلت الصيغة التنظيمية القائمة للحركة الوطنية منذ العام 1975، غير قابلة للإستمرار.

إذا كانت المنظمة تولي إهمية رئيسية للأسباب البنيوية والسياسية الداخلية لأزمة اليسار، إلا أن تفاقم هذه الأزمة لم يكن مفصولاً عما حل باليسار على الصعيد العالمي، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأثره على الحركة الشيوعية عالمياً وعربياً، وكذلك في ضوء انتقال النضال الفلسطيني إلى الداخل في صيغة انتفاضة شعبية ضد الإحتلال، وتبدل وجهة الصراع العربي الإسرائيلي من المواجهة إلى  البحث عن السلام وانعقاد مؤتمر مدريد.

2 –  تجديد اليسار المهمة المركزية للمنظمة

قضية اليسار في موقعه السياسي والفكري ودوره النضالي ووجوب استنهاضه، اخترقت كل التراث السياسي والفكري للمنظمة، وشكلت الحلقة المركزية في المؤتمر الثاني للمنظمة عام 2001. كانت المنظمة تربط ربطاً وثيقاً بين أزمتها الداخلية وبين أزمة اليسار، وكانت المراجعة الكبرى التي بدأتها أواخر الثمانينات ووصلت ذروتها منتصف التسعينات، هي مراجعة لخط المنظمة وبرنامجها وهويتها، وفي الوقت نفسه مراجعة لليسار اللبناني وما مثله في تاريخ البلد. لذا أتت الموضوعات البرنامجية تعكس الأزمتين في آن واحد. وإذا كان المؤتمر الثاني (خصوصاً في دورته الأولى) قد أولى أزمة المنظمة الأهمية المركزية، إلا أنه وضع إلى جانبها قراءته لأزمة اليسار وشروط استنهاضه.

أعطى المؤتمر الثاني للمنظمة أجوبة صريحة وواضحة حول شروط استنهاض اليسار وتجديد دوره، وقرر أن الأولوية بالنسبة للمنظمة هي البحث في أزمة اليسار. اعتبر المؤتمر أنه لا يستقيم أي مسعى نهضوي جديد في ساح اليسار، إذا لم ينطلق من تشخيص مستنير ودقيق وشجاع لأزمة اليسار اللبناني بعيداً عن كل ما هو رائج من معالجات سطحية وعقيمة في هذا المجال. بل أن مثل هذا التشخيص يجب أن يذهب بعيداً في قراءته أوضاع اليسار اللبناني اليوم فيعود في القراءة إلى نشأة اليسار ليرى مساحة الريادة الفكرية والسياسية والاجتماعية فيها على حقيقتها وضمن سياقها التاريخي، وليتوقف من ثم أمام نهضة اليسار فيعين حدودها ومضامينها وإنجازاتها وثغراتها البنيوية بعيداً عن التضخيم والعدمية في آن. وعلى قاعدة هذه المقدمات يصبح ممكناً تشخيص الأزمة الراهنة لليسار بما يجلو عناصرها ويلم بأسبابها ويضيء على الموضوعي والذاتي منها. وبذلك يتوفر الأساس الملائم للوقوف أمام التحديات المصيرية التي تواجه اليسار اليوم والتي يلخصها السؤال الآتي: هل يقع احتمال النهوض المتجدد لليسار اللبناني ضمن أفق تاريخي ومرئي؟ وما هي شروط رجحان أو ترجيح مثل هذا الاحتمال؟“. كما جاء أيضا في قرارات المؤتمر الثاني: “ظلت المنظمة تشدد على أن الأمانة للحقيقة تقتضينا القول إن الوزن المتقلص لليسار اللبناني لأسباب جوهرية وتاريخية شتى، بعضها موضوعي ويتجاوزه أساساً، والكثير منه ذاتي يتصل بسياسات خاطئة انزلق إليها في غير محطة لبنانية وعربية، إن الوزن المتقلص لليسار اللبناني كان وما يزال السبب الأهم وراء هامشية دوره في مجمل الأحداث وكل الميادين“.

3 –  لماذا تعثر السير بتجديد اليسار خلال العقود الثلاثة الماضية؟  –  ما الأسباب الموضوعية والذاتية لهذا التعثر؟

لا ينفصل المسار الإنحداري الذي دخله اليسار عن الإنهيار البنيوي الذي أصاب البلد بالجملة والمفرّق. أول نتائج هذا الإنهيار تمثل بزحف الطوائف والمذاهب على المشترك الذي كانت تمثله الدولة ومعها البُنى المجتمعية التي شكلت المساحات المشتركة بين اللبنانيين. غلب المسار الطوائفي على كل الميادين، من الحياة السياسية إلى المقاومة التي اصطبغت بطابع مذهبي عار، إلى إنهيار الأحزاب الوطنية والتحاق أقسام منها بالمؤسسات الطائفية، ناهيك بما أصاب صفاً واسعاً من القوى الديمقراطية التي كانت متحلقة حول الحركة الوطنية، ومعها أطياف من المثقفين الذين غادروا مواقعهم ليلتحقوا بقطار النظام ومكوناته الطائفية والمذهبية، وليتحول مثقفون منهم إلى منظرين للأحزاب الطائفية أو ملاحق لدى مرجعيات الحكم  والعمل على نشر ثقافة التخلّف والإستزلام.

في المقابل، فإن بُنى الحركة الشعبية المتمثلة بالنقابات العمالية والمهنية والمؤسسات الديمقراطية كانت منهكة مما أصابها من مضاعفات سلبية في مسار الحرب الأهلية، حيث لم تتمكن من الصمود طويلاً في مواجهة سياسات التدجين والتجويف والإلحاق والمحاصصة الزاحفة على بنى المجتمع سواء من سلطة الوصاية أو من الأحزاب والتيارات الطائفية المشاركة في الحكم. أدى ذلك إلى تقلص أعداد العمال المنتسبين إلى النقابات العمالية، وجعل منها هياكل فارغة من القوى ملحقة بالسلطة وعديمة التأثير والقدرة على خوض الصراع من مواقع الفئات الشعبية. بالإضافة إلى محاصصة النقابات المهنية وتعطيل فعاليتها.

وبالنسبة للمنظمة، فقد أمعنت في مراجعة شاملة لكل ما صدر في تاريخها، سواء على الصعيد الفكري والسياسي أو في ما خص تجربتها العملية وممارستها النضالية، وكان العنوان المركزي يتعلق بتجديد دورها في اليسار وسبل استنهاضه. لكن المراجعة، وعلى أهميتها الحاسمة في تاريخ المنظمة واليسار، لم تشكل رافعة استنهاض بمقدار ما شكلت مغالبة لمسار الإنحدار للمنظمة واليسار معاَ.

إذا كانت المنظمة عانت من إنكفاء مديد تحت وطأة المراجعة وبنتيجة انحسار موقعها وتراجع فعاليتها وإنهيار أكثرية قواها، فإن عجز الحزب الشيوعي عن المراجعة، تسبب في ولادة تكتلات داخلية  متصارعة، أدت إلى انشقاقات عنه، تشكلت في تيارات تدور في فلك إنقسامات قوى السلطة وتشكيلاتها الطائفية، فبات الحزب مجموعة أحزاب على الصعيد الواقعي. كان انهيار المعسكر الإشتراكي شديد الوطأة على الحزب، بخلاف ما كان أثره على المنظمة. وإذا كانت المنظمة دفعت غالياً للحفاظ على موقعها السياسي والوطني المستقل، مما وضعها على الهامش، فإن الحزب دفع ثمناً غالياً لفقدانه هذه الإستقلالية ورهاناته على القوى الطائفية والإقليمية.

4 – العلاقة بين الحزب الشيوعي والمنظمة خلال العقود الأخيرة

كانت العلاقة بين المنظمة والحزب مدار اهتمام من المنظمة طوال العقود الماضية، وشكلت قضية داخلية تخترق مناقشاتها بشكل دائم. مرت العلاقة بحالات من الجزر والانقطاع أكثر بكثير من التوافق واللقاء بين الطرفين، وهو أمر يعود في جوهره إلى الإفتراق في الموقف السياسي وتحالفات الحزب ورهاناته على بعض أجنحة النظام الطائفي وسلطة الوصاية السورية. ظلت المنظمة أمينة لما قرره المؤتمر الثاني حول العلاقة بين الحزب والمنظمة حيث ورد: “لقد حسم المؤتمر العام الثاني للمنظمة في مرحلته الأولى السجال حول وجهة العلاقة بين المنظمة والحزب حين اعتبرها علاقة اتصال ضروري، ودعا إلى اشتقاق الصيغ المناسبة لإدارتها وفق درجة التقارب أو الإختلاف الموضوعي بين الخطين السياسيين الموجهين لكل من طرفيها“.

على امتداد السنوات الأخيرة، كانت العلاقة بين المنظمة والحزب تسير من افتراق إلى آخر، بسبب التباعد الكبير في المواقف السياسية لكل من الطرفين. في المقابل، كانت نقاشات المنظمة الداخلية ملتزمة بتوجهات المؤتمرين العامين الثاني والثالث، والقائمة على التمييز بين الموقع الذي يمثله الحزب، والموقف الذي يلتزمه تجاه الساحتين اللبنانية والعربية. كما ظلت المنظمة أمينة لموقف الإنقطاع بين الطرفين وليس القطيعة.

5 –  ما حدود أهلية المنظمة راهناً للاضطلاع بدور في استنهاض اليسار؟

  لقد أرست المراجعة النقدية الشاملة التي خاضت المنظمة غمارها خلال النصف الأول من التسعينيات المفاتيح النظرية الأساسية لتناول أزمة المنظمة على النحو الأصوب. إذ انصبت تلك المراجعة على النقد العميق والصريح للخانات الأساسية الثلاث التي تشكل منها خط المنظمة تاريخياً وعليها نهض بنيانها وتوالت ممارساتها. تتلخص هذه الخانات بالاتي:

أ الهوية الفكرية القائمة على التشدد الأصولي الماركسي في وجه ما كانت تعتبره المنظمة تحريفية فكرية وانتهازية سياسية لدى الطرف الآخر من اليسار.

ب وجهة الالتحاق بالعروبة الفلسطينية والتحالف مع القوى التي أعتبرتها المنظمة طائفيات لبنانية مغبونة في وجه الهيمنة الطائفية السائدة على مقدرات لبنان ـ الكيان ولبنان ـ النظام في آن.

ج خيار الإنخراط في الحرب الأهلية طريقاً يسارياً لبنانياً مخصوصاً للحرب الطبقية التي ظلت لفظيتها وشعاراتها تخترق طروحات المنظمة الاستراتيجية والتكتيكية في كل الميادين.

 وكانت مؤتمرات المنظمة صريحة في التعبير عن حقيقة واقع المنظمة وقواها والمهمات والتحديات المطروحة عليها. جاء في قرارات المؤتمر العام الثاني في مرحلته الأولى: “إن نجاح المؤتمر في صوغ التشخيص الأصوب لأزمة المنظمة وافتتاحه مسار السيطرة عليها بالوعي لا يعطيانه بداهة الحق في إطلاق حكم ذاتي مسبق سريع أو متسرع يقول بامتلاك المنظمة الأهلية اللازمة لبناء مشروع حزبي يقدم جديداً للحياة السياسية اللبنانية ولموقع اليسار ودوره ضمن منوعات تياراتها وتشكيلاتها المختلفة“. كما أضاف المؤتمر العام الثاني في مرحلته الثانية قائلاً: “لكن نجاح المنظمة في الامتناع عن سلوك دروب الوهم والتمويه بل الغش في مواجهة أزمتها وسائر اليسار من ناحية، ونجاحها في جلاء استقلالية خطها السياسي وفرادته في ظل ظرف لبناني بالغ الصعوبة والتعقيد من ناحية ثانية، لم يقابله أو يواكبه نجاح ملموس في اتجاه إعادة بناء موقع حزبي منتج ووازن نسبياً، على صعيدي الطرح الفكري والممارسة السياسية العملية، يؤشر إلى إمكان استئناف دور نشط من جانبها ضمن ساح اليسار خصوصاً وفي مدى الحياة السياسية للبلد عموماً“.

على رغم محدودية قوى المنظمة راهناً، إلا أن خروجها من الإنكفاء والعودة المتدرجة إلى ميدان الممارسة السياسية والانخراط في الحراك المدني ـ الأهلي الذي شهده البلد في الأعوام الأخيرة، أظهر أن المنظمة ما تزال تملك موقعا وقدرة على الفعل. فقد كانت مشاركتها موضع ترحيب وتقدير من القوى الديمقراطية، ودفعت بالكثيرين إلى تجديد الرهان على دور مبادر وفاعل لها.

      أي مبادرة يمكن للمنظمة أن تطلقها لتجديد اليسار؟

في ضوء كل ما تقدم من عرض لتجربة المنظمة ونقدها لهويتها الفكرية وبرنامجها السياسي، فإن المنظمة تقف اليوم أمام الأسئلة القديمة ـ الجديدة التي طرحتها على نفسها منذ المؤتمر العام الثاني، وتعيد طرحها كمبادرة لتجديد اليسار، وهي:

أ  تجديد الهوية الفكرية لليسار

يقف اليسار اللبناني، الشيوعي منه خصوصاً، أمام تحدي تجديد هويته الفكرية التي تقوم في الأصل على خيار الإلتزام بالإشتراكية. إن هذه المراجعة تفرضها التحولات التي حصلت عالمياً، سواء على صعيد ما كان يعرف بالمعسكر الإشتراكي، أو بما أصاب المجتمعات الغربية الرأسمالية من تحولات. هذا التجديد في الهوية لا بد أن يرى إلى الديمقراطية، نظرية وممارسة، من موقع مختلف للمباديء الجامدة التي كانت تحكم الفكر الإشتراكي. إن مراجعة الهوية من أجل تجديدها لجعلها مواكبة لتطورات العصر شرط ضروري لتحصين اليسار فكراً وممارسة.

 

ب   إعادة بناء القاعدة الاجتماعية لليسار

كان الدور المجيد الذي لعبه اليسار اللبناني، (حزباً ومنظمة) قبل الحرب الأهلية يستند إلى موقع اجتماعي عريض، يتمثل في قيادة الحركة الشعبية التي كانت تنضوي ضمنها مكونات لبنانية، تبدأ من الحركة النقابية بنقاباتها المحتشدة بعمالها، إلى نضالات الفلاحين والمزارعين في معظم المناطق، إلى الموقع الهام في الحركة التعليمية والجامعات والطلاب، إلى الموقع في المهن النقابية، وقطاع المثقفين وسائر الجمعيات والتجمعات الديمقراطية التي شكل اليسار حاضنة فعلية لها.. إن موقع  اليسار في الحركة الشعبية هو الأساس الذي كان الرافعة التي جعلت دوره  مفصلياً في الحركة الوطنية وقيادة نضالاتها، ونقلته من مدارات الحركة المطلبية إلى رحاب السياسة الوطنية العامة.

لذا ترى المنظمة أن العمل على إعادة بناء القاعدة الاجتماعية لليسار، يشكل الشرط الضروري لبداية مسار خروجه من أزمته وتجاوز هامشيته، نحو دور مؤثر نسبياً في مجرى السياسات الراهنة.

ج   تحديث البرنامج السياسي لليسار

شكل برنامج الإصلاح السياسي في العام 1975، أهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. ورغم التباساته الطائفية خاطب البرنامج مصالح البلد وشكل استجابة لطموحات الأكثرية الساحقة من أبنائه، حيث تلازمت فيه مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاً، لعل أهمها: الاستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً عن أي مركب نقص أو الاختناق بين جدران العزلة وأساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل استبداد، والديمقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الاجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافيتها الضيقة ضمانة ومرجعاً.

د   السعي لتوليد كتلة ديمقراطية علمانية بقيادة اليسار

عرف البلد قبل الحرب الأهلية، وجود كتلة شعبية واسعة عابرة للطوائف، شكل وجودها أساساً لطرح العلمانية المنفتحة مطلباً في سياق مواجهة النظام الطوائفي. إن المرحلة الراهنة الموروثة من مرحلة هزيمة الحركة الوطنية ومشروعها السياسي شهدت مسار تقلص متماد للقوى الديمقراطية العلمانية، لصالح غلبة طوائفية كاسحة. لكن ذلك لا يجب أن يمنع اليسار، من أن يشدد على أن مستقبل لبنان الطائفي مستحيل، مع الإعتراف بصعوبة المستقبل العلماني للبلد. إن من شروط تجديد دور اليسار واستنهاضه الدعوة إلى العلمانية وبناء قواها الحية.

 

ثالثاَ حزب الله

تقديـم

حزب الله في لبنان هو التنظيم الوحيد الذي يمتلك سلاحاً معترفاً به كمقاومة، ويمارس هيمنته على البلد بحكم الأمر الواقع المستند إلى السلاح. يكتسب السجال حول الحزب وتمثيله الطائفي والمذهبي، وشرعية سلاحه، موقعاً أساسياً في الحياة السياسية في البلد. يتوزع هذا السجال بين دُعاة نزع سلاح الحزب ورفض شرعيته خارج شرعية الدولة، وهو مطلب تعبّر عنه شريحة واسعة في المجتمع اللبناني، فيما يذهب قسم آخر من المجتمع إلى التمسك بسلاح الحزب واعتباره سلاحاً موجهاً للدفاع عن لبنان في وجه الإرهاب وضد إسرائيل. على امتداد سنوات، وخصوصاً منذ التحرير، تحول سلاح الحزب إلى قضية ساخنة، تسببت ولا تزال في انقسامات كبيرة في المجتمع اللبناني، نجم عنها استقطابات سياسية وشعبية، وبات أحد أهم عوامل الانقسام الأهلي في البلد. يتشبث أهل السلاح بالتركيبة العسكرية للحزب، وزيادة تسليحه، والتشديد على كونه أحد أطراف المعادلة السياسية في البلد، من خلال مقولة الجيش والشعب والمقاومةكأمر واقع.

تكمن معضلة ما يمثله الحزب بالنسبة للكيان والنظام اللبناني، أنه سعى على الدوام إلى ربط لبنان بالمحور السوري ـ الإيراني، والتدخل عسكرياً في الحرب المستعرة على الساحة السورية، وهو أمر ترك انعكاساً سلبياً على الوضع اللبناني. كما أدى تدخله ضد بعض الدول العربية إلى إخلال بالميثاق الوطني وسياسة الحياد والنأي بالنفس، وهو ما تسبب بأضرار كبيرة أصابت المصلحة الوطنية اللبنانية. يتصرف الحزب اليوم  كطرف مستقل عن الدولة سياسياً وعسكرياً في الداخل والخارج، ويتحكم في الوقت نفسه بمفاصل مؤساساتها وقراراتها السياسية والأمنية والإدارية.

هذا الوضع الذي بات الحزب يحتله، يستدعي قراءة موضوعية له، بعيداً عن السجالات الرائجة حول نزع السلاح أو منع الحزب من التدخل في الشؤون الخارجية، وهو سجال شائع في الحياة السياسية في البلد. كانت المنظمة قد توقفت في مؤتمرها العام الثالث أمام  دور حزب الله وضرورة السجال معه، وخرج المؤتمر بقرار حول هذا الموضوع يقول: “لم يعد هناك مفر من إجراء مناقشة جديدة لمعضلات السلاح الأهلي في لبنان بين أيديولوجيا المقاومة الافتراضية وواقع المشروع المذهبي، وهي المعضلات التي تسترهن المصير الوطني للبلد، وتشحن الاجتماع اللبناني بعناصر من التفكك والانقسام تلقي به في مهاوي فوضى كيانية لا قعر مرئياً لها“.

كما جاء في القرار: “ويرى المؤتمر العام الثالث أن المناقشة الجديدة المشار إليها تصبح غير ذات جدوى إذا هي لم تنطلق من الإلمام الواعي بعناصر الخلاف اللبناني اللبناني حول الموقع الوطني للبنان. وهو الخلاف الذي تمتد وقائعه سحيقاً إلى أزمان سبق بعضها ولادة الكيان اللبناني، ورافق بعضها هذه الولادة، كما لازم بعضها عملية الاستقلال اللبناني، وتصاعد بعضها وتعمق بعد قيام إسرائيل في قلب المشرق العربي. ثم أتت بعد ذلك الحقبات الأخيرة التي شهدت اندلاع مقاومات ومواجهات لإسرائيل على الأرض اللبنانية بهويات مختلفة وبرامج متباينة ومرجعيات داخلية وخارجية متنوعة

ويضيف القرار: “إن القصد من هذه العودة إلى الوقائع التاريخية السابقة والأسبق هو ربط الموقف من سلاح حزب الله راهناً بالإطار البانورامي الأوسع الذي يجعل مناقشة مصير هذا السلاح أوسع بكثير من الحجج التي يتبادلها الطرفان المتصارعان حول شرعية أو لا شرعية السلاح المشار إليه. لذا فإن الضرورة تقضي بجعل السجال الإيجابي حول مصير سلاح حزب الله أعمق بكثير من الحيثيات التي يسوقها الحزب دفاعاً عن هذا السلاح، وأهم بكثير من المرافعات التي يكررها خصومه هجوماً على السلاح ذاته“.

 

1 –  من التأسيس عام 1983 حتى التحرير عام 2000

 ارتبطت نشأة حزب الله، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، مع وفود طلائع الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان. وجرى تأسيس الحزب في سياق مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، والإعتراض على التحاق ممثلي الشيعية السياسية آنذاك بالسلطة الكتائبية التي تولت الحكم على رافعة الإجتياح الإسرائيلي، وفي أعقاب هزيمة المشروع الوطني اللبناني للحركة الوطنية وخروج قوات المقاومة الفلسطينية. تولى الحرس الثوري رعاية عملية التأسيس، من حيث التدريب والتسليح والتمويل، مستفيداً من تسهيلات النظام السوري الذي  تعرضت قواته في لبنان خلال الإجتياح إلى دمار شبه كامل.

نشأ حزب الله إسلامياً، ورفع راية المقاومة الإسلامية“. تدرجت عملياته العسكرية، ضد مواقع الإحتلال الإسرائيلي. كانت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية قد اضطلعت بالدور الرئيسي من العمل المقاوم، وتحقيق إنجازات كبرى، ما بين أيلول عام 1982 وربيع عام 1985، تمثلت في إجبار قوات الإحتلال على الإنسحاب من بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية، والجبل وأجزاء من البقاع الغربي، مروراً بصيدا وشرقها وصولاً إلى مناطق الزهراني وغالبية منطقتي النبطية وصور. مع تراجع قوات الإحتلال إلى منطقتي جزين والشريط الحدودي، خضعت المناطق الجنوبية التي جلا عنها الإحتلال إلى سلطة الأمر الواقع من قبل حركة أمل وحزب الله. اقترن ارتفاع منسوب عمليات الحزب العسكرية (كماً ونوعاً)، بالتضييق على مجموعات جبهة المقاومة الوطنية واعتقال مناضليها وحجز حرياتهم لمنعهم من تنفيذ عمليات عسكرية. كان الأمر موازياً لممارسات الأجهزة الأمنية التابعة للجيش السوري على جبهة البقاع، حيث التضييق والملاحقة تطال عناصر جبهة المقاومة، والتسيهلات تقدم للمقاومة الإسلامية وحلفائها. جرى ذلك في سياق سعي النظام السوري لجعل المقاومة حكراً على حزب الله تمهيداً للإمساك بها في خدمة استراتيجيته، وهو ما تحقق له بنتيجة الإقتتال الواسع الذي أداره بين حركة أمل والحزب.

  مع وضع إتفاق الطائف موضع التطبيق، انقسم أهل الحكم حول سبل تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 425، الذي يقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة. في المقابل تصاعدت عمليات حزب الله وكبدت جيش الاحتلال الصهيوني وقوات العملاء خسائر فادحة. كان رد العدو الإسرائيلي على تزايد العمليات والخسائر، عنيفاً وتدميرياً  سواءً في عدوان 1993 أو 1996، وكان من نتائجهما تكريس حق لبنان في مقاومة الإحتلال. الأمر الذي أجبر قوات العدو على الإنسحاب دون قيد أو شرط، في أواخر آيار عام 2000 تحت وطأة ضربات المقاومة التي جعلت كلفة بقاء الإحتلال تفوق كلفة الإنسحاب. وإذا كانت المحطة الأخيرة من الانسحاب الإسرائيلي قد شكلت إنجازاً حققه حزب الله بقوة عملياته النوعية، لكنها لم تكن مفصولة عن سائر المحطات التي سبقتها منذ أيلول 1982 التي حققها مقاتلو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، عدا أنها أتت في امتداد كل النشاط المقاوم الذي بدأته المقاومة الفلسطينية وبعض أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية منذ سبعينيات القرن الماضي.

2 –  مرحلة ما بعد التحرير

كان اللبنانيون يأملون أن يشكل تحرير الجنوب والبقاع الغربي محطة مهمة وخطوة كبرى في ترقية الوحدة الداخلية، التي تعاني من الأعطاب والانقسامات تحت وطأة الخلاف الوطني حول قتال إسرائيل. لكن هذا الحلم جرى تبديده بفعل عوامل متعددة. في الداخل، كان الحزب يرى في الانتصار رافعة  لتغيير المعادلة الداخلية، وتحويل المقاومة وسلاحها أداة دفع بالطائفة الشيعية إلى موقع متقدم في التوازنات الطائفية العامة. أما النظام السوري الذي رأى في الإنسحاب الإسرائيلي تآمراً على دوره الإقليمي وإضعافاً لوصايته على لبنان، استغل عدم الإنسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، رافضاً ترسيم الحدود مع لبنان، من أجل تبرير استمرار مقاومة حزب الله المسلحة، والإبقاء عليها في خدمة استراتيجيته أيضاً، في المقابل تصاعدت مطالبات بعض القوى الطائفية بحل مقاومة حزب الله وتسليم سلاحه.

تزامن الإنسحاب الإسرائيلي من الشريط الحدودي، مع احتدام الصراع الطائفي على السلطة، في ظل  تجدد الإنقسام الداخلي بشأن الوصاية السورية على البلد وإدارتها غير المتوازنة لشؤون الحكم ومصالح القوى المشاركة والمعترضة. وعليه لم يكن مفاجئاً أن يتلازم رفع شعار انسحاب القوات السورية من لبنان مع شعار تسليم حزب الله سلاحه للدولة. غلب على السجال  بين طرفي الإنقسام الداخلي حول المسألتين التبسيط والإستسهال، كما غابت المصلحة الوطنية اللبنانية. ومع اتساع حدة الاصطفافات الطائفية،  بدا البلد وكأنه سائر نحو تجدد الحرب الأهلية، خاصة مع إصدار مجلس الأمن خريف عام 2004 للقرار رقم 1559، الذي نص على انسحاب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح حزب الله، كمؤشر لتبدل المعطيات الدولية التي أجازت الوصاية السورية على البلد. شكل ذلك تصعيداً في الأزمة السياسية وترافق مع مسلسل الإغتيالات السياسية وما نجم عنها من مضاعفات سلبية واضطرابات أمنية توالت فصولها، وكان لحزب الله ولسلاحه دور أساسي فيها سواء في الداخل أو الخارج.

 

3 –  حزب الله بعد حرب تموز وصولاً  إلى الانتفاضات العربية

مما لا شك فيه، أن النتائج العسكرية والسياسية لحرب تموز في مواجهة العدوان الإسرائيلي صيف 2006، شكلت منعطفاً استراتيجياً في موقع الحزب وسلاحه وعلاقته بمؤسسات الدولة اللبنانية، وفرضته طرفاً أساسياً في المعادلة الطائفية الداخلية. وعليه انتقل الحزب إلى ممارسة الهيمنة على مؤسسات الدولة واعتماد سياسة التعطيل للإستحقاقات الدستورية. وأدى الشحن الطائفي المتبادل إلى تسعير النزاعات المذهبية. كما شكل تفاهم الحزب مع التيار الوطني الحر، أبرز قوى المسيحية السياسية،  أساساً لكل المحاولات اللاحقة لتعديل التوازنات الطائفية، بهدف التمهيد لإعادة النظر بتسوية  الطائف السياسية. أدى ذلك إلى تفاقم الأزمة السياسية، ونظم حزب الله وحلفاؤه اعتصاماً في وسط العاصمة بيروت بحماية السلاح،  مكرساً هيمنته عبر شل الحكومة وتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية.

لكن الأخطر في ممارسات الحزب، كان استخدامه للسلاح في الداخل من خلال اجتياح بيروت  الغربية وبعض مناطق الجبل في أيار عام 2008، وهي عملية لم تنته إلا مع التوافق على إتفاق الدوحة  بضمانات دولية واسعة. كان الإتفاق في جوهره تعديلاً لبعض بنود إتفاق الطائف لجهة تكوين السلطة والتوازنات في ما بينها. اُعطي الحزب وحلفاؤه حق الحصول على حصة تعطيلية في الحكومة ولكل ما لا يتوافق مع سياساته. الأمر الذي سمح له مع حلفائه من إسقاط الحكومة التي تشكلت في أعقاب الإنتخابات النيابية وفق القانون المعدّل.

4 –  الحزب وتدخلاته في الصراعات العربية والإقليمية

تصدّر الحزب قيادة أحد طرفي الإنقسام الداخلي المتصارع، بين أهل الحكم، حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي المحتدم بين المحور الإيراني السوري والمحور السعودي ـ المدعوم أميركياً. ومع انطلاقة الإنتفاضة في سوريا في آذار عام 2011، وإنقسام اللبنانيين حولها، واتساع حدة الرهانات على نتائجها عبر التدخل في مساراتها. وفي أعقاب تشكيل حكومة جديدة، انعقدت برئاسة رئيس الجمهورية طاولة للحوار حول قضايا الوضع اللبناني، انتهت بإقرار وثيقة بعبدافي العام 2012 التي تضمنت توجهات معالجة ملفات الوضع الداخلي، واعتماد سياسة النأي بلبنان عن أزمات المنطقة من أجل المصلحة الوطنية. لكن حزب الله الذي شارك في إقرار الوثيقة، سرعان ما أعلن رفضه إلتزام موجباتها. وأعلن عن مشاركته العسكرية في الحرب الدائرة في سوريا إلى جانب النظام. نجم عن ذلك أزمة دستورية تمثلت في مقاطعة حزب الله وحلفائه لرئيس الجمهورية، تلاها استقالة الحكومة، وسيادة مرحلة مديدة من الفراغ في موقع الرئاسة الأولى. وعليه دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الإنقسام الأهلي والأزمة السياسية، في ظل حكومة عاجزة ومجلس نيابي مشلول.

مع اتساع مشاركة الحزب في الحرب السورية، وتدخله في الصراعات المتفجرة في أكثر من بلد، سواء في مصر واليمن والعراق، أخذ الحزب وضعية الشريك في المحور الإيرانيالسوري المدعوم روسياً، وبدأ يتصرف كقوة متدخلة في النزاعات الدائرة والمعارك المندلعة في مواجهة المحور السعودي الخليجي المدعوم أميركياً على امتداد ساحات المنطقة. لم يكن ولاء الحزب لولاية الفقية والنظام الإيراني وارتباطه بهما يحتمل أي التباس، كما كان سعيه معلناً وواضحاً في سبيل ربط لبنان بالمحور الإيراني وسياساته. لم يُقِم الحزب أي اعتبار في رفضه إلتزام سياسة النأي بلبنان عن أزمات المنطقة، أو في إدارة الظهر لعلاقات لبنان العربية والإقليمية، أو في ممارسة العداء لتلك الدول، وأي اعتبار لانعكاسات ذلك ومضاعفاته السلبية على لبنان ومصالحه الوطنية. ولأن هذا الأمر لا سابق له في تاريخ العلاقات اللبنانية العربية، فقد جرى تصنيف لبنان في خانة العداء للعرب، وتعرض ولم يزل إلى أشكال من المقاطعة الإقتصادية، نجمت عنها أضرار فادحة ساهمت في رفع منسوب حدة الأزمة المعيشية والإنقسام الطائفي والمذهبي بشكل غير مسبوق.

 هكذا مارس الحزب خلال السنوات الماضية وتصرف كقوة متحكمة بالقرار السياسي وطرفٍ مهيمن على مؤسسات الدولة والحكم. وأعلن عن نفسه قوة عسكرية إقليمية ملحقة بالمحور الايراني من جهة، ومدافعة عن بعض أنظمة الاستبداد من جهة ثانية، عدا كونها قوة  فاعلة في محاولة ربط للبنان بهذا المحور وجعله ساحة لتنفيذ مخططاتها الاستراتيجية. منذ حرب تموز عام 2006 لم تشهد جبهة الحدود مع العدو الإسرائيلي أي نشاط يذكر، حيث ساد الهدوء، رغم إلإعلان المتكرر عن تحقيق التوازن العسكري الاستراتيجي معه. بات العداء لإسرائيل ثانوياً في ظل أولوية شعار محاربة الإرهاب لتغطية إلتزام السياسات الإيرانية التي تعتمد قاطرة المذهبية لتبرير التدخل في مختلف البلدان العربية. في وقت يثور أكثر من سؤال عن موقع  كافة نظم الإستبداد القائمة، ومسؤوليتها  ودورها في إنتاج الإرهاب ورعايته والاستثمار فيه

5 –  عن الموقف من الحزب وسلاحه وسياساته

إن ما جرت الإشارة إليه من محاولة قراءة لموقع الحزب ودوره داخلياً وخارجياً، يطرح أسئلة كثيرة على البلد وعلى مجموعاته الطائفية وقواه السياسية، أسئلة تتعلق بالموقف من سياسات الحزب وسلاحه. كما يطرح على المنظمة ومن موقعها الديمقراطي العلماني المستقل، المستند إلى تاريخها الوطني المقاوم للإحتلال، وفي امتداد انتسابها للعروبة الرحبة البعيد عن الإنغلاق، مسؤولية المساهمة في  النقاش باعتبار المسألة هي أحد أوجه أزمات البلد، التي تشكل حائلاً دون استقراره، وقيداً على تطوره الديمقراطي.

وعليه فان مسؤولية المنظمة في السجال حول دور الحزب يجب ان تأخذ بالاعتبار المسائل التالية:

أ ينحو بعض اللبنانيين والأطراف السياسية، إلى نزع الهوية اللبنانية عن حزب الله، وتوصيفه على أنه جالية إيرانية. إن المنظمة لا توافق مطلقاً على مثل هذه التصنيفات. وإذا كان الحزب يلتزم خطاً سياسياً منحازاً للنظام الإيراني، فان المنظمة ترى فيه أحد مكونات النسيج اللبناني الراهن، ويحظى بتأييد قسم كبير من اللبنانيين، وهو الطرف الأكثر تمثيلاً للطائفة الشيعية، التي كان لها دور كبير في العمل الوطني اللبناني على امتداد تاريخ البلد.

ب   يستمر قسم من اللبنانيين والقوى السياسية، بتكرار المطالبة بتسليم حزب الله لسلاحه إلى الدولة اللبنانية. على رغم ما يمثله سلاح الحزب من تجاوز وطني، فإن المنظمة  ترى أن مطالبة الحزب تسليم سلاحه، أمر غير قابل للتحقق، لأنه بات مرتبط بالموقع السياسي للطائفة، ويشكل أحد عوامل قوتها في المعادلة السياسية، وعليه من المستحيل التخلي عنه طوعاً من دون أثمان تتصل بموقع الطائفة في المعادلة السياسية القائمة في البلد.

ج أما إصرار بعض اللبنانيين والتيارات السياسية، على رفع شعار نزع سلاح حزب الله، فإنه أمر ينطوي على مخاطر كبرى، ولا يمكن تأييده أو الدفاع عنه. فالدولة أولاً، عاجزة عن تنفيذه لأسباب عدة أهمها خطورة نتائج هكذا محاولة التي تؤدي إلى تفكيك مؤسساتها. أما توهم البعض بإمكانية تنفيذ نزع السلاح بالقوة فإنه ليس أقل من دعوة لتعميم انتشار السلاح وليس نزعه، عدا كونه يشكل استسهالاً للإنزلاق نحو الحرب الأهلية وعودتها إلى البلد الذي لا يستطيع تحمل مضاعفاتها.

د لا يمكن نقاش سلاح الحزب من دون ربطه بالإطار الأوسع للصراع العربي الصهيوني، ولموقع لبنان من هذا الصراع. فالمنظمة لا ترى أن الخطر الإسرائيلي قد انتهى، أو أن السلام معه ممكن في المرحلة الراهنة أو المقبلة، أو أن الكفاح المسلح إنتفت الحاجة إليه بالمطلق. لذا لا يناقَش السلاح إلا على صعيد سياسي أولاً، وانطلاقاً من موقعه في الصراع، وخطة المواجهة العربية ضد إسرائيل وحصة لبنان  فيها.

هـ   لا شك أن إصرار الحزب على البقاء خارج إطار الشرعية اللبنانية لجهة قرار السلم والحرب والمسؤولية عنه، تشكل مخاطر فعلية من خلال استسهال الانزلاق نحو مغامرات عسكرية لا تطال الحزب وحده، بل تمس المصير اللبناني بالكامل. كما أن الإلتزام بإستراتيجية النظام الإيراني يمكن له أن يحمل مخاطر ناجمة عن سعي إيراني لتوظيف موقعه في لبنان وجعله ساحة حرب بديلة، ومنصة توجيه رسائل أمنية في صراعات إيران الإقليمية. إن شعار الإصرار على أن يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، هو شعار يصب في المصلحة الوطنية اللبنانية.

و كما تنظر المنظمة إلى انخراط الحزب في تنفيذ سياسات المحور الايراني السوري، والمشاركة في الحروب الأهلية المندلعة في أكثر من دولة عربية، بأنه يساهم في تدمير كيانات دول المنطقة وتفكيكها نسيجاً إجتماعياً وجيوشاً واقتصاداً، الأمر الذي يشكل خدمة مجانية تصب في مصلحة المشروع الصهيوني وهجومه المستمر لفرض وجوده في المنطقة وتكريس دوره عبر تصفية ما تبقى من قضية وطنية فلسطينية وإنهاء الصراع العربي الصهيوني.

ز يشارك الحزب إلى جانب كافة أطراف الحكم والطبقة السياسية في التحكم بإدارة الدولة ومرافق  البلد الأساسية، في إطار نظام المحاصصة الطائفية والصراعات الدائمة حول تقاسم المواقع أو توزيع المغانم. كما يتشارك مع الجميع في المسؤولية عما آل إليه وضع الدولة على مختلف الصعد بحكم أدوارهم في السياسات المعتمدة وممارستهم شتى أشكال النهب والفساد. في المقابل، فان قضية سلاح الحزب وأجهزته الأمنية، التي تحولت ولا تزال أدوات لتكريس هيمنة سياسية وسيطرة أمنية في الداخل، فهذه القضية لا يمكن معالجتها إلا عبر استنهاض مشروع الدولة، قوى ومؤسسات، بما يساعد على تقليص  دور سلاح الحزب والحد من ممارساته العسكرية والأمنية. إن أحد عناصر قوة الحزب العسكرية والأمنية مرده ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها، وهو ضعف يساهم الحزب في تغذيته ومحاولة تكريسه. علماً أن محاصرة سلاح الحزب لن يتحقق إلا عبر خط صراعي متصل بمدى تقدم مسار تطور مؤسسات الدولة ورسوخ نفوذها، وصولاً إلى تسويات متتالية تنزع عن الحزب ما يقع في مهام الدولة وإداراتها وانكفاء دويلات الطوائف.

 

رابعاَ   الاقتصاد اللبناني

تقديـم

أولت المراجعة البرنامجية الفكرية الاقتصاد اللبناني أهمية خاصة، تمثلت في مراجعة أدوات التحليل الفكرية التي كانت المنظمة تنظر من خلالها إلى الاقتصاد، وتعيين توجهات جديدة للقراءة والمعالجة. يلخص هذا المقطع من وثائق المؤتمر العام الثالث اتجاهات هذه المراجعة، حيث ورد:

سيكون علينا أن نعيد النظر في الكثير من أدوات التحليل اليساري أو اليسراويللوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي اللبناني، وهي الأدوات المتحدرة إلينا من ماضي ممارستنا الفكرية والسياسية والنضالية الاجتماعية. فبهذه الأدوات الفجّة في راديكاليتها الثوريةقرأنا في ضوئها بنية الاقتصاد اللبناني الأصلية قراءة تحقيرية، بدا وكأنها تضيق ذرعاً بميزات هذا الاقتصاد الطبيعية، وبتلك المتحصلة من جهد إنتاجي كبير ومديد بذلته الجماعات اللبنانية خلال حقبات طويلة وهي تتجه صوب التحول مشروع شعب موحد“. وبهذه الأدوات الفجة في راديكاليتها الثوريةقرأنا أيضاً عناصر وعوامل الازدهار الاقتصادي اللبناني (وقد كان فعلياً وفريداً بالقياس إلى اقتصادات عربية أخرى) لنقرر أنه عرض زائل ستبتلعه أزمة الانحسار القادم بالتأكيد، لتستقيم بالتالي أرجحية اندلاع الأزمة الاقتصادية اللازمة لدق باب التغيير الجذري في صيغة انهيار محتم لمقومات الدور اللبناني التجاري الوسيط، وبذلك تعود شحة الموارد اللبنانية لتصبح سيدة الوضع الاقتصادي، ولتجعل من قانون الإفقار المتزايدمحور اللوحة الأخيرة لتداعيات الأزمة الاقتصادية الزاحفة على البلد تحف بها آمال الانفجار الثوري الكبير! ثم بهذه الأدوات الفجة في راديكاليتها الثوريةقرأنا خصائص وخصوصيات التركيب الاجتماعي اللبناني الحديث، الطبقي وشبه الطبقي، الناشئ والنامي في ركاب التطور الاقتصادي اللبناني. فإذا باتساع رقعة الطبقات والفئات الوسطى اللبنانية يبدو لنا معضلة تصدم آفاق الثورة الوطنية الديمقراطية.. الاشتراكيةوتقفلها، بدلاً من أن نرى فيه، أي في اتساع المرتبة الاجتماعية اللبنانية الوسطى إحدى ضمانات ولوج البلد مسار حداثة أكثر تنامياً وأعمق إنجازاً في مجمل نواحي حياته الوطنية.

إن هذا الاستطراد الضروري والمهم عبر الإشارات السابقة إلى فجاجة أدوات التحليل اليساري أو اليسراويالمتحدرة إلينا من ماضي ممارستنا الفكرية والسياسية والنضالية والاجتماعية، إن هذا الاستطراد لا يرمي أبداً إلى تبرئة الاقتصاد الذي كان للبنان قبل الحرب الأهلية (المندلعة عام 1975) من الاختلالات القطاعية والالتواءات البنيوية العميقة، ولا إلى تنزيه لوحة الوضع الاجتماعي اللبناني، مثلما تبدت عشية هذه الحرب، عن الاختناقات الخطيرة التي كانت تهدد فعلاً بتبديد إنجازات التداخل النامي، والوحدة النسبية ضمن النسيج الاجتماعي اللبناني بطبقاته الوسطى والعاملة، الريفية والمدينية. وهي اختناقات لم يكن من سبيل لتجاوزها إلا على قاعدة تسوية اجتماعية مستنيرة ذات سلم متحرك تقدماً في اتجاه مواكبة الازدهار الاقتصادي، وتصليب ركيزته الوطنية ـ الشعبية الأعم، وتوزيع عوائده على النحو الذي يضاعف من أحزمة الأمان للوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي أمام العواصف الأهلية المضطربة داخل البلد، والزاحفة عليه من خارجه. وهو ما كانت البورجوازية اللبنانية، ذات المذهب الليبرالي الأثري البائد، بعيدة بعداً شاسعاً عن منطقه وعن موجباته في آن.

إن قراءة الوضع الاقتصادي اللبناني في محطته الراهنة لا بد أن تتناول النتائج التدميرية للحرب الأهلية على هذا الاقتصاد، وعلى سمات السياسة الاقتصادية لنظام الطائف، ثم الإطلالة على معضلات الاقتصاد اللبناني الحالي، وكيفية معالجة الطبقة الحاكمة لهذه المعضلات، والنتائج الاجتماعية للسياسات الاقتصادية المتبعة، وحدود مواجهة هذه السياسات، وصولاً إلى السؤال المركزي: هل من سبيل لمعالجة معضلات الاقتصاد اللبناني في ظل أعباء الدين الخارجي، معطوفة على سؤال عن الحدود التي يمكن أن تصمد أمامها المعادلات الاقتصادية التي رافقت ولادة إتفاق الطائف؟“.

أولاً  النتائج التدميرية للحرب الأهلية على الاقتصاد اللبناني

تركت الحرب الأهلية آثاراً تدميرية على الاقتصاد اللبناني، فأصابت جميع قطاعاته من دون استثناء. وعلى رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على انتهائها، إلا أنها ما تزال ترخي بأثقالها على مجمل الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. كانت وثائق المؤتمر العام الثالث قد لخصت هذه النتائج بوضوح، حيث ورد فيها:

إن الحديث عن نتائج الحرب الأهلية (في طورها العسكري الساخن) في صيغة رصد لمفاعيلها التدميرية الكبرى على المجتمع اللبناني هو الذي يُخرجها على نحو لا لبس فيه من دائرة التوصيف كمجرد حادث أمني في تاريخ الاجتماع اللبناني، وينأى بها عن مدار الإحالة إلى عوامل وإرادات خارجية تدخلت لتفسد ما بين اللبنانيين من وفاق على العيش المشترك والتقدم، ليضعها حيث يجب ويجدي، أي في خانة الإنقلاب التاريخي على ما كان من وفاق نسبي بين اللبنانيين، وعلى ما كان المجتمع اللبناني حققه من إنجازات تحديث نسبي بأثمان باهظة. وهو انقلاب ليس مجهول النسب داخلياً، إذ اضطلعت به طوائف لبنان المتناحرة على حساب مجتمعها المشترك، فزحف الأهليعلى المدنيوحاصرت الكتل الطائفية الدولة التي كانت تستتبعها لترتد بها مسافة اجتماعية ثقافية سياسية شاسعة إلى ما دون سويتها الأصلية المتزامنة مع ولادة الاستقلال اللبناني عام 1943 والمتنامية بعد قيامه“.

إن الإلمام الجارح بالمفاعيل التدميرية للحرب الأهلية على المجتمع اللبناني بصفتها إطار ارتداد تاريخي بالغ السلبية عما كان البلد حققه من إنجازات تحديث ديمقراطي نسبي، هو شرط معرفي حاسم لبلورة الخلاصات الأصوب حول أسباب المراوحة المديدة التي تخبط بين جدرانها البلد طوال عقد التسعينيات (من القرن الماضي) وما زال يدور في حلقتها المفرغة، عاجزاً عن بلوغ حافة التسوية السياسية الوطيدة لأزمته وعن الاندراج في الاصلاح السياسي التحديثي لنظامه.

أصابت الحرب بنية الاقتصاد اللبناني ومقوماته وموارده بخراب كبير. كما كان أثرها بالغاً على النسيج الاجتماعي اللبناني في مختلف مراتبه الوسطى والصغيرة، فوضعها في حالة إفقار لا سابق لها. وأدت الحرب إلى تدمير أجزاء واسعة من المؤسسات والبُنى التحتية في مختلف المناطق. أما في نتائجها الاجتماعية، فقد أدت إلى إنهيارات كبرى في صفوف الطبقة الوسطى والفقيرة التي فقدت موارد عيشها، وطالت حتى فئات من الطبقات الميسورة عندما دمرت تجارتها وصناعاتها وممتلكاتها، كما أدت إلى انخفاض الأجر الفعلي، وساعدت على هروب رساميل كبرى من لبنان إلى الخارج.

أما على صعيد القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة والزراعة، فقد  تقلص نشاطهما إلى نحو نصف ما كان عليه في أواسط سبعينات القرن الماضي. أما قطاعات الخدمات بما فيها السياحة والإصطياف، فقد تراجع مستواها  وحجمها.

ثانيا   سمات السياسات الاقتصادية لنظام الطائف

شكلت مفاعيل الحرب الأهلية الاقتصادية والاجتماعية نقطة الانطلاق في السياسات التي اتبعها الحكم المنبثق من إتفاق الطائف على امتداد عقد ونصف من الزمن، تحت عنوان الإنقاذ وإعادة البناء الاقتصادي، والإسعاف الاجتماعي“. وصفت وثائق المؤتمر العام الثالث اتجاهات هذه السياسات بالقول:

إن النظام اللبناني، المتبدل أحكاماً في ظل إتفاق الطائف، بات يقوم في وجه رئيسي من وجوه ممارسته على تدفيع البلد ثمن الطائفعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي مرتين: مرة في شكل إهدار لموارد غزيرة من أجل شراء ولاء فئات طائفية مستجدة على الحكم لترسيخ توازنه (أو عدم توازنه) الجديد، ومرة في شكل إقصاء لموارد غزيرة أيضاً نتيجة استبعاد فئات طائفية تملك ما تقدمه في مقابل ما تأخذه ـ لإنهاض الوضع الاقتصادي وتحشيد الركيزة الشعبية اللازمة للإنقاذ الاجتماعي.

وإذ  شكلت المحاصصة الطائفية والمذهبية في صيغتها القائمة على ترجيح وزن كتلة طائفية على حساب وزن كتلة طائفية أخرى ركيزة الوصاية السورية على البلد، فإن ذلك أكسبها رسوخاً استراتيجياً وأحالها إلى مقوم رئيسي من مقومات نظام ما بعد الطائف. مما يعني أن الوضع الاقتصادي الاجتماعي بات محكوماً بقيد ثقيل يطوق فاعلياته وأوالياته من كل الجوانب: إنه قيد إعالة نظام سياسي لم ينبثق عن ديناميكية اجتماع لبناني قائم في ذاته، مستقل في إدارة صراعاته وتدبير نزاعاته، ومتمكن بحرية من اشتقاق التسويات والمقايضات الممكنة واللازمة لسريان الحياة المشتركة بين مكوناته الوطنية أخذاً وعطاءً على امتداد مساحة موارده المادية والمعنوية“.

ولعلنا نؤشر هنا، على نحو أصوب وأعمق، إلى الوجه الأبرز للدور السوري الذي ساهم مساهمة ثقيلة في تعطيل الشطر الأهم من إمكانات النهوض الاقتصادي واحتمالات الإنقاذ الاجتماعي. صحيح أن سلبيات هذا الدور طاولت التبادل الاقتصادي المشكوك في تكافؤه بين البلدين، وألوان التعدي الاقتصادي السوري على الساحة اللبنانية استناداً إلى اختلال موازين العلاقة السياسية بين البلدين. لكن ذلك كله ظل أخف وطأة من المعضلة الأهم التي واجهها الاقتصاد اللبناني، وناء تحت كلفتها المادية ومفاعيلها الاجتماعية السلبية: إنها معضلة إعالة نظام سياسي كانت وظيفته الأهم تتبدى في تأمين استقرار الوصاية السورية على لبنان. ومن هنا كان لا بد أن يتصاعد سؤال لبناني مصيري إضافي: ما الممكن وما المستحيل على صعيد النهوض الاقتصادي اللبناني والإنقاذ الاجتماعي اللبناني في ظل قيد الوصاية السورية على لبنان؟“.

وإلى الخلاصتين السابقتين تضاف خلاصة ثالثة تتصل بسياسات الطاقم المحلي القيّم طوال أكثر من عشر سنوات على رسم السياسات الاقتصادية ومواجهة المعضلات الاجتماعية للبلد. فهذا الطاقم كان يجمع إلى الارتهان شبه الكامل للمرجعية السورية الوصية على الوضع اللبناني، الأخذ بخيارات اقتصادية اجتماعية دفعت لبنان إلى مهاوي وضع عالم ثالثي، ليس صحيحاً إنه كان قدراً مقدراً على اللبنانيين وخياراً لا بديل منه في مواجهة نتائج حربهم الأهلية التدميرية.

 بعد الحرب الأهلية وفي ظل الوصاية السورية، والتطورات الإقليمية، وتحت عنوان إعادة الاعمار، جرى تسويق مشروع ربط الاقتصاد اللبناني بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وفق وجهة لم تكن غايتها معالجة ما دمرته الحرب بقدر ما تستهدف إعادة النظر بدور الدولة وتعديل الدور الاقتصادي وآليات نشاطه التي حكمت البلد منذ الإستقلال. كان الهدف تحويل لبنان مركزاً إقليمياً ومؤسسات القطاع العام للإستثمارات الرأسمالية وجنة ضريبية، الأمر الذي يتطلب بنية تحتية تفوق حاجاته المباشرة وتتجاوز ما دمرته الحرب. كان المشروع يتضمن توسيع مجالات الإستثمارات وخصخصة كل مؤسسات الدولة بما فيها الوظيفة العامة وكافة قطاعات الخدمات تحت راية تفعيلها وتوسيعها وتطويرها، لتضاف إلى ميادين الإستثمار التقليدية في الاقتصاد اللبناني وتحديداً قطاعاته غير الإنتاجية لجعل لبنان مركز خدمات  اقليمي. ولأن المضمر خلف المشروع الاقتصادي مشروعاً سياسياً، فقد اقتضى القبول به وتأمين الحماية له وتسهيل تمريره، تحالفاً مع قادة الحرب الأهلية الوافدين إلى الحكم في ظل الوصاية السورية وتحت إشرافها. كما تطلب إقرار القوانين وسن التشريعات لإعتماده ووضعه على سكة التنفيذ، الاستجابة السريعة لكل طلبات مرجعيات الوصاية السورية والقوى المحلية، سواء في صيغة أتاوات مالية مباشرة، أو حصص وشراكات في بعض المشاريع، أو رشوة القاعدة الاجتماعية للقوى الميليشياوية والزعامات السياسيةأما تمويل تنفيذ مشاريع البنية التحتية من خلال الإستدانة  بفوائد خيالية من أجل جذب الرساميل الخارجية وتشجيع أصحابها من اللبنانيين، فقد تولت المصارف اللبنانية تأمين الحصة الأكبر من الدين في مقابل مستويات غير مسبوقة من الفوائد.

وبالنظر إلى الخلل الفادح في توازنات الوضع الداخلي وصلتها بالخارج الاقليمي والدولي، في ظل سلطة الوصاية السورية، التي تدير صراعات القوى الطائفية المشاركة في الحكم، والتي ترى في الدولة ومؤسساتها ومواردها مصدر إعالة لها سواء لإشباع جشعها للثروة، أو لتلبية حاجات قاعدتها الاجتماعية، الأمر الذي فرض على الاقتصاد أن يؤدي دوراً أساسياً في تمويل الطبقة السياسية وخدمة مصالحها بكلفة عالية.

في المقابل أدارت الطبقة السياسية الجديدة الظهر للمسألة الاجتماعية، ومارست تجاهلاً للمطالب الاجتماعية وحاجة البلد لتسويات جديدة على هذا الصعيد. في الخلاصة، بات البلد أسير ممارسات نهب موارد الدولة وتقاسم مؤسساتها وتعطيل هيئات الرقابة من قبل قوى السلطة المتحالفة مع رأسمالية متوحشة تحاول الزحف على كل مفاصل البلد وقطاعاته من أجل تحويلها ميادين استثمار بغية تكديس الأرباح.

ثالثا   المعضلات الاقتصادية اللبنانية في الوقت الراهن

بعد ثلاثة عقود، على تلك السياسة الاقتصادية التي اعتمدها نظام المحاصصة الطائفية، وبنتيجة أزماته المتواصلة وانعدام الاستقرار السياسي والأمني، تعرض المشروع الاقتصادي للرأسمالية المتوحشة إلى ما يشبه الانهيار، وانحسر مشروعها السياسي إلى تيار طائفي يصارع على حصته في السلطة وموقع الطائفة في النظام، من أجل حماية ما حققه ومحاولة الاستناد إليه لبقائه شريكاً طائفياً في السلطة.

  إن الاقتصاد اللبناني يقف راهناً أمام معضلات بنيوية ضخمة، جراء عمق أزمته  وفق كل المؤشرات والمخاطر التي تهدده بالانهيار. لقد أصبح دوره أساسياً في خدمة قوى السلطة السياسية على نحو الإجمال، ولم يعد يشكل أحد المصادر الأساسية لتكوينها. كما غابت قواعد العمل الاقتصادي التقليدية التي تحكمها ضمانات تحقيق الربح واستمراره، كما هو الأمر في الدولة الحديثة، حيث السياسة في خدمة الاقتصاد. ومرد ذلك فقدان الرأسمالية اللبنانية قدرتها على صياغة رؤية اقتصادية خاصة بها  وترجمتها مشروعاً معبراً عن مصالحها، جراء عجزها عن التكون كطبقة اجتماعية لها أطرها الناظمة والمرشدة لعملها، وجعلها قادرة على استعادة بعض دورها الاقتصادي السياسي الذي كان، والذي تحقق عبر مسار تراكمي مديد، وكانت له قوانينه وقواعده التي أصبحت منسية راهناً.

لقد تم إقصاء الكتلة الأوزن من الطبقة الراسمالية اللبنانية التي شكلت عصب الاقتصاد وصانعة نموه ونهضته، وهروبها إلى الخارج بشكل نهائي. أما ما بقي منها في البلد أو التحق بها من المغتربات، فقد كان في أكثره هوامش مفككة، استسهل رموزها وممثلوها الإنضواء في كنف القوى الطائفية المتحدرة من الحرب الأهلية والمتصارعة على السلطة، والتحول إلى ملاحق لها سعياً  لدخول جنة الحكم، والإفادة مما يوفره ذلك لها من نفوذ ومشاركة في تقاسم المصالح والموارد والمغانم والحصول على الصفقات وفرص للربح السريع

لذلك لم تعد الأطر الناظمة للفئات الإقتصادية تتشكل على أساس وطني عابر للطوائف والمناطق، فقد جرى إخضاعها إلى آليات المحاصصة الطائفية وتوازناتها. أدى ذلك إلى تشرذمها وطغيان المصالح الخاصة والفردية على نشاط أركانها وممثليها المرتهنين لأركان السلطة وزعامات الطوائف، الذين يعتمدون السياسات الفئوية التي تخدم  مصالحهم والمستندة إلى علاقات الولاء والتبعية للخارج، أما الدستور والقوانين فهي عرضة للتعطيل بقوة الأمر الواقع عند تعارضها مع تلك المصالح.

 استناداً إلى ذلك أصبح الاقتصاد اللبناني مطية لمكونات الطبقة السياسية الحاكمة ومشاريعها السياسية المتصارعة، والتي تتبدل توازناتها الداخلية وفق رهاناتها الخارجية. كما بات محكوماً إلى الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات المتراكمة، جراء انعدام الإستقرار السياسي وشبح الإضطراب الأمني المقيم، وارتباط الأمرين بالأزمات والحروب المتفجرة في محيطه ومضاعفاتها السلبية عليه، في موازاة عجز الطبقة السياسة عن توفير الحد الأدنى من حصانات الحماية.

  في ظل تلك المعطيات لم يكن مستغرباً إمعان الطبقة السياسية في اعتماد الاستدانة وسيلة وحيدة لمعالجة أزمات الإقتصاد الذي يشكل مصدراً رئيسياً لتراكم ثرواتها عبر نهب موارد الدولة وتقاسم مغانمها، واستغلال مؤسساتها لتأمين ولاء قواعدها الاجتماعية التي تشكل ركائز وجودها وتجديد طموحاتها السلطوية. وعليه تؤكد المنظمة على المسائل التالية:

1 – تشكل معضلة الدين العام المعضلة المركزية راهناً في الاقتصاد اللبناني. فتبعاً لإحصاءات الدولة اللبنانية تجاوز الدين هذا العام ال 80 مليار دولار، وهو يعتبر من بين  أعلى معدلات الديون في العالم بالنسبة إلى اجمالي الناتج المحلي. يؤكد الخبراء الماليّون أن الرقم الفعلي للدين العام يتجاوز المعلن، ويصل إلى حوالي 120 مليار دولار. وهو مرشح للإرتفاع  تحت وطأة تأمين خدمة الدين العام، وسد عجز الموازنة، والحد من الخلل في المالية العامة للدولة وتوفير الأمول لتنفيذ المشاريع المقرة من خلال مزيد من الإستدانة، حيث تذهب معظم الأموال المرصدة لها لصالح المحاصصة بين المسؤولين وأصحاب هذه الشركات، التي يملكون الكثير منها. وإذا كانت معضلة تأمين الرواتب المتضخمة وحل ازمة الكهرباء تشكلان أهم اسباب تراكم الدين العام، فإن عدم معالجتهما نتيجة صراعات أهل الحكم وتقاذف الإتهامات حول الصفقات والسمسرات، تشكل نموذجاً فجاً عن الأداء الاقتصادي والإداري والمالي المدمر، كما هو الحال في كافة القطاعات الأخرى.

2 – المعضلة الثانية تتصل بتراجع الواردات وتقلص الجباية، الناتجتان عن عوامل عدة، أبرزها  ممارسات نهب المال العام والتهريب والتهرب الضريبي المعتمدة من قبل قوى المحاصصة الطائفية وملحقاتها من الفئات الرأسمالية. إن لبنان يقف اليوم  في أعلى درجات السلّم بين دول العالم في حجم الفساد بالنظر إلى المستويات التي بلغها نهب ثروات البلاد والسطو على الأملاك العامة واستباحة كافة مؤسسات الدولة والمرافق العامة كالمرفأ والمطار والمعابر البرية، وإباحة قطاعات الخدمات للمافيات التابعة، ناهيك عن أموال الصفقات والسمسرات وتكديس الثروات لدى ممثلي الطوائف.

3 – يعاني لبنان من تباطوء النمو في قطاعاته الإنتاجية وفق مسار تراجعي مستمر، ينعكس سلباً على الصعيد الاقتصادي. فالجمود المسيطر على غالبية القطاعات ناجم في جزء منه عن ضعف الاستثمارات المحلية والأجنبية جراء غياب الاستقرار السياسي والأمني وتراجع الاهتمام الدولي بالاقتصاد اللبناني بشكل ملموس منذ سنوات.

4 –  بنتيجة مضاعفات الحرب الدائرة في سوريا، تعرض الاقتصاد اللبناني إلى خسائر كبرى طالت كافة قطاعاته. حيث توقف تصدير المنتوجات الصناعية والزراعية إلى أسواق الداخل العربي، وتراجعت تجارة الترانزيت إلى أدنى مستوياتها، ولم تنج المؤسسات السياحية والخدماتية من أزمات خانقة وإقفال الكثير منها. وقد أدى ذلك إلى رفع منسوب تباطوء النمو والانكماش وتكريس الجمود في أكثر من قطاع اقتصادي. كما ساهم في تصاعد حدة الأزمة الاجتماعية التي باتت تضرب غالبية  فئات الشعب اللبناني.

5 – فاقم النزوح السوري إلى لبنان معضلاته الاقتصادية والخدماتية الموروثة والمستجدة، فقد قارب عدد النازحين إليه حوالي ثلث سكانه المقيمين. أثرّ هذا النزوح على قطاعات متعددة، من الكهرباء إلى المياه إلى البيئة، والمواصلات والإيجارات والسكنلعل الأثر الأكبر تمثل في زيادة حجم البطالة اللبنانية بالنظر إلى المنافسة الشديدة من العمالة السورية وارتضائها أجوراً متدنية. أما سوء الإدارة اللبنانية لصرف مساعدات منظمات الأمم المتحدة والدول المانحة للنازحين، والحؤول دون وصولها لهم، فقد دفع بهذه الدول إلى تقنين تسليم الأموال والمساعدات إلى مؤسسات الدولة اللبنانية  وتولي صرفها بشكل مباشر أو عبر منظمات دولية أو محلية رغم ما يرافق ذلك من فساد.

6 – إن الاصلاحات البنيوية للاقتصاد، يقتصر حضورها على الوعود الدائمة بإنجازها. ولعل المناقشات التي ترافق إعداد الموازنة العامة سنوياً، خير دليل على غياب أي برنامج إصلاح جدي لأن ذلك يتناقض مع مصالح الطبقة السياسية ومصالح قواها، التي تقضي بوضع الدولة ومواردها في خدمة أدوارها ومشاريعها السياسية. لذلك يقتصر الأمر على تكرار مقولات تخفيض النفقات ورفع نسب الواردات والاعلانات الشكلية لمكافحة الفسادوهو ما دفع الدول المانحة إلى وضع شروط لاستمرار المساعدات والقروض المالية، ورهن صرفها بمدى الالتزام بها رغم مضاعفاتها السلبية على الصعيد الاجتماعي. في وقت يتهرب أهل الحكم من تنفيذها لأنها تحد من سياسات المحاصصة وتقاسم المغانم وممارسات النهب، التي لا صلة لها بمصالح البلد أو الفئات الاجتماعية.   

رابعاً  كيف تعالج الطبقة الحاكمة المعضلات الاقتصادية القائمة؟

في ظل انعدام الاستقرار السياسي، وغياب رؤية اقتصادية تساهم في معالجة الوضع الاقتصادي، تستهدف العمل على تطوير قطاعاته الإنتاجية وتوفير الشروط التي تمكن قطاعات الخدمات من تجاوز الصعوبات والعمل بفعالية، من أجل  تحفيز النمو وتأمين إيرادات للشروع في سد الدين العام ومعالجة الخلل في عجز الموازنة، فان الوضع الاقتصادي مرشح للمزيد من الأزمات والمخاطر بالنظر إلى الإختلالات العميقة التي يعاني منها راهناً، في ظل السياسات المعتمدة والتي تتمثل في:

1 – استمرار الاعتماد على الإستدانة بفوائد مرتفعة منذ مطلع التسعينيات، الأمر الذي لم تقتصر نتائجه على بلوغ حجم الدين العام مستويات خطيرة تتجاوز قدرات البلد، بل إلى رهن الدولة للمصارف وارتهانها لتأمين الرواتب وخدمة الدين العام، في ظل العجز عن تمويل المالية العامة وتوفير نفقات الدولة  التي تراجع دورها على صعيد الرعاية الاجتماعية إلى الحد الأدنى.

 

2 – الإستدانة من المؤسسات المالية الدولية. ويأتي في المقدمة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لكن هذه المؤسسات تفرض شروطاً مسبقة وإصلاحاتهيكلية للاقتصاد ولمؤسسات الدولة وتشمل تخفيض الإنفاق العام، وزيادة معدلات الضريبة المضافة، والحد من الإعفاءات الضريبية، ورفع أسعار المحروقات والخدمات، وإلغاء دعم الكهرباء، وعدم تنفيذ مشروعات استثمارية كبيرة. وهي مطالب من شأن تلبيتها تحقيق المزيد من إفقار الشعب اللبناني على مختلف مستويات فئاته الاجتماعية.

3 – استغل أصحاب رؤوس المال والمصارف اللبنانية السياسة الاقتصادية المعتمدة واستثمروا في حاجة الدولة إلى الإستدانة. اتاحت لهم تلك السياسة استرهان الاقتصاد والمالية العامة للدولة، وتوظيف السياسات المالية من أجل جني الأرباح بسرعة قياسية وبنسب تتجاوز كل المقاييس العالمية، سواء من الفوائد المرتفعة على سندات الخزينة حيث باتت المصارف اللبنانية المدين الرئيسي بنسبة 68% من الدين العام، أو عبر الهندسات المالية للمصرف المركزي. وإذا كان القطاع العقاري قد شهد موجات متصاعدة من النمو والتوسع وارتفاع الأسعار بالنظر إلى تحوله سوقاً رئيسية للمضاربة والاستثمارات المالية سواء من المصارف أو الشركات العقارية، وفرض إقرار القوانين والتشريعات التي تلبي مصالحها وتمكنها من جني الأرباح، بصرف النظر عن مضاعفاتها السلبية على الصعيد الاجتماعي، فان هذا القطاع بات أسير أزمة خطيرة تهدد بانهياره نتيجة الركود الذي فرض تراجعاً في الأسعار وولد عجزاً في سداد القروض، الأمر الذي دفع المصرف المركزي والطبقة السياسية إلى إقرار القوانين وإيجاد المخارج المالية لحماية أموال المصارف ومنع انهيار القطاع والحد من مضاعفات الأزمة وانعكاساتها السلبية على كافة القطاعات.

4 – إهمال  القطاعات الإنتاجية  وعدم توفير الحد الأدنى من الشروط التي تمكنها من النهوض، سواء على صعيد القروض أو تصريف الإنتاج أو على صعيد الحماية من المنافسة والتهريب.

5 – استسهال إغراق السوق الداخلي بالمنتوجات الخارجية الصناعية والزراعية، وغياب الحد الأدنى من إجراءات منع التهريب، أو الضوابط الرقابية على السلع المستوردة بما فيها المنتوجات الغذائية، رغم كل ما ولده ذلك من مخاطر على الصحة العامة والبيئة

6 – اعتماد سياسة فرض الضرائب، خصوصاً غير المباشرة منها للتخفيف من عجز الخزينة العامة. وتجنب فرض ضرائب تصاعدية على المداخيل الكبيرة أو المس بأرباح الرأسمالية المالية والعقارية الهائلة. وهي سياسة ترتبت عليها نتائج اجتماعية زادت من حدة فقر الغالبية الكبرى من المواطنين، وأدت إلى أزمات اجتماعية مستدامة.

   خامسا   النتائج الاجتماعية للسياسات الاقتصادية

ترتبت نتائج اجتماعية خطيرة من جراء السياسة الاقتصادية والمالية التي مارستها  الطبقة السياسية وملاحقها الرأسمالية، وما تزال آثارها تلقي بثقلها على المجتمع اللبناني بمختلف فئاته وطبقاته.

1 – تحت عنوان الإنقاذ الاقتصادي غير المستند إلى سياسة اجتماعية متوازنة، جرى تدفيع الطبقات والفئات الوسطى والفقيرة أعباء كلفة الحرب وما تلاها من الأزمة الاقتصادية. وتحملت هذه الفئات معظم كلفة الحلول المطروحة لمعالجة هذا الإنقاذ.

2 – تراجعت الأوضاع الاجتماعية لمعظم فئات الشعب، وتفاقمت الضائقة المعيشية، وانخفض مستوى المعيشة بشكل غير مسبوق منذ الاستقلال. ازداد معدل الفقر بشكل متسارع، وتفشت البطالة، وانخفضت القيمة الفعلية للأجور، وتقلصت القدرة على تأمين الحاجيات الضرورية التي بات المواطن يدفع كلفتها مضاعفة، وازداد معدل الهجرة خصوصاً بين الشباب المتخرج من الجامعاتناهيك بالضرائب المفروضة التي اعتمدتها الرأسمالية لتغطية كلفة سياساتها.

3 – إن أخطر ما ترتبه هذه السياسات الاجتماعية هو أنها تهدد بانفجار اجتماعي. صحيح أن النظام الطائفي استطاع حتى الآن تفخيخ كل حراك مطلبي ووأده في مهده، لكن التفلت من أسر هذه السياسات من خلال التحركات الجزئية في أكثر من قطاع بات أمراً واقعياً. وأصبحت الطبقة الحاكمة ورأسماليتها المتوحشة مكشوفة بشكل فاضح، من خلال  ممارساتها الميليشياوية وعجزها عن تغطيتها. الأمر الذي يضع البلد على حافة الانفجار تحت وطأة المخاطر والتراكمات السلبية

سادسا في مواجهة سياسات النظام الاقتصادية وحدودها

 استغلت الرأسمالية اللبنانية ما أتاحه لها نظام المحاصصة الطائفية من حماية لسياستها، بالنظر إلى حاجته لها. وإذا كان العقد الأول من تسعينيات القرن الماضي، شهد معارضة للسياسات الاقتصادية التي اعتمدت، وعرف البلد تحركات قادها الاتحاد العمالي العام وما تبقى من قوى ديمقراطية ويسارية، إلا أن رسوخ نظام المحاصصة وحاجة قوى الطوائف للهيمنة على الدولة ومؤسساتها، دفعها إلى خوض معركة إنهاء حركات الاعتراض  وإخضاع قواها النقابية للمحاصصة الإلحاقية بغية شل فاعليتها وتعطيل دورها.

وفي موازاة انحسار دور اليسار وانهماكه في أزماته الداخلية، كانت قوى الطبقة السياسية الطائفية تُغير على مواقع الحركة النقابية، التي أنهكتها الحرب الأهلية أيضاً، عبر تفريخ النقابات، والسعي لمحاصصة هيئاتها القيادية بما فيها الاتحاد العمالي العام، وتكريسها أدوات ملحقة بالقوى الطائفية وفي خدمة سياساتها ومصالحها. أدى ذلك وبشكل متدرج إلى تحول النقابات هياكل خاوية من المنضوين إليها.

أما منظمات المجتمع المدني التي حاولت أن تتبنى بعض القضايا المطلبية وتنزل بها إلى الشارع خلال السنوات الأخيرة، فقد بدا دورها محدوداً، وسرعان ما انكفأت بعد أن برزت أوهام بعضها في تغيير النظام، ناهيك عن استخدام معظمها من قبل أركان السلطة.

يبقى أن مأزق المعارضة لمضاعفات سياسات النظام  الطائفي وممارسات قواه ونتائجها السلبية على الصعيد الاجتماعي، يعود إلى غياب الحركة الشعبية المستقلة وعدم تجدد بُناها وأدواتها الملتزمة مصالح الفئات الشعبية المختلفة. كما وأن تذرر المجتمع تحت وطاة الإنقسامات الطائفية والأهلية يشكل قيداً ثقيلاً أمام ولادة حراك اجتماعي في مواجهة سياسات الطبقة الحاكمة التي يسهل توحدها دفاعاً عن مصالحها، رغم كل خلافاتها وصراعاتها.

سابعا  هل من سبيل لمعالجة معضلات الاقتصاد اللبناني؟

لعل الجواب البديهي حول أول شروط معالجة الاقتصاد اللبناني ينطلق من معضلة وجود الدولة وممارستها ودورها. والقول بوجود الدولة يعني أولاً التزام مؤسساتها موجبات الدستور وتنفيذ القوانين وعدم تجاوزها أو تعطيلها، وممارسة دورها الرقابي وضمان الاستقرار السياسي والأمني وغيرها. وعليه فإن  الإطار الذي تنضوي تحته الإصلاحات المطلوبة لمعالجة المعضلات الاقتصادية هي:

1 – إن الإصلاح السياسي للنظام السياسي، وإلغاء المحاصصة يشكلان المدخل الأساسي للإصلاح الاقتصادي. فهذا النظام يشكل العائق الأكبر أمام قيام دولة القانون والمؤسسات بديلاً عن دويلات الطوائف، وهو مصدر كل منوعات الفساد وفي مقدمها الفساد السياسي.

2 – إن السياسات الاقتصادية المعتمدة، معطوفة على الأزمات السياسية المتواصلة، أدت جميعها إلى استفحال المعضلات الاجتماعية في البلد لتشمل كافة الفئات، الأمر الذي يستدعي العمل على معالجتها عبر إصلاحات تحد من مضاعفاتها ومخاطر انفجارها، من خلال منع انهيار قطاعات الخدمات العامة والعمل على النهوض بها، ووضع سياسة اجتماعية تؤمن الحد الأدنى من متطلبات العيش الضرورية وتحمي الفئات الاجتماعية من مخاطر الصرف الكيفي والبطالة، وتضع حداً للاعتداء على المكتسبات المتحققة وفي مقدمها الضمان الإجتماعي وتوسيع الضمانات الصحية وغيرها من القضايا الأساسية.

3 – لا يقع في باب المستحيلات القبض على مفاصل معالجة المعضلات الاقتصادية في البلد. فالمطالب الأولية لم تعد لغزاً لدى المواطن العادي. فمعظم المقترحات تتركز على جملة عناوين أهمها: تشجيع الإنتاج الصناعي والزراعي وحمايته وزيادة الإستثمارات، إصلاح النظام الضريبي الحالي وإدخال تعديلات أساسية على ضريبة الدخل واتباع سياسة الضرائب التصاعدية على المداخيل، ترشيد الإنفاق الاستهلاكي في القطاع العام ورفع انتاجيته، مكافحة الفساد المالي والإداري ووقف الهدر ووضع حد لنهب موارد الدولة وتحميل المواطنين أعباء إضافية، بالإضافة إلى تحفيز النمو وإعادة التوازن إلى الدورة الاقتصادية، وضع رؤية تنموية شاملة ومتكاملة، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والحد من عجز الموازنة عبر رفع مستوى الجباية ومعالجة التهرب الضريبي الذي يفوق ثلاثة مليارات دولار سنوياً، وقف التوظيف التعاقدي، وضع حد للخصخصة العشوائية  في  قطاعات الكهرباء والخدمات العامة، إلى جانب تفعيل أجهزة الرقابة والإصلاح الإداري، وتشجيع الإستثمار في القطاعات المنتجة خاصة الصناعة والزراعة والمشاريع الإنمائية.

4 – لا تنفصل خطط الإصلاح الاقتصادي في شقها الداخلي، عن التطورات التي تضرب المنطقة العربية. لم يكن الاقتصاد اللبناني مكتفيا بسوقه الداخلية، بل كان الإطار العربي عاملاً مؤثراً في صعوده وازدهاره، كما في تراجعه وانحساره. لذلك فإن السياسة الخارجية للبلد وعلاقات لبنان مع الدول العربية تشكل عاملاً رئيسياً في معالجة المعضلات الاقتصادية. وعليه لا يمكن تجاهل الآثار السلبية للمواقف المغامرة والمتشنجة من بعض القوى المحلية ذات الإمتدادات الاقليمية نحو الأقطار العربية، والتي شكلت في السنوات الأخيرة، تهديداً للعمالة اللبنانية فيها والتي ساهم تراجع حجم تحويلاتها المالية  في تردي الوضع الاقتصادي.

5 – يصعب السير في الإصلاح الاقتصادي من دون وجود كتل شعبية ضاغطة من مواقع إنتاجية وقطاعية متعددة ومتنوعة. لم يكن ممكناً في ما سبق من عقود تحقيق مكتسبات اجتماعية وفرض إصلاحات اقتصادية من دون ضغط الحركة الشعبية والنقابات العمالية والمهنية والديمقراطية. إن البلد يفتقد راهناً إلى هذه الكتلة المؤثرة، وهو عامل يسهّل على الطبقة السياسية بما فيها ممثلو الرأسمالية معارضة أي إصلاحات تمس مصالحها.

 

خامساً   الإنتخابات النيابية

1 – الظرف السياسي الذي جرت الإنتخابات في ظله

 

جرت الإنتخابات النيابية في ظل مسار أزمة متمادية يعيشها النظام السياسي منذ إعادة تأسيسه استناداً إلى تطبيق إتفاق الطائف بشكل انتقائي على يد الوصاية السوريةوفي أعقاب سنوات من التعطيل وشل مؤسسات الحكم، وفي امتداد  وصول التسوية السياسية التي أتت بالحكم الحالي في خريف عام 2016 إلى مأزق كبير. كما جرت الإنتخابات في ظل وصول الفساد إلى ذرى غير مسبوقة، تبدأ من رأس السلطة وتمتد إلى قاع المجتمع، معطوفاً على صفقات تنهب الطبقة الحاكمة من خلالها الموارد المالية للدولة وثرواتها المحتملة. يضاف إلى ذلك، الخلل الفادح في السياسة الخارجية واتباع سياسة عربية تمس بالمصالح الوطنية اللبنانية، من خلال الصراع بين أهل الحكم على الإلتحاق بالمحاور الإقليمية، سواء المحور الإيراني أو المحور السعودي، والانخراط في صراعاتها المدمرة.

في المقابل، وفيما تستفحل أزمة النظام السياسي، تعيش المعارضة اللبنانية، بقواها الديمقراطية واليسارية، أزمة بنيوية عميقة، بحيث تنهض اليوم مسافة شاسعة تفصل اليسار عن قاعدته المفترضة، وتحول دون قدرته على تنكب قيادة المعارضة اللبنانية، بعد أن فقد زمام المبادرة السياسية. فيما  تعاني الجمعيات التي ترفع راية المجتمع المدني والأهلي، حالة من الهشاشة والتفكك وضعف القدرة على التأثير في مجريات الأحداث.

ورغم إدراك المنظمة لمجمل الظروف السلبية التي تحيط بالعملية الإنتخابية، فقد اعتبرت نفسها طرفاً سياسياً تمثل لها الإنتخابات مناسبة استثنائية للعمل السياسي، لذا كانت معنية بتحديد رأيها في مجمل العملية الإنتخابية.

2 –  قانون الإنتخاب في مفاعيله الإيجابية والسلبية

بعد عملية هروب متمادية من إقرار قانون جديد للإنتخابات، امتدت لأربع سنوات، أقر المجلس النيابي قانوناً للإنتخاب يستند إلى النسبية الكاملة ويعتمد تشكيل الدوائر في المحافظات والأقضية. ومنذ اليوم الأول لإقراره، ارتفعت أصوات التشكيك بإمكان تطبيقه، من قوى شاركت في صياغته وإقراره، والمطالبة بتعديله كشرط لإجراء الإنتخابات على أساسه.

 وإذا كان إقرار قانون الإنتخابات قد شكل خطوة إيجابية، فإن المنظمة ومن موقعها في المعارضة الديمقراطية، وبالنظر إلى أهمية قانون الإنتخاب، وفي سياق متابعة المناقشات حول القانون الجديد، استعادت جوهر المبادىء التي وردت في برنامج الحركة الوطنية للإصلاح السياسي وخصوصاً الجزء المتعلق بالتمثيل السياسي وقانون الإنتخابات، كما استحضرت مشروع لجنة فؤاد بطرس وما تضمنه من إقتراحات إصلاحية. وبنتيجة ذلك سجلت بشأن القانون ومفاعيله المحتملة سلباً وإيجاباً جملة من الملاحظات:

*  إن تقييم أي قانون انتخابي ينطلق من مدى تلبيته لتحقيق تمثيل شعبي حقيقي، ومن قدرته على المساهمة في إعادة توحيد البلد سياسياً بعدما عصفت فيه الإنقسامات الطائفية والمذهبية.

 * إن القانون الحالي أتى حصيلة مساومات وصفقات بين أركان الحكم، استهدفت إعادة إنتاج السلطة نفسها وتكريس الطاقم النيابي والسياسي المتسلّط على مقدرات البلد. لذا أتى القانون ليحفظ مصالح الكتل السياسية، وليعزز الإنقسام ضمن الطوائف، مع رجحان للتكتل الطائفي المتمثل بالتيار الوطني الحر والشيعية السياسية. ما يعني أن القانون في مضمونه الفعلي قانون أكثري من شأنه أن يعيد إنتاج موازين القوى بين مكونات أهل الحكم.

*  يحمل القانون في صلبه مواداً تلغي مفعول النسبية التي يقول بها. فقد أتى ببدعة الصوت التفضيلي على أساس القضاء بهدف تكريس الإنقسام الطائفي، وضمان فوز بعض مرشحي التيارات الطائفية، وفرض تبعية مرشحي اللائحة لسطوة ممثل الطائفة الفعلي فيها. كما كرس القانون المحاصصة  والقيد الطائفي  أساساً  لتشكيل مجلس النواب والعضوية فيه.

* افتقد القانون إلى إصلاحات حقيقية على صعيد التمثيل الشعبي، ولم يأخذ باقتراحات سبق للجنة التي شكلت عام 2005 برئاسة الوزير فؤاد بطرس أن اقترحتها.

* جرى تقسيم الدوائر الإنتخابية بما يتوافق مع أوزان الطبقة الحاكمة واحتمالات التحالفات المستجدة بين أركان الحكم وبين الكتل الطائفية من أجل فرض تشكيل لوائح موحدة، وتعطيل إمكانية تشكل تكتلات معارضة وتشكيل لوائح  في مواجهة المحادل الطائفية.

3 –  بين المشاركة في الإنتخابات أو مقاطعتها

انطلق موقف المنظمة من اعتبار الإنتخابات محطة تأسيسية في مسار الأزمة السياسية التي تعصف بالنظام اللبناني، وهي محطة تأسيسية ستؤدي إلى إعادة تشكيل مؤسسات السلطة من جديد. وإذا كانت المنظمة على الدوام  في موقع الإعتراض على أي تأجيل للانتخابات النيابية أو البلدية، فإن الموقف منها أتى ليؤكد على أهمية المشاركة فيها بما تملك من إمكانات، سواء كان الأمر ترشيحاً أو اقتراعاً أو تأييداً لقوى ديمقراطية أو مدنية. كما رأت المنظمة أن الإنتخابات النيابية مناسبة استنهاضية لقواها أولا، ولوجهة نظرها في إعادة تجديد موقع ودور اليسار وتكتيل القوى الديمقراطية. لذا وجدت المنظمة نفسها معنية بالدعوة إلى المشاركة فيها والإفادة من المناسبة للعمل من أجل إحداث التغيير الممكن في موازين القوى السائدة.

* لقد شاركت المنظمة في الإنتخابات من موقعها المستقل عن قوى السلطة السياسية والطائفية السائدة، استناداً إلى موقفها المعارض للنظام السياسي القائم ولقواه المتحكمة فيه، باعتبار أنها من أصحاب الحقوق في التمثيل الديمقراطي في البلد.

* تأكيداً لأولويات المنظمة السياسية حول إعادة تجديد اليسار واستنهاض قواه، وانطلاقاً من رؤيتها إلى حاجة البلد في إعادة بناء حركة ديمقراطية، رأت في محطة الإنتخابات النيابية مناسبة لتزخيم طرح هذا الشعار، واعتبرت المشاركة في الإنتخابات، ترشيحاً واقتراعاً، مدخلاً  مناسباً للعمل على بناء الحركة الشعبية وقاعدتها الاجتماعية، للمساهمة في إنقاذ المستقبل السياسي للبلد.

 

4 –  المنظمة في قلب الإنتخابات: تقويم هذه الممارسة والعلاقات مع الحلفاء

فور تحديد ونشر جدول مواعيد محطات استحقاق الإنتخابات، أصدرت قيادة المنظمة بياناً سياسياً حمل رأيها في مضمون القانون وسلبياته، وتشخيص الطبقة السياسية له، وحدد نظرتها لأهمية استحقاق الإنتخابات وموقعها وطنياً وديمقراطياً وحزبياً، خاصة على صعيد استنهاض القوى الديمقراطية وقوى اليسار. وخلص بيان المنظمة إلى تحديد وجهة ممارستها التي تتلخص بخوض الإنتخابات من موقع الإستقلالية، على قاعدة رفض اللقاء أو التحالف مع قوى السلطة والقوى الطائفية أو مع القوى التي تواليها، بما فيها بعض الهيئات العاملة تحت راية المجتمع المدني التي تحيط بها شبهتا الفساد أو الارتباط بالسلطة.

تزامن صدور بيان المنظمة مع صدور بيان الحزب الشيوعي الذي حدد المنطلقات نفسها لبيان المنظمة لجهة التعاطي مع الإنتخابات. أتاح توافق الطرفين على تشكيل تحالف لخوض الإنتخابات وفق التوجهات السياسية الصادرة عنهما.

 كانت المنظمة واضحة في خوض المعركة الإنتخابية والتعبير عن مواقفها السياسية وبصراحة كاملة، فيما غلب على الحزب نهج التفرد والمسلك الفئوي في ظل وهم جهوزية قوى الإعتراض للاستجابة لمبادرته والتحلق حوله والتسليم بقيادته. في وقت ظهر بوضوح حجم الخلافات والتعارضات داخل صفوفه، حول وجهة التعامل مع الإنتخابات وصيغة التحالفات. وهو ما انعكس سلباً على مسار التحضير للإنتخابات، حيث ساد التعثر والإرتباك في ظل غياب التنسيق بين الطرفين سواء لجهة تسمية المرشحين أو تنظيم الإتصال بالقوى الأخرى وإدارة العلاقات مع المرشحين والحملة الإنتخابية

لقد انخرط كافة رفاق المنظمة بكفاءة عالية ومتميزة، في شرح مواقفها من النظام السياسي ومن الطبقة الحاكمة، كما في الدعوة لاستنهاض القوى الديمقراطية، إلى جانب المساهمة في تنظيم الأطر الديمقراطية الحاضنة والمؤيدة لوجهة خوض الإنتخابات من موقع ديمقراطي مستقل، والمساهمة في خوض السجال دفاعاً عن هذه الوجهة بغية حمايتها ضد محاولات الارتداد عنها أو الخروج عليها. يمكن القول إن الهدف الذي توخيناه من المشاركة في الإنتخابات حقق أغراضه الحزبية بنسبة جيدة. فقد كرست المنظمة عودتها إلى ميدان الممارسة السياسية والشعبية بشكل نسبي، وأعادت جلاء موقعها الديمقراطي المستقل، وهو ما عكسته الاستجابة للسهرات والندوات واللقاءات التي نظمها رفاق المنظمة أو التي شاركت فيها.

5 – حول نتائج الإنتخابات

 لا تُقرأ نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، إلا في ضوء مقدماتها وأهداف القوى المشاركة فيها. فالطبقة الحاكمة أمكن لها إنجاز كافة أهدافها، بدءاً من تأكيد سيطرتها  وتنظيم صفوفها وتحديد أحجام قواها، بصرف النظر عن التعديلات المحدودة على توازنات القوى. وإذا كانت نتائج الإنتخابات قد أكدت صواب ملاحظات المنظمة حول القانون ومفاعيله السلبية ،فإنها إيضاً أعادت انتاج طبقة سياسية تكاد تكون نسخة مطابقة لما أنتجته الانتخابات السابقة.

 

 لم تفتح الإنتخابات الأفق أمام إمكانية تجاوز النظام السياسي الطائفي لأزماته فحسب، بل أتت لتعمق تلك الأزمات خاصة أزمة التسوية السياسية، في ظل انفجار صراعات المحاصصة الطائفية على مصراعيها واحتدام الإنقسام بين قواها حول موقع لبنان ومدى ارتباطه بأزمات المنطقة المحيطة وعلاقاته بمحاور الصراع الاقليمي.

لقد كشفت الإنتخابات ونتائجها واقع الهيئات والجمعيات التي شاركت فيها تحت راية المجتمع المدني، هشاشة هذه القوى ومحدودية الهيئات الفاعلة منها، وبيّنت ضعف بنيتها وحدود موقعها، وتعدد ارتباطات بعضها ومصادر تمويلها.

أما قوى اليسار والمعارضة الديمقراطية الموروثة فقد كشف مسار الإنخراط في الإنتخابات ونتائجها، حجم الأزمة المتحكمة بها وصعوبات الخروج منها وتجاوزها، بالإضافة إلى تضاؤل فاعلية قوى اليسار سواء الطرف الذي انكفأ طويلاً،  أو الطرف المسكون بوهم الحصول على موقع ما في السلطة  واستمرار الرهان على  بعض قواها الطائفية.

مما لا شك فيه أن نتائج الإنتخابات والمحصلة المحدودة التي نجمت عن خوضها، لا تشكل طعناً في صحة الخيار السياسي الذي استندت المنظمة إليه، لكنها عادت تسلط الضوء على أزمة اليسار والتيار الديمقراطي في البلد. ما يجعل مهمة إعادة استنهاض هذا التيار مهمة مركزية ويضع المنظمة أمام تحديات القدرة على إطلاق المبادرات حولها، كما يحمل كافة  القوى التي تصنف نفسها في خانة اليسار والقوى الديمقراطية مسؤولية الإضطلاع بهذا الدور.

 

 

سادساً   المسـألة السـورية

تقديـم

شكل الإنقلاب على حكم حزب البعث، الذي قاده حافظ الأسد خريف 1970 ومنذ استلامه السلطة، بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا الحديثة. أقام الأسد نظاماً استبدادياً دكتاتورياً حكم سوريا  طيلة ثلاثة عقود. ووطد حكمه  من خلال هيمنة طائفية  أقلوية، وعبر استغلال الأزمات والصراعات الداخلية في الكيانات  المحيطة، والتدخل فيها  في إطار سعيه لتوسيع دائرة نفوذه.

كان نظام الأسد، مغلقاً وقمعياً إلى أقصى الحدود، ومنذ استلام السلطة عمد إلى إفناء الحياة السياسية، عبر ممارسة كل أشكال التنكيل والتصفية لإبعاد شركائه في السلطة وإقصاء منافسيه المحتملين والإجهاز على خصومه من التيارات القومية والإسلامية واليسارية، وتطويع الأحزاب الموجودة وإلحاقها بسلطته. مع وراثة الإبن لرئاسة النظام، سريعاً تبدد وهم الإنفتاح على الإصلاح السياسي بفعل استئناف سياسة القمع  والاعتقال والإبعاد للمعترضين على حكمه وسياساته.

 وفق هذه الممارسات استقبل النظام الإحتجاجات العفوية التي تحولت انتفاضة شعبية عارمة في ربيع عام 2011، وسعى منذ بداياتها إلى وأدها أو تحويلها حرباً أهلية تدميرية للكيان والمجتمع السوري، وجعل سوريا مسرحاً للخراب وملعباً للقوى الدولية والاقليمية وحروبها البديلة.

1 –  في أسباب اندلاع الانتفاضة السورية

في قرارات المؤتمر العام الثالث للمنظمة في العام 2012، جرى وصف الوضع السوري والمآل الذي وصل اليه بالقول: “بلوغ معركة الدفاع التدميري التي يخوضها النظام السوري ضد شعبه وأرضه ومقومات بلده ذروة الحرب الأهلية التي يمكن القول بموضوعية كاملة أنه لا سابق لها ولا شبيه في تاريخ المنطقة المشرقية كلها والعالم بأسره. وهو أمر يجعل الانقسام والتقسيم والفوضى الكيانية الزاحفة على سوريا نتائج مؤكدة لمجريات هذه الحرب التي تدور اليوم على أرضها“. هذه الخلاصة التي قالت بها المنظمة عند بدايات الحرب الأهلية السورية المستمرة، تجد ترجمتها اليوم بصورة أكثر وضوحاً وخطورة في ما فعله النظام وأصاب الكيان والشعب السوري.

2 –  كيف قرأت المنظمة الانتفاضة السورية منذ اندلاعها

لم تكن الانتفاضة مؤامرة خارجية، استعمارية أو صهيونية. بل كانت حصيلة تراكمات امتدت عقوداً من سلطة نظام استبدادي، شكل قيداً غليظاً أسر سوريا كياناً ومجتمعاً خارج مسار التطور الاقتصادي والتقدم الإجتماعي.

منذ الأسابيع الأولى لانطلاق التظاهرات في سوريا، قرأت المنظمة الحدث بوصفه بداية حرب أهلية، ستكون لها نتائج خطيرة ستصيب الكيان  والمجتمع السوريين. كانت التظاهرات تؤشر بما لا يقبل الشك إلى وصول النظام إلى ذروة أزمته الداخلية في علاقته بشعبه ومجتمعه. فنمط الديكتاتورية الموروثة التي تابعها بشار الأسد، كانت ترى أن مصدر حصانة النظام وحمايته تكمن في رفض تقديم أية تنازلات يمكن أن  تحدث تغييراً في تركيبتة أو أن تشكل مساً بطبيعته الإستبدادية.

3 –  التحولات في الانتفاضة: من التظاهرات السلمية إلى العسكرة

في الأشهر الستة الأولى من الانتفاضة، تصاعدت مشاركة فئات واسعة من الشعب السوري في تظاهرات حاشدة طالت مختلف المدن والمناطق. كانت الشعارات السياسية واضحة لا لبس فيها، من الشعب يريد إسقاط النظام، إلى إرحل إرحل يا بشار، إلى سلمية سلمية، واحد واحد الشعب السوري واحد، التي ظللها جميعاً مطلب الخبز والحرية. كان حجم التظاهرات أبلغ دليل على رفض المجتمع السوري ورده على حالة الإختناق التي أصابته طوال عقود. تعاطى النظام مع التظاهرات باستخفاف واحتقار، ورفض اعتبار المطالب ذات مشروعية، وقدمها على أنها مؤامرة تستهدف إسقاطه ووضع حد للمعركة القومية التي يخوضها ضد إسرائيل وأميركا والامبريالية.

تدرج النظام في التصدي للتظاهرات، من مطاردة المتظاهرين  واعتقالهم، إلى إطلاق الرصاص عليهم. وتباعاً كان القتل يزداد بشكل متسارع، بهدف استدراج  المتظاهرين  والمعترضين  للدفاع عن تحركاتهم السلمية بالسلاح والرد على استهداف قوى النظام لهم. وفي التدقيق فإن النظام يتحمل المسؤولية الأولى عن عسكرة الانتفاضة وتحولها عن طابعها السلمي، لأنه سعى لتحقيق هذا التحول لتغطية ممارساته  وإكسابها الشرعية داخلياً وخارجياً في كونه يتصدى للإرهاب. أما قوى المعارضة، التي كانت في موقع ردة الفعل،  فإنها تتحمل أيضاً قسطاً من مسؤولية وصول الانتفاضة إلى مأزق الحرب الأهلية المسلّحة، في ظل ميزان قوى مختل أصلاً لغير صالحها. هكذا، وبعد أشهر قليلة على بداية الانتفاضة، لم تعد الحرب الأهلية احتمالاً، كما توقعت المنظمة، بل باتت واقعاً قائماً بأبشع مظاهرها، سواء ما كان منها على يد النظام وجيشه، أو على يد التنظيمات المسلحة التي نبتت وانتشرت بالمئات في مختلف مناطق سوريا، التي باتت مشرعة بالكامل أمام شتى الأصوليات وتدخلات القوى الاقليمية والدولية، ومشاركتها وفق أجنداتها الخاصة في حرب تدميرية مفتوحة على كافة المخاطر والأسئلة حول مستقبل سوريا

4 –  التدخلات الاقليمية والدولية: المعركة ضد الإرهاب

لم تمض سنة على الانتفاضة السلمية حتى تحولت سوريا إلى ساحة حروب بديلة، ومسرحاً للتنظيمات الأصولية المذهبية المسلحة المرعية والممولة من مختلف الجهات المتدخلة. وكان من نتائج ذلك انكشاف ضعف قوى المعارضة ومحدودية دورها وفعلها في مسار الحرب المندلعة، وعجزها عن تشكيل غطاء للقوى والتشكيلات المنخرطة فيها، وتحولها مطية للقوى الخارجية وتدخلاتها. لم يكتف النظام بزج جيشه وكل ما يملك من قوى وأسلحة وعتاد في آتون المعركة ضد الانتفاضة، بل عمد إلى إطلاق المعتقلين من التنظيمات الأصولية والمشبوهين من السجون وسهّل لهم تشكيل مجموعات مسلحة والإلتحاق بتنظيمات المعارضة ومناطق تواجدها لتنافسها وتتصارع معها على النفوذ والسيطرة. في المقابل، استعان بالنظام الإيراني الذي وجد في الأزمة السورية ميداناً فسيحاً لتحقيق استراتيجيته وتوسيع نفوذه الإقليمي، فأسرع لنجدة النظام السوري وقواته عبر مشاركة مستشارين ومجموعات من الحرس الثوري، بالإضافة إلى حشد من الميليشيات المتعددة  التابعة له  بشكل مباشر في سير العمليات الحربيةحيث برز دور حزب الله اللبناني بأعداد كبيرة في القتال، تحت غطاء من الشعارات المذهبية لحماية المقامات الشيعية ثم للدفاع عن النظام. في المقابل، عمدت تركيا بدورها إلى تسهيل إرسال مقاتلين، ومعها كل من قطر والسعودية والإمارات، التي شاركت في تمويل وتسليح ورعاية التنظيمات الأصولية التي تدور في فلك سياساتها ودوائر نفوذها.

كان اللافت في تلك المرحلة ازدياد عدد التنظيمات المسلحة الأصولية، من داعش إلى جبهة النصرة إلى تشكيلات لا حصر لها. كان واضحا تشابك الولاءات السياسية والأمنية  للمجموعات المتصارعة للسيطرة على المناطق مع أجهزة النظام والقوى الخارجية المتدخلة في الحرب الدائرة. وبات عنوان الحرب على الإرهاب هو الطاغي. اختلط الحابل بالنابل بشأن اصطفافات القوى وأدوارها، في ظل تدخل روسي واسع عسكرياً وسياسياً لنجدة النظام المهدد بالإنهيار جراء فشل إيران والميليشيات التابعة لها في حمايته. علماً أنه ومنذ بداية الأزمة السورية، اتخذت الولايات المتحدة الأميركية من المسألة الكردية مبرراً للتدخل المباشر بحجة حماية الأكراد وتأمين التدريب والتسليح لهم. وصولاً إلى القيادة المباشرة لتحالف دولي تركي خليجي تحت راية مكافحة الإرهاب الأصولي وإستباحة الساحة السورية بكل أشكال التدخل. استفاد النظام السوري من طغيان شعار الحرب على الإرهاب، ومن تناقضات وتعارضات القوى المشاركة في الحرب الدائرة،  لكنه تحول أداة لتغطية مصالح القوى الحامية له.

5 –  معضلة المعارضة الموضوعية منها والذاتية

انطلقت الانتفاضة السورية بحراك عفوي،  ورغم زخم التحركات الشعبية  في الأشهر الأولى، فقد كان مصدر ضعفها افتقادها للقيادة السياسية. ومع تصاعد التظاهرات وامتدادها إلى غالبية المدن والمناطق، بدأت تبرز في الداخل والخارج عناصر قيادية تسعى لتنظيم التحركات وتأطيرها  وتحديد أهدافها ومحاولة الإرتقاء بالتعبير السياسي باسمها. غير أنها في الواقع  فشلت في التحول قيادة موحدة وفعلية للانتفاضة، وانتهت شراذم ملحقة بالأطراف الدولية والاقليمية المتدخلة في الأزمة السورية، حالها من حال التنظيمات المسلحة،  لأسباب موضوعية وذاتية.

في الأسباب الموضوعية، لقد انطلقت الانتفاضة في ظل شبه انعدام سياسي لقوى الإعتراض، التي طالتها التصفية والإبادة على يد النظام، الذي جعل البلد خاليا من أي نشاط سياسي  معارض  بشكل علني. فالتنظيمات الديمقراطية واليسارية  المعارضة، سرية وهامشية وهي عرضة لكل أشكال الملاحقة والتنكيل. أما تنظيم الإخوان المسلمين الذي خاصم النظام فكان نصيبه من القمع العاري كبيراً، الأمر الذي جعله مشتتاً بين الداخل والخارج هرباً من المطاردة والاعتقال، في وقت سلمت أحزاب المعارضة التاريخية أوراقها مبكراً وتحولت ملاحق يستعملها النظام لتغطية سياساته وممارساته الإستبدادية مقابل  بعض المواقع الشكلية.

وفي الأسباب الذاتية، فإن  قيادة المعارضة التي ارتجلت على عجل،  افتقرت إلى الخبرة السياسية، مما حال دون نجاحها في التشكل قيادة موحدة للانتفاضة، قادرة على تنظيم تحركاتها والتنسيق مع التنظيمات المسلحة وصياغة برنامج موحد لها، وهو أمر بدا غير ممكن بالنظر لعدم استقلالية قواها وتعدد ولاءاتها وارتباطاتها بالجهات الداعمة والممولة لها. وهذا ما أكدته المؤتمرات المتعددة الرايات والمنصات التي انعقدت برعاية القوى الدولية والاقليمية المشاركة والمتدخلة في الحرب السورية، وقد تحولت مصدراً للتشكيك في جدارتها لاستلام السلطة أو المشاركة في أية تسوية مستقبلية.

6 –  الأزمة السورية بعد سنوات الحرب الأهلية

بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الحرب الأهلية السورية، تبدو سوريا الجديدة من دون صلة بما كانت عليه سابقاً وعلى مختلف الصعد. لقد فقدت سوريا قرابة نصف مليون مواطن من أبنائها، وسقط أكثر من مليوني جريح ومعوق، ونزح ولجأ ما يقارب نصف عدد سكانها، توزعوا بين الداخل السوري  والدول المجاورة، كما شُرّد  قسم كبير منهم بين دول أوروبا وأميركا. أما عمليات الفرز الطائفي والمذهبي القسرية وإجبار الأهالي على مغادرة مناطقهم، من قبل الميليشيات الداعمة للنظام والمتصارعة معه، فقد أوجد مناطق صفاء طائفي، وكأنه تمهيد لقيام دويلات طائفية في سوريا. لقد أدت الحرب إلى تفكك النسيج الاجتماعي للشعب السوري، بما يوحي بصعوبة استعادته في ما هو قادم من سنوات. وإذا كان حجم الدمار الذي أصاب العمران السوري القائم والموروث هائلاً، وغير قابل للتعويض، فإن ما أصاب الاقتصاد أيضاً وضعه في دائرة الانهيار.

إن سوريا اليوم ساحة لحروب متعددة يتداخل فيها الدولي الأميركي والروسي والأوروبي، مع الإقليمي الإيراني والتركي والإسرائيلي والخليجي. تدير هذه القوى حروبها البديلة على الأرض السورية لتقاسم النفوذ والسيطرة والمصالح، تحت رايات متعددة لا صلة لها بالمصالح الوطنية للشعب السوري  الذي يُستخدم وقوداً لها وأدوات فيها، بما فيه النظام والجيش والتنظيمات المسلحة من أجل  تغطية الأهداف الفعلية  لتلك القوى، بحيث يستحيل حل المسألة السورية من دون دور لها.

 

 

7 –  احتمالات التسوية للأزمة السورية ومعضلاتها

إذا كان قرار استمرار الحرب الدائرة في سوريا أو وقفها، قد أصبح في عهدة  الدول المتحاربة فيها  وعليها، فإنها هي أيضاً من يملك أوراق التسوية السياسية. النظام السوري يتحمل المسؤولية الرئيسة عما آل اليه وضع سوريا وقد تحولت كياناً ممزقاً بين مناطق نفوذ للدول المتمركزة على أرضها، وبين تقسيم أصبح خياراً قائماً بالنظر للمراحل التي بلغها  الفرز الطائفي والمذهبي، وفي ضوء تفكك بُنى المجتمع السوري وما أصابه من قتل ودمار وتهجير وتشريد.لكن كافة قوى المعارضةالتي وقعت في فخ سياسات النظام الذي نجح في استدراجها لاستخدام السلاح ومشاركته سياساته التدميرية، هي أيضاً تتحمل قسطاً من المسؤولية، خاصة أن ممارسات تنظيماتها المسلحة الأصولية والمرتهنة للخارج، لم تكن أقل وحشية أو تدميراً من قوى النظام وحلفائه. وإذا كان ذلك كله يجعل كلا الطرفين، النظام وخصومه من التنظيمات المسلحة غير مؤهلين لقيادة سوريا نحو تسوية  توقف الحرب وتضع سوريا على طريق الحد الأدنى من الاستقرار الأهلي، فإن استمرار الحرب هو أيضاً أسوأ الخيارت المفروضة على السوريين. مما يعني أن وقف الحرب التدميرية وبقاء سوريا موحدة بالحد الأدني هو أقل الحلول سوءاً بصرف النظر عن اسم الحاكم أو شركائه في السلطة. علماً أن قرار وقف الحرب لن يصدر قبل أن تنتهي مبرراتها الخارجية وحاجة القوى الدولية والاقليمية لها ومعها صيغة التسوية الممكنة. وبالنظر لعدم  تشكل قوى ضاغطة لوقف الحرب فإن ذلك يعني أن  موعد ذلك القرار ما زال في خانة المجهول.

8 –  الأزمة السورية وانعكاساتها على الساحة اللبنانية

 مما لا شك فيه أن  تداعيات الحرب السورية كانت فادحة على المنطقة العربية ككل. وإذا كانت محاولات التدخل العربي لحل المسألة السورية عديمة الفاعلية منذ البداية، فان مشاركة بعض الدول مثل السعودية وقطر والإمارات في مجريات الحرب القائمة، اقتصرت على تمويل ودعم التنظيمات المسلحة الأصولية والمتصارعة، والتنافس على شراء ولاءات تشكيلات المعارضة الخارجية واستعمالها لتغطية التحاقها بالمحاور الدولية والاقليمية.

 أما تداعيات الأزمة السورية على لبنان فقد كانت ولا تزال بالغة السلبية.

أول التداعيات كان الإنقسام اللبناني بين المؤيدين للنظام والمدافعين عنه والمراهنين على انتصاره، وبين مؤيدي الانتفاضة والمراهنين على فوزها. لم تكن مبررات الإنقسام عصية على الفهم بالنظر لصلتها العميقة بسياسات النظام السوري وتدخلاته في لبنان ووصايته عليه وإدارة الصراعات فيه على امتداد عقود طويلة.

لم يقتصر الأمر على الانقسام السياسي بل اتخذ أشكالاً من التدخل المباشر لتيار المستقبل وحلفائه، في مراحل أولى، سواء في التأييد العلني لتنظيمات المعارضة أو في تأمين الدعم لها. لكن أخطر التدخلات تمثلت في انخراط حزب الله وبعض التنظيمات في القتال المباشر إلى جانب النظام، إضافة إلى مجموعات أصولية قاتلت ضده. ومع تزايد موجات النزوح السوري إلى مختلف المناطق اللبنانية، برزت حدة الانقسامات حول كيفية التعامل مع النازحين وترافقت مع سلسلة من الأحداث والانفجارات الأمنية التي اتخذت طابعاً مذهبياً وكادت تودي بالاستقرار الأهلي الهش وتهدد بانتقال النيران إلى لبنان، خاصة في ظل انتشار السلاح واتساع موجة العداء في أوساط النازحين مع تصاعد المشاركه العسكرية لحزب الله. أدى ذلك إلى تشكل بؤر توتر مسلحة للنازحين، خاصة في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا.

 من المؤكد أن النزوح السوري الضخم إلى لبنان، والذي قارب حدود ثلث سكانه، شكل عبئاً كبيراً على مختلف الصعد، الاقتصادية والأمنية والبيئية والاجتماعية، تحمل لبنان العبء الأكبر من كلفته. وشكل مصدراً للتوتر الاجتماعي، خصوصاً مع تحول اليد العاملة السورية إلى قوة منافسة لليد العاملة اللبنانية في أكثر من قطاع.

من التداعيات المستمرة، للحرب السورية، استمرار التدخل العسكري فيها من قبل حزب الله بذريعة محاربة الإرهاب، ومحاولاته الدؤوبة لتوظيف هذه المشاركة من أجل فرض ربط لبنان بالمحور الإيراني السوري، الأمر الذي يتعارض مع مصلحتة الوطنية ويخالف سياسة النأي بلبنان عن صراعات المنطقة ومحاورها، عبر جعله ساحة صراع ومواجهة مع المحور السعودي الأميركي.

وفي ظل المخاطر الكبرى التي تحيط بمستقبل ووحدة الكيان والشعب السوري، ووسط تصدع  العديد من الكيانات العربية، وأمام انعدام الأهلية اللبنانية اللازمة التي تقي لبنان من  المخاطر، وتبقيه عصياً على التقسيم والتقاسم، في لحظة تتصاعد فيها حدة الصراعات الطائفية والمذهبية وتتجدد مشاريع الهيمنة في صيغة كيانات شبه مستقلة، يتفاقم انكشاف الكيان والمجتمع اللبنانيين على الخارج وأزماته المتفجرة خاصة السوري منها. مما يعني بقاء البلد في دائرة المخاطر، خاصة أن الطبقة الحاكمة أكدت بالملموس انعدام صلتها بالمصلحة الوطنية اللبنانية وعجزها عن تأمين الحد الأدنى من الحماية لها، الأمر الذي يضاعف مسؤولية الوطنيين عن اجتراح وتأسيس مسار مغالبة متنامٍ لإنقاذ البلد وإبقائه على خارطة دول المنطقة.

سابعاً   القضية الفلسطينية

تقديـم

مثلت القضية الفلسطينية، ولا تزال، أهم القضايا المركزية في العالم العربي. هي قضية عربية في مواجهة المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يشكل رأس حربة للهيمنة الإستعمارية على المنطقة ومقدراتها وموقعها الاستراتيجي. وهي قضية الشعب الفلسطيني الوطنية في المقام الأول، بالنظر إلى كونه ضحية المشروع الصهيوني، اقتلاعاً من أرضه المصادرة، وتهجيراً له من وطنه الرازح تحت وطأة الاستيطان والاحتلال.

لقد مرت القضية الفلسطينية بمحطات متعددة منذ هزيمة العام 1948 وقيام دولة إسرائيل. من محاولة طمس القضية ومعها الشخصية الوطنية الفلسطينية، بسعي إسرائيلي وتواطؤ دولي، وعجز عربي، إلى إطلاقه الكفاح المسلح في العام 1965 واصطدامه بالأنظمة العربية، وصولاً إلى عمليات التصفية المسلحة للمقاومة الفلسطينية. لقد تجاوزت القضية الفلسطينية الكثير من الصعوبات والتحديات السياسية والأمنية على المستوى الدولي والعربي على حد سواء، قدم خلالها الشعب الفلسطيني التضحيات الجسام، التي مكنت منظمة التحرير والسلطة الوطنية من دق باب الحصول على اعتراف العالم بها دولة تحت الاحتلال الصهيوني.

إن أبرز ما حققه الشعب الفلسطيني خلال مسيرته النضالية، كان بعث شخصيته الوطنية، وفرض ذلك أمراً واقعاً أجبر دول العالم على الإعتراف بشرعية مطالب هذا الشعب وحقه في إقامة دولة مستقلة على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وهو ما يعرف، اليوم بحل الدولتين.

1 – ثوابت المنظمة في قراءتها للقضية الفلسطينية والصراع العربي  الإسرائيلي

التزمت المنظمة منذ نشأتها قضية الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل تحرير أرضه وتحقيق قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ورأت أن الكيان الإسرائيلي الذي زُرع في المنطقة العربية، في إطار خطة السيطرة الاستعمارية عليها، يشكل عدواناً على حقوق الشعوب العربية في تقرير مصيرها القومي وتحررها الإجتماعي، ونقيضاً لحق الشعب الفلسطيني في إقامة كيانه الوطني على أرضه، كما وأنه لا يشكل حلاً تاريخيا للمسألة اليهودية التي يدعي أنه تأسس من أجل إيجاد حل لها.  

التزمت المنظمة خيارات الشعب الفلسطيني عندما كان الكفاح المسلح ميدان فعله الرئيسي، وذلك من خلال الانخراط مع المقاومة الفلسطينية سياسيا وميدانياكما احترمت خيار القيادة الفلسطينية الوطنية عندما انخرطت في مسار سلمي خصوصاً بعد مفاوضات مدريد وما نتج عنها من اتفاقات أوسلو، من دون أن تكون للمنظمة أوهام بأن هذا الإتفاق سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. فأحد الثوابت لدى المنظمة أن هذا المشروع الصهيويني الاستيطاني يتناقض وجوده مع قيام دولة فلسطينية في الحد الأدنى المطلوب، طالما أنه لم يتعرض للإنكسار من داخله ومن بقائه محاصراً في محيطه العربي والدولي.

على رغم أن المنظمة أيدت ولا تزال القرار الوطني المستقل للشعب الفلسطيني، واعتبرته أحد الإنجازات الأساسية في بلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية، إلا أنها ما تزال ترى أن القضية الفلسطينية، بمقدار ما هي أولاً وأساساً قضية تحرير وطني تخص الشعب الفلسطيني، فإنها في الوقت عينه قضية تحرير قومي تتصل بالأمة العربية ومصيرها. يعني ذلك أن الكيان الفلسطيني لا يتبلور إلا إذا حسم في كونه كياناً وطنياً عربياً.

ترى المنظمة أن القضية الفلسطينية تعاني اليوم من انحسار كبير في التأييد العربي لها، في أعقاب مسار طويل من تدخلات الأنظمة العربية لمصادرة النطق بإسمها وإلحاق مقاومة شعبها وشرذمتها بغية تكريس انقساماتها، لتحميله مسؤولية ما آلت إليه قضيته. ولعل استمرار هذه الإنقسامات وما يتبعها من تدخلات عربية واقليمية، تشكل الخطر الأكبر على وحدة الشعب الفلسطيني وقضيته. لذلك تشدد المنظمة اليوم على الوحدة الوطنية الفلسطينية بوصفها الضامن الأساس لبقاء القضية حيّه وحمايتها من التلاعب أو التصفية.

2 –  الثوابت الفلسطينية في الصراع العربي الإسرائيلي

إن التمسك بمطلب الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس، إضافة إلى رفض وجود المستوطنات الإسرائيلية في تلك المناطق، وترسيم الحدود بين الدولتين، وتثبيت حقوق الفلسطينيين في السيادة على سمائهم، وكل ما يتعلق بالأرض والمياه والحدود والسيادة والقدس وحق اللاجئين في العودة وإزالة المستوطنات، كانت ولا تزال من الثوابت الفلسطينية.

ومن الثوابت الفلسطينية التمسك بالمؤسسات الشرعية التي أنتجها نضال الشعب الفلسطيني وخصوصاً منظمة التحرير الفلسطينية، واعتبار الشعب الفلسطيني شعباً واحداً، سواء من كان منه مقيماً على أرضه، أو في الشتات. فالوحدة الوطنية الفلسطينية تبقى السلاح الأساسي والأهم لضمان الصمود الفلسطيني في وجه المخططات الإسرائيلية لتصفية القضية.

3 –  ثوابت السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية

يمكن اختصار الثوابت الإسرائيلية برفض إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه في شتى المجالات. ترفض إسرائيل الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ولو كانت محدودة السيادة. كما ترفض الإعتراف بسائر الحقوق المتعلقة بالحدود والمياه وعودة اللاجئين إلى أرضهم، وتصر على الاحتفاظ بالقدس موحدة عاصمة لكيانها، وبقاء المستوطنات في محيطها، وعلى أراضي الضفة الغربية، وفرضها كأمر واقع  لتوسيع هيمنتها وتكريس سيطرتها على الأرض والجو وعلى المنافذ البرية والبحرية والجوية. إنها باختصار تريد استسلاماً كاملا من القيادة الفلسطينية مقابل حكم ذاتي  محدود وشكلي  لا يحقق الحد الأدنى من المطالب  والحقوق الفلسطينية.

وعليه يمكن القول إن المشروع الإسرائيلي ما يزال مندفعاً نحو استكمال بناء الدولة اليهودية الصافية المعبرة عن مطامح  الحركة الصهيونية على أرض فلسطين. إن قرار إعلان إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي يمثل أعلى مراحل المشروع الصهيوني. فهذا القرار يستهدف تبديد  أي أمل بتسوية سياسية تعطي الفلسطينيين دولة مستقلة في الضفة والقطاع، ويمهد لاستكمال تهجير الفلسطينيين من وطنهم.

4 –  ثوابت السياسة الأميركية والروسية تجاه القضية الفلسطينية

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، التزمت الولايات المتحدة سياسة الانحياز الكامل للدولة العبرية، ووقفت دوماً ضد المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية. لم ينفصل موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل عن خطتها تجاه المنطقة العربية، والقائمة أساساً على حماية المصالح الأميركية في نهب الثروات العربية وخصوصاً النفط منها، وإدارة الصراع ضد ما كان يعرف سابقاً بالمعسكر الإشتراكي. لذا شكلت إسرائيل بالنسبة لأميركا الشرطي الجاهز الذي تستخدمه ضد تقدم الشعوب العربية من جهة، وحارساً للقمع والتسلط الذي مارسته الأنظمة، وللتخلف العربي الذي يشكل صمام أمان للخطة الأميركية من جهة ثانية. هكذا باتت  إسرائيل شرطا ضرورياً لنجاح الخطة الأميركية، وأساس تطور العلاقة العضوية بين البلدين. وعلى ذلك قامت الخطة الأميركية، ولا تزال، على قاعدة تصفية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر الإنحياز الكامل إلى المصالح والمخططات الإسرائيلية، وتجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في إنشاء دولته المستقلة. وهو ما تؤكده الإقتراحات والخطوات الأميركية الأخيرة والخطيرة، سواء إقتراح صفقة إسرائيلية فلسطينية، تنهي أي أمل بقيام دولة فلسطينية ولو محدودة السيادة، أو تشريع الاستيطان في الأراضي الفسطينية، أو  نقل سفارتها إلى القدس بعد الاعتراف بها عاصمة لدولة اسرائيل، متجاوزة كل الاعتراضات الدولية، وصولاً إلى تجميد المساعدات المالية للفلسطينيين، مباشرة أو عبر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ـ الأونروا.

أما روسيا، فإن الثابت في سياساتها هو أمن إسرائيل وحقها في الوجود، الأمر الذي يجد ترجمته في ظل تدخلها المباشر في الحرب الدائرة في سوريا، من خلال التنسيق الكامل بين الدولتين، وإطلاق يد اسرائيل للتدخل في سوريا بذريعة حماية أمنها. أما التزام حل الدولتين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على جزء من أرضهم فإنه لم يتحول إلى أولوية في السياسة الروسية رغم الدعم اللفظي لنضال الشعب الفلسطيني. في مقابل الدعم الأوروبي المحدود للحقوق الفلسطينية والعجز عن ترجمته دوراً فاعلاً.

5 – القضية الفلسطينية والعالم العربي

احتلت القضية الفلسطينية لعقود طويلة  الأولوية في اهتمات الشعوب العربية، وشكل شعار تحرير فلسطين مادة استغلال لتكريس أنظمة الاستبداد، التي ترواحت سياساتها من السعي لإلحاق القضية الفلسطينية تحت راية قومية المعركة، إلى التضييق على النضال الفلسطيني ومحاولات تقييده وإخضاعه، مروراً بالتواطوء من أجل تصفيتها وممارسة الضغوط على القيادة الفلسطينية ودفعها لتقديم التنازلات، وصولاً إلى التخلي عن أبسط أشكال الدعم السياسي والمادي للشعب الفلسطيني.

وفي الطور الراهن الذي تجتازه هذه القضية،  لم تعد خافيه سياسة إدارة الظهر من قبل الأنظمة العربية التي تضيق ذرعاً  بنضال الشعب الفلسطيني، وتحوّل قضيته استعصاءً غير قابل للتصفية، بفعل  صموده ومعاندة قيادته التي تتعرض لشتى منوعات الضغوط جراء رفضها الخضوع للطلبات والشروط الأميركية والإسرائيلية.

6 –  سمات الوضع الفلسطيني راهناً في علاقاته العربية وفي مواجهة قبضة الاحتلال الإسرائيلية وشباك السيطرة الأميركية

 

 يشكل نضال الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه الحاجز الأول في مواجهة المشروع الصهيوني للهيمنة على المنطقة العربية والسيطرة على مقدراتها. هذا المشروع الذي يستهدف قهر شعوبها وإدامة انقساماتها وتخلفها، ومنع تكونها دولاً حديثة ومجتمعات ديموقراطية تعددية مستقلة تفيد من ثرواتها.

وإذا كان القرار الوطني المستقل لا يزال أحد أبرز إنجازات  النضال الفلسطيني، وأحد الضمانات والمرتكزات في تعطيل مشاريع الإلحاق، فإن الوحدة الوطنية الفلسطينية كانت ولا تزال هي السلاح الأمضى في الصمود ومواجهة المخططات الإسرائيلية الأميركية ومحاولات التصفية. لقد تعرضت هذه الوحدة سابقاً وراهناً إلى محاولات ضرب وشرذمة منذ انطلاقة الثورة، لكن الانقلاب الذي قادته حماس بسيطرتها الفئوية على قطاع غزة، منذ أكثر من عقد من الزمن،  شكل ارتداداً عن  هذه الوحدة، ومثّل أخطر مظاهر الانقسام والشقاق الذي  دفع  الشعب الفلسطيني ثمنه غالياً. سهّل الإنقلاب محاولات التلاعب بالقضية الفلسطينية من قبل بعض الأنظمة العربية والمحاور الإقليمية، خاصة تلك التي تسعى لنزع الطابع القومي العربي عن القضية وإسباغ الأسلمة عليها وتطييفها بل ومذهبتها.

وعلى رغم إنجاز أكثر من إتفاق مصالحة، إلا أنها  انتهت جميعها إلى الفشل جراء رفض حركة حماس  تنفيذ الالتزامات التي وافقت عليها أو تعهدت بها. والأخطر كان ومازال إصرار حماس على ربط القضية الفلسطينية بالمحور الإقليمي الإيراني السوري، وهو محور امتهن  كغيره ولا يزال، التلاعب بالقضية واستخدامها خدمة لمصالحه الاقليمية.

 تبقى المصالحة الوطنية اليوم ذات أولوية حاسمة بالنسبة للشعب الفلسطيني، وسلاحه الأهم في مواجهة الهجمة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، التي تستهدف جعل مطلب الدولة المستقلة ذات السيادة أمراً غير قابل للتحقق، والصمود في وجه الضغوط الأميركية الداعمة لمخططات اسرائيل وسياساتها الهادفة إلى تصفية القضية ومحاولة فرض صفقة مشبوهة، من خلال الإستثمار في الإنقسام القائم وإدامته والإفادة من العجز العربي المتفاقم، تحت وطأة الحروب الأهلية والإقليمية المفتوحة بإدارة أميركية  في أكثر من كيان وساحة عربية.

 وإذا كان إتفاق اوسلو  قد شكل خطوة محدودة على طريق التسوية، رغم الإجحاف المتضمن بحق الشعب الفلسطيني، وإحالته القضايا الأساسية إلى مرحلة مفاوضات الوضع النهائي، غير أن اسرائيل  أطاحت عملياً وعلى امتداد السنوات التي تلت الإتفاق بكافة مفاعيله، وما نص عليه لجهة تمكين السلطة الفلسطينية من إدارة المناطق المحتلة، فتوقفت عن التفاوض، وأمعنت في توسيع الاستيطان، وزادت من القيود على تنقل الفلسطينيين، ناهيك بعمليات التنكيل والقتل والاعتقال، مما جعل السلطة الفلسطينية أمام خيارات صعبة لجهة الحسم في الموقف الواجب اتخاذه من الوضع الذي وصلت إليه إتفاقات أوسلو. هذا في وقت تتصاعد الخطوات الأميركية البالغة الخطورة والسلبية بالنسبة للقضية الفلسطينية، من الإعتراف بالقدس ونقل السفارة ودعم الاستيطان ومحاولة تعطيل المؤسسات الأممية المعنية بدعم ومساعدة الشعب الفلسطيني على أكثر من صعيد، من قبيل اليونسكو والأونروا وغيرها، ووقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، تنفيذاً لمخطط مشترك أميركي إسرائيلي يستهدف تصفية القضية وإنهاء الصراع العربي الصهيوني.

ظل الشعب الفلسطيني وعلى امتداد مسيرته الكفاحية مدافعاً عن حقوقه الوطنية في أرضه وحقه في إقامة دولته المستقلة، وهو بذلك شكل الحاضنة لقواه الوطنية التي لم تتردد في استخدام كل أشكال النضال ووسائله، في سبيل إبقاء شعلة قضيتة حيّة وحمايتها من التبديد والتصفية، وتعطيل كل أشكال التآمر ومشاريع الإحتواء والإلحاق والمصادرة وإفشال محاولات فرض الاستسلام.

 وإذا كانت كافة أشكال الكفاح ووسائله المتاحة هي حق مشروع لأبناء الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة، فقد كان السجال والنقاش في ما بينها حول اعتماد أي منها، يحتكم  دائماً إلى مدى اتصاله بقضيته والجدوى من استخدامها، وفق معادلة التوازن بين التضحيات والإنجازات، وبين الخسائر والأرباح. هكذا كان الأمر بدءاً من الكفاح المسلح من الخارج مروراً بكل اشكال النضال الشعبية، العفوي منها والمُنظم، من التظاهر والاعتصام وصولاً إلى الانتفاضات السلمية والمسلحة والعصيان المدني وشتى منوعات العمل الفدائي. وعلى ذلك يمكن القول أن مسيرة الشعب الفلسطيني في المقاومة والتسلح بالقرار الوطني المستقل، ساهمت في لفت أنظار العالم إلى ما يعانيه هذا الشعب أكثر من الصواريخ او القذائف التي تطلقها بعض فصائل المقاومة على الأراضي المحتلة. إن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى بلورة وابتداع أساليب نضال تضمن بقاءه في أرضه وتأكيد قراره المعلن بالإصرار على انتزاع استقلاله الوطني والحضور الكامل العضوية في المحافل العربية والدولية، وفي الوقت نفسه تخفف من خسائره المادية والبشرية.

إن التطورات التي تشهدها الساحة الفلسطينية وما يحيط بها عربياً ودولياً، والتعنت الإسرائيلي والموقف الأميركي المنحاز كلياً لإسرائيل،  يضعان القضية  الفلسطينية في أصعب مراحلها. فميزان القوى لا يعمل لصالح القضية، والوضع الدولي عاجز عن فرض التراجع على الولايات المتحدة لتحقيق تسوية متوازنة، ناهيك بالوضع العربي الذي تعيش بلدانه أزمات كبرى وحال من الفوضى الكيانية والمجتمعية، تجعل من فعله أو تدخله لصالح القضية ضئيلاً وغير فاعل.

على رغم كل العناصر السلبية المشار إليها، فإن الصمود الذي يبديه الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، سيظل يشكل نقطة القوة الأهم. وسلاحه الرئيسي يبقى الوحدة الوطنية التي تشكل صمام الأمان له، وعلى رافعتها في الداخل والشتات يجري التمسك بالقرار الوطني المستقل وسيلة لمنع التصفية والإلحاق والإلتحاق.

 

 

ثامناً   الانتفاضات العربية

تقديـم

تشكل الانتفاضات التي شهدتها بعض البلدان العربية الحدث الأبرز في العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين. ترتب على اندلاعها توقعات ونظريات وأوهام، تلاشى أكثرها بعد أشهر من قيامها، في ضوء ما آلت إليه الانتفاضات وتحولها حروباً أهلية مستدامة في أكثر من بلد، فدمرت كياناتها وفككت مجتمعاتها بما وضعها أمام مصير مجهول. قرأت المنظمة مبكراً مسار هذه الانتفاضات، وفق القرارات التي صدرت عن مؤتمرها العام الثالث أواخر العام 2012، حيث جاء فيها:

ناقش المؤتمر العام الثالث خلاصات سياسية بنيوية حول مسيرة الانتفاضات العربية المتوالية فصولاً منذ مطلع العام 2011، وحول آفاقها الممكنة والمرتقبة من زاوية سؤال النهوض العربي الذي ما زال يقرع أبواب المستقبل وتكبله قيود الماضي. وفي هذا المجال شدد المؤتمر على النقاط الآتيـــة:

1 – يغلب على مسار الانتفاضات العربية، التي اندلعت أصلاً تحت راية الديمقراطية، واقع التخبط الشديد الذي يطعن في جدارتها على بناء البدائل الديمقراطية من الأنظمة التي أسقطتها، أو هي في طريقها إلى إنجاز أو استكمال عملية إسقاطها. وينطبق ذلك على الانتفاضات العربية جميعاً من دون استثناء: من تونس إلى مصر ومن ليبيا إلى سوريا، فضلاً عن اليمن التي أقامت إنتفاضتها نظاماً آخر يشبه نظامها السابق، في ظل أحكامه ذاتها وحكامه أنفسهم.

2 – على أن أزمة التغيير الديمقراطي المستعصية والتي تلف بلدان الانتفاضات العربية جميعاً، لا تلغي أبداً أهمية النتائج التي حققتها هذه الانتفاضات والتي تمثلت في إسقاط أنظمة الاستبداد في هذه المحاور المهمة من العالم العربي، وتفكيك آلية اشتغالها في جعل القمع غير المحدود قدر الشعوب العربية عقوداً طويلة من الزمن.

3 –  إن الشطر الأكبر والأهم من مسؤولية تعثر عملية التغيير الديمقراطي في بلدان الأنظمة العربية المستبدة، تتحمله هذه الأنظمة ذاتها من خلال انخراطها المتمادي والمزمن في عملية إبادة منظمة للحياة السياسية وتعطيل متماد لآليات الانتظام الاجتماعي الحديثة في هذه البلدان. وهي موروثات سلبية ضخمة لا يمكن تجاوز نتائجها التدميرية إلا بمخاض إجتماعي بالغ التعرج وطويل النفس.

تشكل هذه الخلاصات مفتاحاً لقراءة اوسع لعوامل نشوء الانتفاضات، وللقضايا النظرية والسياسية التي طرحتها، وللمعضلات التي تواجهها، وآفاق مستقبلها.

1 –  كيف جرى استقبال الانتفاضات عند اندلاعها؟

منذ أيامها الأولى، غلبت الاحتفالية الشكلية على الانتفاضات من دون النظر إلى معضلاتها وتناقضاتها وما يمكن أن تفرزه من نتائج، وخصوصاً أنها وقعت على مجتمعات عربية ذات تكوين بنيوي معوق، ودول سرعان ما دخلت في طور التفكك لصالح البنى العشائرية والقبلية والطائفية، وتكشفت فيها هشاشة التكوين الطبقي بالنظر إلى ضعف الرؤية والمصالح التي تؤطره. ساد نقاش كاريكاتوري في حينه يتهم كل من يرفض توصيف الحراك بالثورة بأنه انهزامي. كما سادت نظريات كثيرة من نوع أن الثورة تنبع من وسائل التواصل الاجتماعي التي تحشد على صفحاتها الملايين من الناشطين، وأن منطق التنظيمات الحزبية قد سقط لأن الجماهير لا تحتاج إلى مثل هذه الأطر، فهي قادرة على إسقاط من تريد بحشودها المليونية.

هذا السلوك انخرطت فيه أوساط من النخب العربية تهليلاً لما حصل، وتحميلاً للحراك القائم ما ليس بقدرته من مهمات سياسية فكرية وتغييرية. ولم يكن ذلك عصياً على الفهم أو التفسير، فهذه النخب كانت مصابة، بحق، بالاحباط واليأس من إمكان التغيير في العالم العربي، في ظل أنظمة استخباراتية عاتية في استبدادها، استطاعت على امتداد حكمها أن تبيد المعارضات، سجناً وتهجيراً وقتلاً، يضاف إليها التجارب الفاشلة للأحزاب الديمقراطية واليسارية. فما إن لاحت بادرة تمرد على هذه الأنظمة، حتى ضخّمتها هذه النخب وأعطتها توصيفات لا أساس لها، من قبيل الربيع العربيأو الثورات المتواصلة. لذلك احتفت بالحدث من دون أن تناقش تناقضاته واحتمالاته المقبلة. لم يتأخر الوقت حتى تكشفت حدود هذه الانتفاضات ومآزقها البنيوية. نجحت الانتفاضات في تحقيق إنجازات محدودة تمثلت بإسقاط رأس النظام، غير أنها لم تتمكن من تغيير طبيعة مؤسساته ومنظوماته البنيوية والتي حملته بالأصل إلى رأس السلطة ممثلاً لشبكات مصالحها.

2 –  في بعض العوامل الموضوعية والذاتية لاندلاع الانتفاضات

تتعدد العوامل والأسباب التي أدت إلى اندلاع الانتفاضات العربية، وتتفاوت بين بلد وآخر، لكن القاسم المشترك في ما بينها أنها انفجارات ولدتها حالات الإختناق والإحتقان السياسي والاجتماعي، الناجم عن انسداد آفاق التطور وعن تفاقم التناقضات الطبقية الناجمة عن الديكتاتورية السائدة، وما تستند إليه من بنى هيمنات طائفية أو قبلية أو أثنيةتحت هذا السقف يمكن قراءة خصوصية كل انتفاضة قامت أو ستقوم لاحقاً.

 لم تتكوّن الأنظمة العربية استنادًا إلى عملية ديمقراطية قائمة على انتخابات عامة، أو من خلال عملية تداول ديمقراطي سلمي للسلطة. بل تأسست عبر انقلابات عسكرية قادتها نخب من العسكريتاريا العربية، أطاحت الأنظمة السائدة سابقاً وحلّت محلها. اتسمت توجهات هذه النخب منذ البداية  بالعمل على احتكار الهيمنة على السلطة، وإزاحة القوى السياسية القائمة بقرارات وإجراءات قمعية، وتكرست من خلال القمع واحتكار السلطة ومنع القوى والأحزاب السياسية المعترضة أو المعارضة،  وأبقت على من يواليها  ويخضع لإدارتها السياسية أو الأمنية. هكذا  خلال ما يزيد عن نصف قرن، أمعنت تلك الأنظمة في ممارسة الإستبداد وتعطيل مشاركة الشعوب العربية في الحياة السياسية وتصفية قوى المعارضة ومنع تجددها. وعليه كانت المجتمعات العربية محجوزة في دائرة التخلف ووسط حالة معاناة مديدة من الإحتقان والكبت بلغت حد الإختناق. حدث ذلك في ظل عالم مفتوح على التأثر والتواصل، وانتشار قيم حقوق الإنسان وتراجع كل أشكال التمييز العرقي والاجتماعي والسياسي والجنسي ومواثيق حريات البشر كأفراد وجماعات على الصعيد العالمي. ولّد الإحتقان، في النهاية، انفجاراتشعبية تحولت انتفاضات اتخذت في كل مكان شكلاً متوافقاً مع واقع البلد وطبيعة سلطاته وقواه، لكن السؤال يظل مطروحاً عن أسباب تأخر حدوث ذلك.

تشكل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي آلت إليها المجتمعات العربية، عنصراً وازناً من عناصر انفجار الحراك الاجتماعي. فعلى امتداد عقود من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، تحولت الوعود بالتنمية الشاملة، إلى تعميق الاختلالات الاجتماعية وإلى المزيد من القهر والحرمان. لذلك اقترن شعار المحاسبة ومعاقبة المفسدين بشعارات الحرية والكرامة والخبز التي رفعتها الجماهير العربية خلال حراكها، وصولاً إلى الشعار المركزي، المتمثل في الدعوة إلى إسقاط النظام، بوصفه العامل الحاسم الذي يمكن أن يضع حدًا للفساد والمفسدين.

لقد عجزت هذه السلطات عن إدارة شؤون المجتمع في شتى المناحي والمجالات، وباتت الحياة اليومية للمواطن بمثابة عبء لا يستطيع تأمين مقوماته الأساسية، لجهة العمل والمسكن والملبس والغذاء والدواء والمياه النظيفة للشرب له ولأسرته، وهكذا تكامل مشهد الهزائم الوطنية والسياسية وتفكك بنى المجتمع جراء السياسات الضيقة مع إزدياد وطأة الوضع الاقتصادي المتردي وتضاعفت الهوة بين الطبقات الحاكمة الغنية الفاسدة والأثرياء الجدد والطبقات الفقيرة والمتوسطة التي انحدرت أوضاعها يوماً بعد يوم

كما شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة نوعاً من الإنفجار السكاني نتيجة تزايد عدد الولادات وتراجع الوفيات. أنتجت هذه الزيادات أعدادًا من الشباب مثّلوا أكثر من نصف السكان، بحيث تحولت هذه المجتمعات عملياً إلى مجتمعات شابة. اقتصرت الإفادة من فرص العمل على عدد محدود من متخرجي الجامعات، وعلى أصحاب الإنتماءات الحزبية إلى النظم القائمة، أو على من توجهت ولاءاتهم الفئوية ومحاباتهم نحو الإلتحاق والتبعية بالفئات الحاكمة، بحيث لم يكن مقياس الكفاءة  قائما أو معترفا به في الحصول على الوظيفة.

لم يكن انخراط أجيال الشباب في التعليم والتحصيل الثقافي معزولاً عن التطورات العلمية التي أنتجتها ثورة التكنولوجيا وخصوصاً في مجال الإتصالات. لم يكن هذا الإحتكاك بحاجة إلى تخصصات عالية غير متوفرة، مما أعطى جيل الشباب فرصة التعرّف إلى العالم بمختلف جوانبه، بل والتفاعل مع مختلف الشعوب وشبابها في بلدان العالم، بما فيها من تبادل للطموحات والهموم، التفاعل مع مشكلات وإنجازات المجتمعات المتنوعة. سمحت وسائل الإتصال الحديثة، بتكوّن ثقافة سياسية عالمية، وباطلاع الشباب على الفكر السياسي خصوصاً في مجال الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان. كان لكسر هذا القيد الاعلامي والمعرفي أثر كبير لانطلاقة الانتفاضات التي حصلت في أكثر من دولة عربية، حيث يُسجل لأجيال الشباب استخدام ثورة الإتصالات ووضعها في خدمة الحراك السياسي الجاري، وربط المناطق بعضها بالبعض الآخر، وتأمين التواصل غير المحدود بين فئات الشعب، وإلغاء أنظمة الرقابة وتقييد حرية الفكر التي كانت عماد سياسات الأنظمة وأجهزتها لوأد الحياة السياسية.

3 –  في مآزق الانتفاضات ومعضلاتها البنيوية

لماذا أدت الانتفاضات إلى تفجير المجتمعات العربية، ولماذا كان مستحيلاً أن تتحقق الديمقراطية المنشودة والمطالب التغييرية الشاملة من خلالها، ولماذا كانت هذه الانتفاضات محكومة بأن تتحول حروباً أهلية طاحنة تدمر ما راكمته هذه المجتمعات من حضارة وتقدم و تحديث وحداثة؟.

لا يحتاج المشهد العربي الراهن إلى كثير من التخمين حول مآل الدول العربية. فالإنفجارات الساخنة والباردة تسكنها، ولا يكاد ينجو بلدٌ من اضطرابات تهدد كيانه بالخطر. فعوامل الإنفجار الأساسية كامنة في داخل المجتمعات، التي تقذف ما في جوفها عند رفع الغطاء وتعطل الضغط عن هذه المكنونات المتراكمة والموروثة.

أول العوامل الموضوعية التي تفسر الإنفجار في بنى المجتمعات العربية، يعود إلى العناصر التي تتكوّن منها هذه البنى، وعجز الدولة عن التكوّن على حساب هذه البنى، على غرار ما عرفته البلدان الحديثة.

تكوّنت معظم الدول العربية خلال فترة زمنية لا تزيد على القرن (باستثناء الدولتين المصرية والعراقية)، وأتى تشكلها نتيجة عوامل خارجية في مرحلة تفكك الأمبراطورية العثمانية وسيطرة الاستعمار الأوروبي على المنطقة. أنتج الاستعمار كيانات ركّبها على البنى السائدة، القبلية والعشائرية والطائفية، وأخذ في الإعتبار الأدوار التي تعطى لكل كيان في سياق خطة السيطرة الأمبريالية على المنطقة. هكذا قامت كيانات معظمها يحوي ألغاماً بنيوية قابلة للتفجّر في كل لحظة، مما وسم هذه الدول بطابع الضعف في مواجهة مكوّنات ما قبل الدولة.

على امتداد العقود السابقة، تكوّنت مجتمعات تقوم على مصالح الجماعات والأفراد، مع تكيّف هذه الدول مع البُنى الموجودة والموروثة. لكنّ تكوّنها لم يسلك الطريق الديمقراطي الذي يراعي مصالح المجموعات والمكوّنات الموجودة، بل أتى التوحيد والإندماج قسرياً عبر نظم الاستبداد في معظم العالم العربي، التي مارست التمييز في المعاملة والمشاركة بين المكوّنات المجتمعية، مما أضاف ألغاماً على ألغام البنى السائدة، ووضع الكيانات على شفير الإنهيار ودفع المجتمعات نحو التفكك كلما اهتز هذا الاستبداد، أو احتدم النضال من أجل الديمقراطية.

تتشكل مجتمعات الدول العربية من  أقليات وأكثريات، جرى استخدامها في تغليب السلطة بين طرف وآخر، مما زاد من حدة الإحتقان والتأزم، وتحين الفرص المؤاتية للسيطرة البديلة والإنقلاب على ما أصابها من الحرمان والتهميش والقمع. اقترن الفشل الاجتماعي والاقتصادي وما رافقه من استبداد، وانهيار مشاريع الوحدة وسقوط شعاراتها. كما شكل الصراع العربي ـ الصهيوني عنصراً مركزياً في خلخلة وكشف بنى المجتمعات العربية. لم تكن هزائم  الأنظمة في هذا الصراع عسكرية الطابع فقط، بل هزائم اجتماعية وفكرية وسياسية، سرّعت في خلخلة البنى الاجتماعية التي تعاني في الأصل من معضلة الإنقسام والتقسيم. إن العوامل الخارجية عملت ولا تزال على تفاقم تناقضات الوضع العربي وإشكالاته، وهي غذت العصبيات الموروثة وأضافت معوقات كثيرة في وجه بناء الدولة.

لم يكن غريباً أن تتحول التظاهرات السلمية في بلدان الانتفاضات إلى صراع دموي، في ظل أنظمة  حكم مقفلة بوجه الاصلاح، ومغلقة على أي تسوية أو حل يقلّص أو يضعف سلطتها. جوابها كان دوماً، أن ما يجري هو مؤامرة خارجية تستخدم الإرهاب لإسقاط دولهم وأنظمتها. في تونس وبالنظر إلى خصوصية مجتمعها السياسي والمدني ووجود كتلة مجتمعية معارضة متجذرة، أمكن تعطيل مسار الحرب الأهلية الدموي وعقد تسويات تدفع بالبلد نحو مسار ديمقراطي. أما في مصر فإن الدور الذي اضطلع به الجيش في حماية الانتفاضة وعزل رأس النظام، جعله طرفاً رئيسياً في الصراع على السلطة  مع الإخوان المسلمين وتنفيذ الإنقلاب عليهم وإقامة نظام قمعي، في وقت مازالت مصر تشهد أشكالاً من الصراع الدموي متعدد الأوجة والأبعاد الطائفية بين أجهزة الدولة العسكرية والمجموعات الأصولية. أما الانتفاضات في سوريا وليبيا واليمن فقد تحولت سريعاً حروباً أهلية طاحنة وساحات لحروب دولية واقليمية تتناقض مع مصالح مجتمعاتها ومصير كياناتها الوطنية وتهددها بأشد المخاطر. وإذا كان العراق يشهد اليوم أعلى درجات التفكك والتقسيم بعد الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية، فان هذا البلد سبق له وأن شهد انتفاضات متعددة أيام حكم البعث، جرى قمعها بوحشية. وما يجري اليوم من حراك اجتماعي محدود لا يرقى إلى مستوى الانتفاضة.

4 –  معضلة غياب قوى التغيير         

قامت الانتفاضات العربية في مجتمعات كانت قوى المعارضة فيها منهكة أو مُبادة تحت وطأة سياسة ممنهجة لضرب القوى التي ترى فيها الأنظمة خطراً عليها. فالقوى الديمقراطية، يسارية أو ليبيرالية، كانت متلاشية وعاجزة عن استقبال التطورات الجديدة والدفع بها إلى الأمام. كان الافتقار إلى القدرة لدى هذه القوى نابعاً من سياسة الأنظمة القمعية، ومن شيخوخة هذه القوى وعجزها عن تجديد منظوماتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، بما جعلها وبرامجها خارج السياق الجديد.

أما القوى الشبابية التي اعتبرت أنها هي التي أطلقت الانتفاضات، فقد كانت تفتقر إلى الخبرة في النشاط السياسي، وإلى التنظيم في أطر ومؤسسات، تمكّنها من تطوير تجربتها والفعل داخل المجتمع، كما كانت تفتقر أيضاً إلى الرؤية السياسية ووضوح الأهداف والبرامج.

أما المجتمع المدني فلم يكن له دور فاعل، وهذا غير مستغرب بالنظر إلى طبيعة تكوينه المتصل إتصالاً وثيقا بطبيعة البنى المجتمعية العربية. لقد كشفت الانتفاضات هشاشة المجتمع المدني وتدني فاعليته في البلدان العربية والإسلامية بالنظر إلى غياب الفرد المواطن، حيث الولاء للقبيلة والطائفة والعائلة وليس للوطن أو الدولة.

لقد اعتمدت أنظمة الإستبداد منذ وصولها إلى السلطة سياسة تجويف الحياة السياسية وإخضاع التشكيلات الحزبية وإلحاقها لتغطية ممارساتها القمعية وتبرير سياساتها. أما قوى المعارضة الديمقراطية فقد كانت عرضة للإفناء والإبادة على يد الأجهزة الأمنية التي لم تتورع عن استعمال شتى وسائل القمع والتصفية. في المقابل، وبالنسبة إلى القوى والتيارات الإسلامية، فقد اعتمدت معها سياسة متعددة الجوانب، من الاستعانة بها لتغطية قمع القوى الديموقراطية كما حصل مع السادات في مصر، إلى تقيدها والحد من نفوذ قياداتها عند تنطحها للوصول إلى السلطة، وصولاً إلى مواجهتها بالقمع وإدارة الصراعات بين تياراتها. لكن الثابت في السلطات الحاكمة والأنظمة، هو سياسة التواطؤ المعلن والمستتر مع المؤسسات الدينية، بحيث تعطي المؤسسات الدينية مشروعية للسلطة، مقابل إباحة هذه الأخيرة المجتمع وقواعده التحتية لثقافة المؤسسات الدينية وتنظيمات الإسلام السياسي. وعندما اندلعت الانتفاضات، كانت تيارات الإسلام السياسي تتمتع بمقدرات تنظيمية ومواقع راسخة في قاع المجتمعات العربية وفي المؤسسات النقابية والمهنية، مما جعلها تحقق مكاسب بدت مذهلة حيث جرت الإنتخابات العامة.

رفعت الانتفاضات شعارَي الديمقراطية والدولة المدنية، وهما شعاران مترابطان. لكنهما سقطا على مجتمعات عربية تشبعت بهيمنة ايديولوجيات وثقافات غيبية فئوية وتقليدية، وتوزعت بين ايديولوجيات الفكر الشمولي القومي والإشتراكي الشيوعي والثقافة الدينية الإسلامية المهيمنة، تشاركت العداء للديمقراطية وعدم الاعتراف بالآخر، والدعوة لإقصائه واستئصاله. لم تكن الايديولوجيات الثلاث تسمح بنشر الديمقراطية لافتقارها إلى قيمها في الفكر والممارسة. هكذا تحكمت سياسة الإقصاء والنبذ بقوى الفكر القومي العربي التي اعتمدت الممارسات الشوفينية ضد الأقليات والمجموعات الإثنية غير العربية، حيث جرى إقصاء التشكيلات المعبرة عنها والتنكيل بها وإبادتها أحياناً.. وإذا كانت التيارات الشيوعية والإشتراكية لم تتمكن من ممارسة الحكم على غرار الحركة القومية، إلا أنها شاركت الأحزاب القومية ممارساتها، عندما أتيح لها ان تكون شريكتها في السلطة. أما القوى التي التزمت الفكر الديني فقد سيطر على ثقافتها الغيبيات والابتعاد عن العقلانية ومنجزات العلوم والفلسفات الحديثة، واختلاط الأساطير والخرافات بالتراث الديني. ولم تكن التيارات الدينية أقل شوفينية وتعصباً ونبذاَ للآخر. خاصة أن الانتفاضات كشفت سطحية مشاريعها السلطوية وطموحاتها الخرافية لإقامة الدولة الدينية الطائفية، وخواء محاولاتها إعادة التاريخ إلى الوراء والإقامة فيه وأوهام تصويب مسارات صراعات قواه ونتائجها.

5 –  حول موقف الحركة الشيوعية من الانتفاضات

لم يكن للحركة الشيوعية العربية دور يذكر في اندلاع الانتفاضات العربية، سواء في قيامها أو قيادتها أو مساراتها اللاحقة. كان الهِرم أصاب أحزاب الحركة الشيوعية لعقود خلت، لأسباب موضوعية تتعلق بما عانته من قمع وتغييب، ولأسباب ذاتية ناجمة عن عجزها عن مراجعة تجاربها السياسية والتنظيمية وبرامج عملها وهويتها الفكرية. ينطبق هذا التوصيف على معظم أطراف هذه الحركة.

مع تطور الانتفاضات وتحول بعضها إلى حروب أهلية، وانبعاث حركات التطرف الأصولي وتنامي التنظيمات الإرهابية، حصل تطور سلبي آخر في موقف الحركة الشيوعية العربية، انتقل من التفرج على مسار الأحداث الجارية، نحو الانتقال إلى تأييد الأنظمة الديكتاتورية العربية والمشاركة في مواجهتها للانتفاضات الشعبية، وتبني خطابها في وصفها بالمؤامرة التي تنفذها تنظيمات الإرهاب الأصولي ضدها، ومحاولة تبرئتها من المسؤولية في إنتاج الإرهاب ورعايته، الأمر الذي شكل وصمة عار في تاريخ الحركات الشيوعية لأنه من الخطيئات التي لا تغتفر.

غاب عن ذهن الشيوعيين أن تحول الانتفاضات العربية حروباً أهلية تتحمل مسؤوليته أنظمة الاستبداد التي اعتمدت القمع والقتل والتدمير وسيلة للدفاع عن وجودها، كما وأن نشوء وتشكل التيارات الإرهابية المتطرفة هو أيضاً مسؤوليتها لأنها  وجدت فيها الوسيلة الناجعة لضرب الانتفاضات وتحويلها حروباً أهلية، بالإضافة إلى خطيئتها التاريخية في رفع معادلة استمرار النظام أهم من مصير الكيان وأهله.

6 –  نحو تجديد المشروع النهضوي

يضرب المنطقة العربية راهناً إعصار بنيوي، قابل للتمدد. لا أحد حتى الآن يمكنه ان يتنبأ بالمدى الذي ستصل إليه المنطقة بعد انفجار بُناها ودخولها في حروب سياسية ودينية ومذهبية، لكن المؤكد أن فوضى كيانية ستلقي بثقلها على كافة الكيانات العربية وشعوبها.

من المؤكد أن الانتفاضات تجرأت على المحرّمات وأطاحت بالممنوعات على الشعوب العربية. فهي طرحت شعار تغيير الأنظمة السياسية الديكتاتورية التي تعتبر الأم الشرعية لكل التنظيمات الإرهابية القائمة، وامتلأت الشوارع بالمتظاهرين تحت شعار إسقاط النظام وتحقيق الديمقراطية. كما تم كسر التحريم الذي كان مفروضاً حول النقاش في الدين وعلاقته بالسياسة وصلته بتبرير العنف، وبات خطاب الإصلاح الديني أو خطاب التجديد فيه مشروعاً، وبذلك هتكت أيضا هيبة الايديولوجيا الدينية التقليدية والمحدثة وهياكلها المؤسسية، والتي شكلت على الدوام الوجه الآخر لسياسة الأنظمة في قهر المجتمعات العربية وتشويه ثقافتها.

لكن ما جرى، لم يرق بعد إلى مستوى التوجه نحو بناء مشروع نهضوي متجدد. يحتاج الأمر قبل كل شيء إلى قوى حاملة له، سياسياً وفكرياً وثقافياً ودينياً. ورغم أن الطريق طويل وشاقّ للوصول إلى المشروع النهضوي، فإنه ينفي كل حديث عن الاستحالة في التغيير، لأن منطق التطور التاريخي للمجتمعات لا يُقرّ بثبات أو جمود مطلق، وتناقضات المجتمعات وبُناها ليست قوالب حديدية لا يمكن اختراقها والفعل فيها.

إن منظمة العمل الشيوعي في لبنان، وفي ضوء قراءتها لحال المجتمعات العربية، ترى أن لا مفر من طرح شعار: من أجل حركة ديمقراطية علمانية عربية، وهو بديل من شعارات يسراوية كانت مطروحة لدى المنظمة وسائر الحركات الشيوعية تحت عنوان: “في سبيل القيادة العمالية لحركة التحرر العربية“.

 

 

القسم الثاني

 في الهوية الفكرية والإسم الجديد

 

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، شهد العالم متغيرات كبرى على كافة الصعد دولياً وعربياً ولبنانياً، تمثلت بانهيار التجربة التي قامت تحت راية الماركسية اللينينية، في روسيا وبلدان المعسكر الاشتراكي الذي أصابه التفكك كما أصاب العديد من كياناته. وبعد تشتيت قوى الثورة الفلسطينية المسلحة من الخارج، انتقلت حركة النضال الفلسطيني والصراع مع الكيان الصهيوني إلى الداخل، في موازاة التحضيرات لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام العربي ـ الإسرائيلي. بالإضافة إلى فشل تجربة اليسار والحركة الوطنية للتغيير في لبنان، وتوقف الحرب الأهلية في مقابل إعادة تشكيل النظام الطائفي بإشراف ووصاية النظام السوري وفق تسوية الطائف التي شكلت خطوة متصاعدة في تعميق المحاصصة الطائفية، وقد سبق ذلك الخروج المبكر للمنظمة من الحرب الأهلية. وعليه انخرطت منظمة العمل الشيوعي في لبنان في مراجعة شاملة طالت هويتها الفكرية وخطها السياسي اللبناني والعربي والدولي، وبرنامجها السياسي، ونظامها الداخلي، وهي مراجعة ترافقت مع عملية نقد ذاتي شامل لمجمل تراثها. احتلت مراجعة الهوية الفكرية الأولوية في إعادة النظر والنقد، فالهوية الاشتراكية كانت تشكل القاعدة التي تأسست عليها المنظمة عام 1971. شملت مراجعة الهوية، إضافة إلى نقد الماركسية، رسم توجهات لخيار المنظمة الاشتراكي المستقبلي، ولقراءتها للديمقراطية وللعلمانية. وعلى ضوء هذه القراءة النقدية للهوية الفكرية، كان من الطبيعي ان تتوقف المنظمة أمام تغيير اسمها المقترن بالشيوعية، وهو اسم مرتبط بالتزام الهوية الشيوعية.

اولاً  مراجعة الهوية الشيوعية

حمل نص في الاشتراكيةالصادر عن اللجنة المركزية في نيسان 1993 أوسع مراجعة نقدية للماركسية اللينينية، شملت نقد الماركسية، وموقع ومضمون نقدنا للماركسية، لجهة فهمنا لتناقضات النص الماركسي الأصلي، وكيف قدم ماركس وإنجلس مذهبهما وأين يكمن تناقضه الأساسي، والمفهوم الاقتصادي للمادية التاريخية، والطبيعة المبسطة للمجتمع الشيوعي، وحدود التمييز بين اشتراكية علمية واشتراكية مثالية، وصولاً إلى تعيين موقع الماركسية ضمن الحركة الاشتراكية نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين: النص الماركسي الأصلي على محك التاريخ. كما تعرضت المراجعة إلى موقع ومضمون اللينينية، من زاوية قراءتها بين أيديولوجيا كونية وواقع الخصوصية الروسية، وقراءة غير لينينية لثورة أكتوبر وإنجازاتها الأولى. وتناولت المراجعة نقد الستالينية والنظام السوفياتي بما هو نمط انتاج جديد ومجتمع طبقي جديد. وتطرقت إلى أزمة النظام (النموذج) السوفياتي: من إعلان الستالينية إلى البيرويستريكا فالإنهيار. كما طالت المراجعة تاريخ الحركة الاشتراكية العالمية، ونقد الأممية الثالثة والحركة الشيوعية العالمية، ونقد الماوية والنظام (النموذج الصيني) واليسار العالمي الجديد. وختمت المراجعة بنقد تجربة أحزاب الحركة الاشتراكية الديمقراطية في دول أوروبا الغربية.

انطلقت المنظمة في مراجعتها من سؤال: كيف نفهم أزمة الماركسية بعد هذا الحشد الكبير من الوقائع الدالة عليها، خصوصاً أن أزمة الهوية الفكرية للمنظمة  هي انعكاس لأزمة الماركسية؟. فالخيار الذي تأسست عليه المنظمة هو خيار الإلتزام الكلي الشامل بالماركسية اللينينية فهماً للفكر والنظر، ومرشداً للعمل. انتهت المراجعة إلى رفض إعدام النص الماركسي الأصلي، انطلاقاً من ضرورة تفكيكه لمصلحته ولمصلحة الإفادة منه. ما يعني ضرورة إدراج النص الماركسي ضمن تراث الحركة الاشتراكية، وبما يوجب التحرر من النظرة إليه كنص مقدس، يؤخذ به أو ينصرف عنه كلياً. إن هذا يعني إعادة إنتاج بعض أحكام منه، من أجل التقريب بينها وبين الواقع. وخلصت المراجعة إلى الحسم بأن المنظمة هي بصدد هوية جديدة تفعل في واقع المجتمعات وفي تطورها.

كانت المنظمة تعتبر الماركسية اللينينية نظرية النظريات، والتي من معينها نستطيع أن نشتق الأجوبة على كل المشكلات، كما كانت من أكثر التنظيمات والأحزاب تشدداً في التزام الماركسية.

بناءً لهذه النظرة، قررت المنظمة عدم تجديد التزامها الماركسية اللينينية التزاماً كلياً وحرفياً وشاملاً، في مقابل عدم إسقاطها من الحساب ورفض إعدامها. وهذا ما عبرت عنه الخلاصات الختامية التي حملها نص في الاشتراكية، والتي أشّرت إلى الوجهة الجديدة لهوية المنظمة الفكرية  في ضوء مراجعة الهوية الشيوعية:

نختم هذا النص التحليلي النقدي حول الاشتراكية بتسجيل الخلاصات والاستنتاجات التالية:

أولاً: في الأصل كانت الحركة الاشتراكية وفي إطارها ظهرت الماركسية مشروعاً كلياً مطلقاً للتغيير الاجتماعي البشري على قاعدة من التنبؤ بحتمية تاريخية. وقد اجتاز هذا المشروع الكلي المطلق اختبار قرن ونصف القرن: من الفكرة إلى الحركة إلى الثورة إلى الدولة، فلم يحكم له التاريخ بالنجاح بل حكم عليه بالفشل. لذا لا محل اليوم لتقييد اشتراكيتنا بقيد الإلتزام الكلي بالماركسية منهجاً ونتائج تحليل ونموذج تطبيق. وإذ نقرر أننا اشتراكيون، لا نرى مبرراً لاستمرارنا حاملين صفة الماركسية. على أن الماركسية تبقى في نظرنا جزءاً من تراث الحركة الاشتراكية لا يمكن شطبه، بل ينبغي حفظ اعتباره، والانفتاح عليه، واستيحاء كل ما هو صحيح منه. وفي الماركسية نظرات علمية تشكل حقلاً معرفياً ضخماً ينبغي عدم التردد في الإستناد إليه ونحن نرتاد آفاق تجديد خيارنا الاشتراكي. فالفارق كبير ومهم بين القول الصحيح أن لا محل لتقييد اشتراكيتنا بقيد الإلتزام الكلي بالماركسية، وبين القول الخاطئ أن اشتراكيتنا لا تتجدد إلا بمقدار ما تتنكر كلياً للتراث الماركسي.

ثانياً: إذ نعيد النظر في التزامنا الماركسي وفي صفتنا الفكرية الماركسية، لا بد من أن نقرر أن الهوية الشيوعية التي نحمل لم تعد تصلح وجهاً للاشتراكية المتجددة التي نسعى إلى اشتقاق مفاهيمها وصوغ برنامجها وتأسيس التنظيم الملائم مع متطلباتها. مما يعني أن النص الذي أقره مؤتمرنا العام الأول 1971 تحديداً لإسم المنظمة لم يعد نصاً صالحاً أو كافياً لتثبيت الهوية الشيوعية لمنظمتنا وللمحافظة على اسمها الحالي، الأمر الذي يوجب اشتقاق اسم جديد للمنظمة يتطابق فعلاً مع هويتها الفكرية الجديدة.

ثالثاً: لا محل لانخراطنا في دائرة الاشتراكية الديمقراطية الممثلة بالدولية الاشتراكية، بعدما انتقلت هذه الاشتراكية الديمقراطية، على امتداد القرن العشرين، من تيار ضمن الحركة الاشتراكية إلى صيغة تسوية ضمن الرأسمالية.

رابعاً: بعدما حددنا اشتراكيتنا سلباً، فقلنا إنها لن تكون التزاماً كلياً بالماركسية ولا تنكراً مطلقاً لها، وإنها لن تكون ذات هوية شيوعية أو وجه إشتراكي ديمقراطي غربي، يتوجب علينا أن نعيّن الحقل الذي سنستقي منه مادة تحديد وتجديد إشتراكيتنا إيجاباً. وفي هذا المجال نرى أن العودة إلى الأهداف الأصلية للاشتراكية لا تشكل وحدها أساساً صالحاً لصوغ مشروع اشتراكي جديد. فلا يمكن شطب وقائع ما يزيد عن قرن ونصف القرن من تاريخ الحركة الاشتراكية للعودة إلى أفكار الرواد الاشتراكيين الأوائل كما ظهرت منتصف القرن التاسع عشـر لأن ذلك يعادل الدعوة إلى لون من الأصولية الاشتراكيةلا محل لها في القرن الحادي والعشرين. لذا يتعين علينا أن نستقي مادة تحديد وتجديد نظرتنا إلى الاشتراكية من مصدرين أساسيين: أولهما تجديد فهم أزمة الرأسمالية في واقعها الراهن خلال القرن الحادي والعشرين، والثاني رؤية حدود الديمقراطية المتحققة في عالم اليوم واستكشاف أزمتها من جديد. ففي هذين المصدرين، أي في أزمة الرأسمالية كنظام اقتصادي وأزمة الديمقراطية كنظام سياسي، يكمن الأصل المستمر لكل مشروع اشتراكي.

 

ثانياً  توجهات خيارنا الاشتراكي

الأصل في قيام منظمة العمل الشيوعي هو التزام خيار الاشتراكية، وهو الخيار الذي اخترق مجمل تراثها النظري والفكري والسياسي منذ نشأتها حتى إعلان مراجعتها الشاملة، وهو يشكل المبدأ الأول في الهوية الفكرية الجديدة. إن ما تطرحه المنظمة في مؤتمرها العام الرابع هو توجهات لخيار اشتراكي يلتزمه حزب يساري، وتعتبر أن انجاز هوية فكرية متجددة هو مهمة تاريخية تقع على عاتق القوى المؤمنة بالتغيير وبالاشتراكية خياراَ. والمنظمة ترى نفسها في قلب هذه المسؤولية، وستعمل على تأطير وإشراك قوى على استعداد للانخراط والمساهمة في هذه المهمة.

ترى المنظمة أن الاشتراكية عبارة عن توجهات عامة تُملأ دائماً بمضامين مخصوصة. والهوية الاشتراكية تعيد الاعتبار للأصل الرحب، المتنوع والخصب والحيوي للخيار الاشتراكي، ما يعني أن الاشتراكية ليست ترسيمة تقوم على قوانين، بمقدار ما هي أجنحة وتيارات واجتهادات ومواقف وخيارات. والخيار الاشتراكي يتأسس على موقع اجتماعي معين. فالخيار الاشتراكي ليس مباديء أخلاقية معلقة في الهواء، بل هو إعادة اعتبار للأساس الاجتماعي لهذا الخيار بالمعنى السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

وترى المنظمة أنها صاحبة خيار اشتراكي لا يشكل مجرد عودة إلى أصول، فيصبح لوناً من ألوان الأصولية في غير موضعها. خيار لا يقطع بينه وبين هذه الأصول، إنما يعود إليها بكل رحابتها، ويرى جيداً وبعين ثاقبة حصيلة التطور الذي لا بد وأن تتشكل من مادته خلاصات متجددة. ما يعني أن خيارنا الاشتراكي يستوعب أهمية الماركسية ووظيفتها في سياق العلوم الاجتماعية، لا ينكرها ولا يتنكر لها، لكنه لا يعتبرها بوابة العلم الوحيد. فالمنظمة، وهي تغادر ترسيمة في فهم الاشتراكية أعلنت نفسها كونية على جميع الصعد لجهة ثبات قوانينها، ولجهة دقة شمولها ولجهة ما تنطوي عليه من حتميات، لن يكون خيارها الاشتراكي ترسيمة كونية بديلة. فالماركسية ضمن الخيار الاشتراكي رافد من الروافد، وبالتالي لا التزام مطلقاً بها ولا عداء مطلقاً حيالها. نفيد من الماركسية بمقدار ما تتصل مقولاتها بتسليح خيارنا الاشتراكي بحيثيات وازنة في اتجاه الصواب، مع الأخذ في الاعتبار واقع التجربة البشرية. وبديلاً عن القول باشتراكية علمية مطلقة اليقين، لا يأتيها الباطل من أي جانب، نريد اشتراكية حمّالة أوجه بقدر ما أن التطور البشري يطرح أوجهاً متعددة ومتباينة بتباين الحقبات واللحظات والمجتمعات.

في خيارنا الاشتراكي، الصعيد الاقتصادي مهم، كذلك الصعيد السياسي مهم، والصعيد الاجتماعي مهم، والصعيد الأيديولوجي مهم. وليس هناك بنية تحتية تقرر وحدها وبنية فوقية تشكل مجرد انعكاس لها، كما أنه ليس هناك بنية تحتية تشكل مجرد انصياع. هناك بنية تجتاز حقبات من التطور ولحظات من التقدم بالغة الغنى والتعقيد، مما يعني أن كل الاصعدة مهمة ومؤثرة.

ثالثاً  في الديمقراطيـة

المبدأ الثاني الذي تقوم عليه هويتنا الفكرية هو الديمقراطية. فالاشتراكية أعلى درجات الديمقراطية. والديمقراطية لا تتحقق وتكتمل إلا بمقدار ما تتجه يساراً. كما  أن  من خصائص مذهبنا في الاشتراكية أنه لا يرى في الديمقراطية وسيلة، بل يرى فيها جوهراً، أي مجتمعاً متعدداً يعترف بمصالح الآخرين، طامحاً إلى تسويات اجتماعية غير محايدة، تحتكم الى آليات ديمقراطية.

والديمقراطية هي التي تضع الحد الفاصل بين إنصاف التراث أو إلغائه اعتباطاً، وهي التي تضع الحد الفاصل بين حداثة بصيرة وحداثة عمياء، لأن الآلية الديمقراطية هي التي تحسم في النهاية مقادير الحداثة وحجم مقادير التراث. والديمقراطية في إطار الحداثة لم تكن مجرد حيلة من حيل البورجوازية، بل إن التاريخ يشهد على أنها خيار فُرض على البورجوازية بقوة الصراع الطبقي، لأن النظام الأمثل للرأسمالية في الأصل ليس النظام الديمقراطي، بل النظام الاستبدادي.

وفي مجال التنظيم، تعلن المنظمة تجاوزها للمركزية الديمقراطية بالمعنى الذي كرسته اللينينية في التنظيم، هذا التجاوز يجد ترجمته في النظام الداخلي لصالح نظام يرسي علاقات ديمقراطية ذات مركز، يسمح بالتعددية في مختلف الميادين الفكرية والسياسية. والقول بعلاقات ديمقراطية ذات مركز هو للتأكيد بأن الديمقراطية لا تعني الفوضى، فالحزب له مركز يصوغ حصيلة مختلف المبادرات. كما وأن القول بعلاقات ديمقراطية ذات مركز يقي التنظيم من الشللية أو الفوضوية، طالما إن التعددية تحتفظ بموقعها.

رابعاً   في العلمانيـة

المبدأ الثالث الذي تقوم عليه هويتنا الفكرية هو العلمانية. وشرط العلمانية أن تقترن بالديمقراطية. فالعلمانية من دون الديمقراطية تتحول إلى استبداد وديكتاتورية على غرار ما شهدته الأنظمة النازية والفاشية والشيوعية وبعض الأنظمة العربية التي استنسخت النظام السوفياتي. ترى المنظمة أن العلمانية ليست عقيدة مطلقة موازية للعقيدة الدينية، بل هي ليست عقيدة إطلاقاً. والعلمانية هي الصيغة التي تؤشر إلى فصل العام عن الخاص، وتؤكد على فصل الدين عن الدولة. ومقابل الفهم المغلوط للعلمانية كعقيدة، ترى المنظمة وجوب فهمها كمسار، وكجزء من عملية مجتمعية كاملة متعددة الأوجه. والعلمانية كانت جزءاً من الحداثة، كما كانت رافعة من روافعها. وفي تجارب العلمنة والعلمانية، قديمها وحديثها، ثبت أن هناك علمانية توسلت تزخيم تطور ديمقراطي لمصلحة المجتمع، فزحفت حثيثاً نحو التمييز اللازم بين العام والخاص، وعلمانية فُرضت سلطوياً وتوتاليتارياً يسهل الإرتداد عنها وعليها.

وفي لبنان، ترى المنظمة أن الوجه الرئيسي لمعركة الديمقراطية في البلد كفاعل مقرر لمجمل صراعاته ومسار تطوره، هو قضية العلمانية. فهي الوجه الرئيسي المعبر عن الحد الفاصل ما بين ديمقراطية قابلة لأن تؤطر كل موروثات البيئة اللبنانية اضطراراً أو اختياراً، وما بين ديمقراطية موصولة بالمستقبل. لذا ترى المنظمة أن معركة العلمانية وليس معركة إلغاء الطائفية السياسية هي جوهر برنامجها في التغيير للنظام السياسي القائم. فشعار إلغاء الطائفية السياسية ولد طائفياً في الأصل، وانتهى طائفياً بشكل فاقع. ولا معنى لإلغاء الطائفية السياسية إلا إذا نظرنا إليه في امتداد الترقي من مجتمع أهلي إلى مجتمع مدني، ومن مجتمع طائفي إلى مجتمع سياسي، لأن المجتمع الطائفي مجتمع تقليدي وعشائري، ولا يتحقق هذا التطور إلا في امتداد التحول إلى درجات متمادية نحو العلمانية.

 

خامساً  الاسم الجديد للمنظمة

كان اسم منظمة العمل الشيوعي الذي أقره المؤتمر الأول للمنظمة عام 1971 تتويجاً للإلتزام الكلي والشامل بالماركسية اللينينية. بعد المراجعة الفكرية والسياسية الشاملة التي أجرتها المنظمة، لم يعد من المنطقي أن يبقى مشروعنا الحزبي متخذاً صفة الشيوعية، كما أن المنظمة لم تعد في مدار الإنتماء إلى الحركة الشيوعية في منطلقاتها النظرية وفي التجربة التاريخية التي كانت لنا.

إن الاسم الجديد يجب أن يشكل تعبيراً وانعكاساً للهوية الفكرية وللتوجهات البرنامجية الجديدة التي قررت المنظمة التزامها. المبادئ الثلاثة التي تحدد طبيعة الاسم الجديد هي:

المبدأ الأول: هو الإنتماء إلى اليسار. والأصل في موقع المنظمة هو اليسار. واليسار مؤشر واضح على موقع في الحياة الاقتصادية الاجتماعية السياسيةالثقافية، من الصراع في المجتمع، له مقاربته، يخاطب مصالح معينة، ويغلّب مصالح معينة.

المبدأ الثاني: هو اقتران اليسار بالديمقراطية. نحن بصدد إعادة بناء يسار يختلف عن اليسار الذي التزمناه وكنا في داخله، والذي غلبت على المساحة الكبرى منه الوجهة التوتاليتارية. نحن نعيد الاعتبار إلى يسار رأى الاشتراكية أعلى درجات الديمقراطية.

المبدأ الثالث: هو اقتران اليسار الديمقراطي بالعلمانية. تريد المنظمة في تنظيمها الجديد إطلاق حركة علمانية لبنانية شاملة، ولا تريد انقلاباً علمانياً في البلد، ما يعني الدعوة إلى انقسام البلد يميناً ويساراً، وعلمانيين تحديثيين وتقليديين.

هكذا على الاسم الجديد ان يكون متصلاً بالهوية الفكرية والسياسية الجديدة

سادساً  في شروط تغيير الاسم

هل يعلن المؤتمر العام الرابع فوراً إلغاء اسم منظمة العمل الشيوعي وإعلان الاسم الجديد لحزب اليسار الديمقراطي العلماني؟، أم أن الأمر يتطلب المرور بمرحلة إنتقالية تسعى المنظمة من خلالها إلى جعل قسمات مشروعها الحزبي القادم واضحة بالمضمون؟ السؤال ليس شكلياً، فالمنظمة ليست بصدد التهرب من المسؤولية عن تجربتها السابقة، ولأنها تتحمل كامل المسؤولية عنها، فإنها أيضاً  مسؤولة عن عرض وشرح مراجعتها النقدية أمام اللبنانيين. أما تغيير إسم المنظمة فإنه يتطلب نقاشاً علنياً صريحاً لإظهار الفارق بيننا وبين الذين لا يزالون ملتزمين الهوية الشيوعية، خصوصاً أن القاعدة العامة لدى جموع اللبنانيين والمحيطين بنا، يعتبرون أن منظمتنا ما زالت لصيقة بهويتها السابقة. إن هذه المسألة ترتب أن يتم تغيير الاسم بعد إدارة أوسع نقاش وسجال ممكن داخل المنظمة وخارجها، وذلك ليكون الأمر ديمقراطياً في علاقتنا بالناس وبالجمهور المعني والمهتم بهذه المسألة. فلا يجوز أن يتخذ الأمر شكل انقلاب فكري يضع الناس أمام أمر واقع.

ورغم أن المنظمة أنجزت شوطاً مهماً نحو إنجاز هذه المهمة، لكنها غير كافية للبت النهائي بالاسم راهناً، لذلك يقرر المؤتمر العام الرابع تحديد فترة إنتقالية مدتها عام، تقوم خلالها المنظمة عبر هيئاتها وفروعها بحملة ندوات وسهرات في كل المناطق اللبنانية، إلى جانب النشر الإعلامي في المجلة وعبر وسائل الإعلام المتاحة طرحاً وسجالاً، لشرح المراجعة الفكرية والسياسية والتوجهات البرنامجية وتعريض خيارات الهوية الاشتراكية والديمقراطية والعلمانية للنقاش، ومعها حيثيات تغيير الاسم، على أن ينعقد، بعد عام، مؤتمر استثنائي يحسم في تغيير الاسم واعتماد اسم جديد.

القسم الثالث

التوجهات البرنامجية والخططية

 

إن منظمة العمل الشيوعي في لبنان، وفي ضوء قراءتها للوضع اللبناني والوضع العربي، تحدد توجهاتها البرنامجية والخططية وفق الوجهة الآتية:

      أولاً  في النظام السياسي اللبناني

 1 – النظام اللبناني هو في ثوابته الموروثة الراهنة المستمرة نظام طائفي يؤطر مساحة من الحريات العامة والتعدد السياسي والانفتاح الثقافي والاجتماعي. لكنه ليس نظاماً ديمقراطياً ناجز التكون بمعنى الانتساب الفعلي إلى الحداثة الديمقراطية في أهم مجالاتها التأسيسية: الدولة الحديثة، والفرد الحديث، وحقوق الإنسان الحديثة، وضروب الانتظام الاجتماعي الحديثة، وقيم الثقافة الحديثة، وآليات التطور البشري الحديثة، وجدلية الاستغلال الطبقي والسيطرة الطبقية الحديثة.

2 – إن إتقاق الطائف تسوية طائفية مذهبية لإصلاح النظام الطائفي اللبناني. أدخل الإتفاق المزيد من الدقة والبلورة والحسم والوضوح في أصول التقاسم الطائفي ـ المذهبي ضمن هذا النظام. لذا لا يمكن اعتبار اتفاق الطائف تسوية تاريخية ناجحة وسليمة لمعضلات لبنان الكيان، ولمعضلات لبنان النظام.

3 – ترى المنظمة أن النظام الطائفي بما فيه تسوية الطائف، يشكل الأساس السياسي لتكوين مؤسسات السلطة على أسس طائفية، الأمر الذي يبرر نشوء وتكون الأحزاب والتيارات الطائفية والمذهبية لتقاسم الحكم وتشكيل الطبقة الحاكمة. إن صيغة النظام الطائفي تشكل قيداً معطلاً لمسار تطور البلد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما يتعارض مع المصلحة الوطنية للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، بالنظر لكونه لم يعد يلبي الحد الأدنى من حاجاتهم وطموحاتهم المستقبلية.

4 ـ إن النظام اللبناني الطائفي في صيغته الراهنة منتج دائم لعدم الإستقرار والفساد السياسي ولأزمات الحكم والصراعات بين مختلف مكوناته، وهو مولّد لمشاريع الهيمنات الطائفية، والنزاعات والحروب بين قواها المغلقة على إصلاح النظام وتحديثه، الأمر الذي لا يمكن له أن يتحقق إلا عبر إطلاق موجة تحديث في مجمل تراكيب المجتمع اللبناني تؤدي إلى إحداث اختراقات في بنيانه وتقييده، واعتماد آليات تشكل خروجاً على القيد الطائفي وقواعد المحاصصة المعتمدة، وذلك من خلال إعادة بناء تيار من القوى اليسارية والعلمانية والديمقراطية والفئات الاجتماعية، صاحبة المصلحة في شق مسار خروج متمادٍ على مسارات التفكيك والانقسام الأهلي الطائفي والمذهبي، وهو ما يبرر كل الدعوات إلى إنتاج برنامج للإصلاح الديمقراطي يدعو إلى طرح العلمنة الشاملة.

5 – إن مشروع التغيير هذا يحتاج إلى اعادة انتاج حركة شعبية متعددة الإتجاهات والانتماءات السياسية والاجتماعية، عابرة للطوائف والمناطق. تعتبر المنظمة أن أحد مهماتها المركزية الانخراط في إعادة إنتاج هذه الحركة التي تشكل ضمانة وطنية ومدخلاً وحيداً لتجديد الحياة السياسية وإخراج البلد من مسارات الإختناق والإنفجار.

  ثانيا   في اليسار وضرورة تجديده

1 – ترى المنظمة أن مبرر وجودها يتعلق بموقعها في اليسار وفي دورها ضمنه. وعلى رغم ما أصاب اليسار من هزائم ومن تقلص دوره على الساحة اللبنانية، إلا أن المنظمة ترى أن اليسار ما زال يشكل حاجة وطنية للبلد  وضرورة  تبرر وجوده  بالنظر إلى طبيعة الدور الذي  يقع على عاتقه في إعادة بناء الحياة السياسية والوطنية على أسس ديمقراطية تستند إلى مصالح أوسع الفئات الاجتماعية وتطلعاتها في التقدم والحداثة، من خلال العودة إلى ما كان يمثله من وجهة فكرية وموقع اجتماعي وخيار سياسي ومسلك نضالي.

2 – ترى المنظمة أن أحد شروط استنهاض اليسار هو تجديد دوره، عبر انخراط قواه في تشخيص دقيق وشجاع لأزمتة. وهو تشخيص لا بد له أن يستعيد نشأة اليسار والمساحة الفكرية والسياسية والاجتماعية التي شكلت مصدر نهضته وأسس دوره. هذا التشخيص لا بد أن يصل بقوى اليسار إلى طرح سؤال: هل يقع احتمال النهوض المتجدد لليسار اللبناني ضمن أفق تاريخي ومرئي؟ وما هي شروط رجحان أو ترجيح مثل هذا الاحتمال؟.

3  – تعتبر المنظمة أن أهم شروط النهوض المتجدد لليسار هي:

 أ تجديد الهوية الفكرية لليسار، على قاعدة المراجعة الفكرية للاشتراكية في ضوء نتائج التجربة المتحققة والتحولات العالمية، وعلى قاعدة قراءة تطور الرأسمالية وأزمتها، وتبيّن حدود الديمقراطية المتحققة نظرية وممارسة.

ب إعادة بناء القاعدة الاجتماعية لليسار: إن هذا البناء لا بد أن ينطلق من إعادة بناء الحركة النقابية بمختلف مرافقها وفئاتها الاجتماعية بما فيها القطاع العام، ومعها المهن الديمقراطية وقطاعات المثقفين وسائر القوى الديمقراطية التي شكل اليسار عاملاً فاعلاً في بنائها وتطويرها.

ج تحديث البرنامج السياسي لليسار: على رغم الأهمية الكبيرة لبرنامج الإصلاح السياسي الذي أقرته الحركة الوطنية، ومن ضمنها المنظمة عام 1975، حيث أن مفاصله الأساسية ما تزال راهنة: الاستقلال الوطني والعروبة الثقافية والسياسية، والديمقراطية المسيجة بالعلمانية والمسلحة بالقاعدة الاجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافيتها، إلا أن المنظمة تدرك أن إعادة بناء القوى الحاملة لهذا البرنامج يتطلب الأخذ في الاعتبار التحولات التي أصابت البلد، واشتقاق التعديلات والمطالب التي تتوافق مع  وضعه الراهن.

د السعي لتوليد كتلة ديمقراطية علمانية بقيادة اليسار: على رغم الإدراك لواقع تقلص القوى الديمقراطية والعلمانية لصالح غلبة طوائفية كاسحة، إلا أن المنظمة وانطلاقاً من رسوخ قناعاتها باستحالة مستقبل لبنان الطائفي، ورغم اعترافها بصعوبة المستقبل العلماني للبلد، إلا أنها تدرك أن إنجاز العلمانية بانقلاب أو بمرسوم هو مجرد سراب، وأن تحقيق العلمانية بسلطة الاستبداد هو بديل أسوأ من الطائفية على سوئها الفادح. لذا تشدد المنظمة على أن العلمانية لا تقوم ولا تستقيم ولا تتحول إنجازاً عصياً إلا بنضال شاق من أجل بناء كتلتها الاجتماعية الراجحة الوزن في ميادين السياسة والثقافة ومؤسسات الانتظام المدني والاجتماعي الحديثة، وهي بحاجة إلى نوابض اجتماعية منتشرة حاشدة. والعلمانية لا يمكن لها أن تتحول إلى نظام سياسي وطيد إلا باستفتاء اللبنانيين على مصيرهم في هذا المجال بكل الحرية والمسؤولية.

وعليه، ترى المنظمة أن هذه المهمات الاستراتيجية لنهوض اليسار هي مهمات مرحلة تاريخية، لا بد أن تتوفر لها قواها، وهي ستسعى لأن تكون مساهمة ومناضلة من أجل تحقيق هذه الشروط.

4 – تعتبر المنظمة أن استنهاض اليسار أمر مطروح أولاً على الأطراف الشيوعية التي شكلت عماد نهضته السابقة. لذا ترى أن العلاقة بين هذه الاطراف لا بد أن تكون متصلة بالهدف السياسي والفكري المتعلق بتجديد اليسار، من موقع الاستقلالية الوطنية عن قوى النظام والطوائف اللبنانية، وعن الالتحاق بالمحاور الاقليمية والعربية بكل اتجاهاتها، ومن موقع الإلتزام بمصالح الفئات الاجتماعية الأوسع.

   ثالثاً في القضية الوطنية

1 – ترى المنظمة أن الخلاف اللبناني ـ اللبناني حول الهوية الوطنية والموقع الوطني للبنان ما زال مستمراً. وإذا كانت عناصر الخلاف تعود لأزمان رافقت ولادة الكيان اللبناني، إلا أنها تصاعدت مع إقامة كيان الإستيطان الصهيوني على أرض فلسطين وما نجم عنه من اقتلاع وتهجير لشعبها، وما شكله من مخاطر حيال لبنان والمنطقة العربية وما نتج عنه من اعتداءات واجتياحات للأراضي اللبنانية . وقد انعكس هذا الخلاف إنقساماً بين اللبنانيين حول طبيعة المقاومات التي واجهته على الأرض اللبنانية العربية الفلسطينية منها أو الوطنية اللبنانية والإسلامية. إن المنظمة تعتبر نفسها في موقع العداء مع الكيان الإسرائيلي وفي خط المواجهة مع مخاطره واستهدفاته حيال لبنان والمنطقة العربية، والتضامن مع القضية الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه.

2 – إن انقسامات اللبنانيين ونزاعاتهم حول هوية الكيان الوطنية وتركيبة النظام السياسي في ظل مشاريع الهيمنة الطائفية والمحاولات الدائمة لتحقيقها عبر الإستقواء بالخارج، شكلت مستندات للتدخلات الخارجية الاقليمية والدولية ومساحات للنفوذ السياسي والعسكري والأمني، واسترهنت البلد لصراعات القوى المتدخلة. كما بررت مشاريع الوصايات التي دفع لبنان كلفتها غالياً، خاصة تلك التي مارسها النظام السوري طويلاً، وساهمت في إعاقة تطوره الديمقراطي، و نهب ثرواته، و قهر اللبنانيين واضطهادهم. وعليه فان المنظمة ومن موقعها الوطني المستقل تشدد على مواجهة كل أشكال الوصاية والتدخلات الخارجية في هذا المجال.

3 – ترى المنظمة أن حزب الله نجح في استكمال ما بدأته جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بعد تحقيق إنجاز التحرير وإجبار جيش الاحتلال الصهيوني على الإنسحاب. غير أن سلاحه تحوّل إلى رافعة لمشروع هيمنة طائفية مذهبية، تحت راية المقاومة وبذريعة تحرير مزارع شبعا والتزام الدفاع عن الوطن ومواجهة المخاطر الإسرائيلية. على ذلك بات سلاح الحزب معضلة وطنية ومصدر انقسام بين اللبنانيين، لأن الدفاع عن سيادة الوطن وحماية حدوده وأرضه، وتحرير ما تبقى منها تحت الاحتلال الصهيوني وترسيم حدوده البرية والبحرية، هي مهام وطنية تقع مسؤوليتها على عاتق الدولة ومؤسساتها وحدها. ومع اندلاع الأزمة السورية أصبح الحزب قوة عابرة للحدود للمشاركة في صراعات المحاور الاقليمية والتدخل في حروبها وأزماتها الكيانية باسم مكافحة الإرهاب، وقد ولّد ذلك مخاطر هددت مصالح اللبنانيين والمصير الوطني على السواء. إن معضلة سلاح حزب الله لا يمكن مناقشتها بعيداً عن المخاطر الاسرائيلية وموقع لبنان في الصراع العربي الصهيوني، في إطار خطة وطنية للدفاع عن لبنان، وفق صيغة تتجاوز شعار نزع هذا السلاح لما يضمره من استسهال الانزلاق إلى حرب أهلية، تعمم السلاح وتبرر التدخلات الخارجية، ولا تحصّن لبنان في مواجهة العدو الصهيوني ومشاريع السلام الأميركي التي يجري الترويج لها. على ذلك فإن المنظمة، رغم معارضتها لهذا السلاح، فهي ترى أنه مشكلة كبرى لا يمكن معالجتها إلا من خلال محاصرته عبر إعادة نهوض مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية بديلاً عن دويلات الطوائف والمذاهب.

4 – كما ترفض المنظمة كل محاولات إلحاق لبنان بالمحاور الدولية والإقليمية المتصارعة في إطار مشاريع السيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها، بإدارة أميركية، من خلال السعي لتفكيك مجتمعاتها على أسس طائفية وعرقية وتسعير الحروب القائمة والمدمرة لكياناتها الوطنية، بعيداً عن مصالح وحقوق شعوبها في التقدم والتطور، وذلك انطلاقاً من تعارض تلك المشاريع مع المصلحة الوطنية اللبنانية وتعريض سلمه الأهلي لشتى مخاطر التفكيك والدمار.

5 – تشكل قضيتا اللاجئين الفلسطينيين والنازحينالسوريين في لبنان أحد عناصر الخلاف اللبناني ـ اللبناني، حيث وعلى امتداد وجودهما في لبنان شكلا مادة للتوظيف السياسي، سواء استقواءً بهم أو تحريضاً عنصرياً ضدهم، والتجاوز على حقوقهم بشكل يخالف أبسط القوانين والمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية بذريعة محاربة التوطين. إضافة إلى محاولات دؤوبة من قبل البعض لتحميلهم المسؤولية عن أزمات البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. على الرغم من تجاهل الأسباب التي كانت وراء وجودهم في لبنان، يتعرض هؤلاء إلى أبشع أنواع الاستغلال الذي يمارَس بحقهم. وبصرف النظر عن الفارق بين قضيتي اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري فإن المنظمة إذ ترفض سياسة العداء العنصري التي تمارس ضد هؤلاء، فهي تدعو إلى تأمين حقوقهم المدنية والإنسانية وحمايتهم من الإذلال والإستغلال.

رابعاً في الوضع الاقتصادي

إذا كانت السياسات الأقتصادية التي أعتمدتها الطبقة الحاكمة تحت راية إعادة الإعمار بكلفة عالية، لم تشكل حلولاً لأزمات الاقتصاد اللبناني ومختلف قطاعاته، التي خرجت منهكة من الحرب الأهلية المدمرة، فإن غياب الإستقرار السياسي في البلد وصراعات أهل الحكم المتواصلة وشلل مؤسسات الدولة وعجزها ساهم في تفاقم تلك الأزمة التي بات معها الوضع الاقتصادي على حافة الانهيار. تتجلى الأزمة في ضعف القطاعات الإنتاجية، وفي هيمنة الاقتصاد الريعي، وفي ارتفاع الدين العام، وفي توجيه الرساميل المصرفية خارج مصلحة القطاعات المنتجة، وفي ارتهان قسم اساسي من الاقتصاد للخارج. تدور الأزمة على نفسها دون أن تجد الطبقة الحاكمة حلولاً لها. إن منظمة العمل الشيوعي ترى أن الخروج من الأزمة الإقتصادية يتطلب التصدي لجملة مسائل:

1 – التوجه لإعادة تحفيز القطاعات الإنتاجية خصوصاً في الزراعة والصناعة، وتأمين الموازنات اللازمة لها، ووضع سياسة اقتصادية ترفع من حصة هذه القطاعات في الناتج العام.

2 –  لا بد من وضع حد لتراكم الدين العام، الذي يستهلك القسم الأساسي من واردات الدولة.

3 – إن واردات الدولة تعاني من تقلص حجمها. ينجم ذلك عن نهب المال العام، وسيطرة قوى فئوية على بعض مرافق الدولة، وانتشار الفساد بشكل مريع، والتهرب الضريبي، ونهب الثروات العامة والسطو على الأملاك العامة.

4 – إن سياسة الإنفاق تحتاج إلى ترشيد والحد من الإنفاق غير المجدي، ومنع النهب خاصة في المشاريع الاستثمارية. وكذلك منع التوظيف غير المجدي.

5   يفتقد البلد إلى سياسة إنماء متوازن بين مناطقه وشرائحه، وهو أمر يزيد من تفاقم التفاوت الطبقي بين فئاته الاجتماعية، ويزيد من التوتر الأمني في البلاد.  

6 –  لا بد من إعادة النظر بالسياسة الضريبية القائمة، والتي يقع عاتقها على معظم الفئات الشعبية والمتوسطة، وذلك نحو ضريبة تطال الفئات الميسورة. والأساس في هذا المجال يكون في زيادة معدلات الضريبة على شركات الأموال ومنها القطاع المصرفي. كما يتوجب فرض ضرائب على أرباح الشركات وعلى الربح العقاري. كذلك مطلوب إعادة النظر بالسياسة المالية بما يساعد الاقتصاد على خلق فرص عمل.

خامساً في القضية الاجتماعية

 1 – أدت السياسات الاقتصادية المعتمدة وتجاهل الصعيد الاجتماعي، في ظل أزمات الحكم المتوالية محطات وفصولاً، إلى مسلسل لا نهاية له من الأزمات الاجتماعية التي طالت أكثرية الفئات محدودة الدخل وما تبقى من الطبقة الوسطى. نجم عن ذلك تفاقم الأزمة المعيشية، وارتفاع  معدلات الفقر وما دونه، واتساع البطالة، وانخفاض القيمة الفعلية للأجور وتراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية، وانهيار الخدمات العامة في كافة المجالات خاصة على صعيد الصحة والسكن والكهرباء والمياه والنقل والبيئة، وتحولت إلى قطاعات مستباحه من مافيات أهل الحكم. أما الاستثمار المالي والطائفي في قطاع التعليم الأساسي والجامعي فقد نما وتوسع على حساب التعليم الرسمي الذي تراجعت مستوياته تحت وطأة التدخلات الطائفية والسياسية والإهمال الذي تعرض له. وعلى ذلك بات المواطن يدفع كلفة الخدمات مضاعفة. وهي أمور تهدد البلد بانفجار اجتماعي. إن المنظمة ترى نفسها معنية بتجديد التزامها حقوق ومصالح الفئات الشعبية والاجتماعية وإعادة بناء موقعها ودورها في النضال معها من أجل الحد من المفاعيل السلبية لهذه السياسات الاقتصادية.

2 – تناضل المنظمة ضد سياسات توظيف القضايا الاجتماعية في صراعات القوى الطائفية واستغلالها لتسعير الانقسام الطائفي والمذهبي، وتقديمها على أنها قضايا وحقوق تخص طائفة محددة أو حزباً بعينه. وهو الأمر الذي يؤدي إلى عقد الصفقات والتسويات بشكل يتعارض مع حقوق الفئات الاجتماعية ومصالحها العابرة للطوائف والمناطق.

3 – إن التصدي لسياسات السلطة المنتجة للأزمات الاجتماعية سيظل مرهوناً بمدى مشاركة القوى التي تسحقها تلك الأزمات والفئات المتضررة منها، ومدى وعيها لحقوقها ومصالحها واستعدادها للنضال دفاعاً عنها  وتحقيقاً لها بعيداً عن انتمائها الطائفي أو المناطقي، الأمر الذي يفترض تفعيل دور النقابات والمؤسسات الديمقراطية، والسعي إلى تأطير كتلة شعبية تضم الفئات الشعبية التي تعاني من آثار سياسة الرأسمالية وقواها الطائفية. وهي مهمة تعتبر المنظمة أن الانخراط فيها يشكل أحد مبررات وجودها.

 

سادساً   قضية المرأة

أولت المنظمة قضية المرأة اهتماماً بالغاً منذ قيامها. وكان للتجمع النسائي الديمقراطي دور بارز في نضال المرأة والحركة النسائية. إن المنظمة تؤكد على تحقيق مطالب المرأة اللبنانية في المساواة الكاملة مع الرجل في الحقوق المدنية والسياسية، وتدعو إلى قانون مدني للأحوال الشخصية يساهم في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل وبين اللبنانيين مهما كانت انتماءاتهم الدينية. كما تدعو المنظمة إلى الغاء النصوص المعمول بها في شأن حرمان المرأة اللبنانية من حقها في إعطاء الجنسية لأولادها.

وفي هذا السياق، يُسجل للتجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، نجاحاته في تكريس موقعه طرفاً رئيسياً في الحركة النسائية اللبنانية، وإطاراً ديمقراطياً متجدداً ومتميزاً في مسيرتها النضالية، ومساهماً أساسياً في إطلاق المبادرات التي تستهدف ترقية دور المرأة في التزام قضية تحررها الاجتماعي في إطار تحرر المجتمع.   

سابعاً   هموم الشباب وقضايا المجتمع المدني

1 – يعاني الشباب من هموم، منها ما يعتبر جزءاً من الأزمة العامة التي تضرب البلد، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومنها ما هو خاص بالشباب أنفسهم. إن المنظمة ترى من واجبها التوجه إلى الفئات الشبابية، والسعي إلى مواكبة مشاكل الشباب وهمومه، كما تسعى إلى أن تكون لهم تنظيماتهم ومطالبهم الخاصة.

2 – على رغم كل الالتباس في مفهوم المجتمع المدني في لبنان، وفوضى تنظيماته، والتباس ارتباطاته السياسية، إلا أن المنظمة لا يسعها سوى إيلاء هذه المجموعات ما تستحق من اهتمام، وذلك في سياق توجهاتها إلى جميع الفئات الديمقراطية والشعبية في البلد.

 ثامناً   الحريات الديمقراطية

إن الحريات الديمقراطية، بما هي حرية الرأي والتعبير والإعلام، والعمل الحزبي. هي من المسائل الجوهرية التي تعتبر المنظمة نفسها معنية بالدفاع عنها، نظرية وممارسة. وترى أن المس بهذه الحقوق هو وسيلة لتكريس حكم ديكتاتوري في البلاد. يكتسب الدفاع عن الحريات الديمقراطية أهمية كبرى في لبنان بالنظر إلى المسار الذي يسعى الحكم إلى تكريسه نهجاً في السلطة، لجهة الانفراد والتسلط.

 

 

تاسعاً حول الإعلام

يشكل التعبير الإعلامي موقعاً مركزياً في تقديم الخط السياسي والدفاع عنه. تشكل مجلة المنظمة بيروت المساء، منبراً أساسياً في هذا المجال. ترى المنظمة ضرورة التفاعل مع إصدارها والمساهمة في إغنائها وتحويل المجلة إلى ساحة حوار فكري وسياسي واجتماعي مفتوح.

عاشراً حول أهلية المنظمة في حمل هذه التوجهات الخططية والبرنامجية

ما تزال المنظمة مسؤولة عن الجواب عن سؤال محال إليها من المؤتمر العام الثالث: هل من حيز لدور تضطلع به المنظمة سعياً إلى استنهاض اليسار؟ وفي أي ميادين تتركز اتجاهات هذا الدور وخصوصياته؟ وما هي احتمالات وشروط نهضة المنظمة بأعبائه؟

إن تجديد اليسار واستنهاضه مشروط بتجديد هويته الفكرية، وإعادة بناء قاعدته الاجتماعية، وتحديث برنامجه السياسي، وتوليد كتلة ديمقراطية علمانية بقيادته. في هذا المجال، وإذا كانت المنظمة معنية بالشروط الأربعة، إلا أن أهليتها في تجديد الهوية الفكرية لليسار عليها أكثر من علامة استفهام. إن هذه المهمة هي عملية تاريخية لا تقع على عاتق طرف حزبي محدد، وهي تحتاج إلى مناخ تسود فيه ثقافة سياسية عمادها الديمقراطية والعلمانية، وهو أمر غير متوفر، إلى حد بعيد، في المناخ الثقافي والسياسي في لبنان.

إن المنظمة، اذ تطرح هذه التوجهات، لا يمكنها أن تتجاهل قراءة ميزان القوى الذي يحيط بمسعاها للاضطلاع بدور مبادر في استنهاض اليسار اللبناني. فالمنظمة تبدو الآن وحيدة في هذا المسعى، وحين يتعلق الأمر بوضع الخطة العملية لتوظيف ما تبقى من مقومات أهلية المنظمة وطاقاتها الفكرية والسياسية والتنظيمية في اتجاه مواجهة أزمة اليسار اللبناني، يجدر بنا أن ندرك أن منظمتنا تتنكب هذه المهمة اليوم منفردة في معزل عن أي حراك ضمن بيئة اليسار بمجمله وإلى أمد غير منظور.

 

القسم الرابع

  من المؤتمر الثالث إلى المؤتمر الرابع

 

تقديـم

شكلت الفترة الممتدة من اختتام المؤتمر العام الثالث في مطلع العام 2013، والفترة الراهنة في العام 2018، مرحلة أساسية في حياة المنظمة. لعل أبرزها خروجها النهائي من الإنكفاء الطوعي الذي فرضته على نفسها، نحو تجديد الإنخراط في الحياة السياسية والنضالية بمختلف أشكالها. في السنوات الخمس الماضية، اختبرت المنظمة أهليتها، من خلال ترتيب أوضاعها التنظيمية، وإصدار ونشر بعض وثائقها الحزبية التي حملت المراجعة  النقدية الجذرية التي أجرتها لهويتها الفكرية وخطها السياسي وبرنامجها النضالي وممارستها العملية، وأشرّت إلى توجهاتها الفكرية والسياسية الجديدة. كما استعادت المنظمة  تعبيرها الإعلامي من خلال إصدار مجلة بيروت المساءفي صيغة منتظمة شهرية، إضافة إلى إصدار بيانات سياسية باسم المنظمة.

وتميزت هذه الفترة بإنخراط المنظمة، قيادة وقاعدة، في نقاش سياسي لمجريات الحياة السياسية اللبنانية على كافة الأصعدة، إلى جانب قضايا الوضع العربي خصوصا المسألة السورية والقضية الفلسطينية. كما انخرطت المنظمة في المشاركة في الحراك الاجتماعي الذي شهده البلد خصوصاً في السنوات الثلاثة الأخيرة، فاستنهضت قواها من الأعضاء والأصدقاء. واستكمالاً للخروج من الإنكفاء، أحيت فروع المنظمة في بيروت والبقاع والجنوب ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فشكلت المناسبات الثلاث امتحاناً لموقع المنظمة السياسي والشعبي، ومحطة مهمة في تأكيد حضورها.

وانطلاقاً من القضية المركزية التي تلتزمها المنظمة وتدعو إليها، وهي المتعلقة بتجديد اليسار اللبناني، سعت إلى استعادة العلاقة مع الحزب الشيوعي بعد انقطاع مديد مرده غلبة الافتراق السياسي بين الطرفين واختلاف النظرة لمجمل قضايا الوضع القائم. كانت مناسبة الانتخابات البلدية محطة تمهيدية لتجديد التواصل مع الوسط الشعبي والإنخراط في الاستحقاق الانتخابي، كما كانت مناسبة إختبارية مهمة استفادت منها المنظمة في تعزيز صلتها بقضايا الناس ومطالبهم. أما الإنتخابات النيابية، فقد كانت المحطة الأهم لإستعادة المنظمة موقعها السياسي والشعبي، بعد أن اتخذت قراراً بالتعاطي الإيجابي مع الإنتخابات، ترشيحاً واقتراعاً. ساهمت مشاركة المنظمة في جلاء موقعها وتكريس حضورها وترصيد قواها، كما شكلت مناسبة  لتجديد العلاقة بين الحزب والمنظمة

كان لا بد للمنظمة من تتويج هذه المحطات النضالية بعقد مؤتمرها العام الرابع وإصدار وثيقة سياسية برنامجية ترشد خطاها في المراحل المقبلة، والعمل على ترصيد الوضع التنظيمي وتشكيل الأطر المناسبة لتطويره، ورسم خارطة طريق التوسع وإعادة بناء الموقع الإجتماعي وتعزيز الصلة بالوسط الصديق والانفتاح على  الأوساط والقوى الديمقراطية  واليسارية في البلد.

يرصد هذا التقرير أبرز محطات الممارسة النضالية للمنظمة في السنوات الخمس على شكل خلاصات دالة ومعبرة.

  *  استكمال العملية الحزبية والإنخراط في الممارسة العملية

فور انتهاء أعمال المؤتمر العام الثالث، فُتحت ورشة تنفيذ قراراته عبر استكمال العملية الحزبية وتطبيق اللائحة الداخلية. تركز العمل على عقد مؤتمرات الفروع الحزبية في بيروت والجنوب والبقاع، عبر جمعيات عامة، وإعادة تشكيل الوحدات الحزبية، وتشكيل هيئات مسؤولة عن كل فرع، وأخيراً انتخاب أمناء سر لها.

واستكمالاً لذلك، انخرطت الهيئة القيادية في نقاش خروج المنظمة من الإنكفاء والخطوات الأساسية اللازمة لذلك. جرى اعتبار إصدار بطاقة تعريف بالمنظمة المدخل في هذا المجال. تقرر إصدار هذه البطاقة تحت عنوان: “منظمة العمل الشيوعي في لبنان: مسيرة حزبية وانتساب فكري“. في العام 2015، اتخذ المكتب التنفيذي قراراً بالخروج نهائياً من مرحلة الإنكفاء، بعد الخروج المتدرج عقب انعقاد المؤتمر العام الثالث. وقد اعتبر المكتب أن المنظمة غالت في إطالة فترة الإنكفاء الذي بدا غير مبرر أحياناً. من أجل ذلك، تقرر إعادة إصدار مجلة بيروت المساءبشكل دوري، حاملة مواقفنا السياسية، ثم إصدار قرارات المؤتمرين العامين الثاني والثالث، وما تراه المنظمة مناسباً من وثائق. جرى اعتبار إصدار قرارات المؤتمرين العامين الثاني والثالث المرحلة الأخيرة من الخروج من الإنكفاء. صدرت القرارات في كتاب حمل اسم أوراق يسارية، نصوص حزبية لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، الذي اعتبر بمثابة بطاقة التعريف عن المنظمة، بالنظر إلى ما تضمنه من المفاصل الأساسية للمراجعة الفكرية والسياسية التي أجرتها المنظمة في تسعينات القرن الماضي.

في موازاة ذلك، توقف المكتب التنفيذي أمام كتاب في الاشتراكية، نص نقدي تحليلي لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، وهو الذي صدر في سياق المراجعة، حاملاً نقداً لهويتنا الفكرية وتوجهات جديدة لما ستلتزمه المنظمة. الكتاب صدر في العام 1993، لكنه لم يأخذ حقه في النقاش في المنظمة نظراً للأزمة التي ولدتها المراجعة النقدية وما أحاط بها من مضاعفات وردود فعل داخلية، في صيغة انهيارات في صفوفها، سواء في الحلقة القيادية أو الجسم الحزبي. وبالنظر إلى أهمية النص من حيث الفرادة والتمييز في مراجعة ونقد الماركسية اللينينية، تقرر إعادة إصداره وتوزيعه بشكل واسع، وإنخراط المنظمة، قيادة وقاعدة في نقاشه، بالنظر لما يشكله من أهمية على صعيد نقد ومراجعة الهوية الفكرية التي التزمتها المنظمة، وما يترتب عليها في ما خص مسألة تجديد اليسار على صعيد الهوية والبرنامج والاسم. بالإضافه إلى السعي قدر الإمكان لجعله مادة للنقاش والسجال خارج المنظمة.

بعد الصدور الدوري للمجلة، بدأت المنظمة في إصدار مواقف سياسية من الأحداث الجارية، لبنانياً وعربياً، وهي مواقف كان لها صدى واسعاً، اتسم بالتأييد من جهات واسعة، وبالنقد والشجب من أوساط أُخرى. فالخط السياسي المستقل والمنطلق من المصالح الوطنية واللبنانية والعربية، والنقد الشامل لمجمل الأنظمة العربية، ما كان له أن يمر بسلاسة  أو قبول من أوساط عديدة.

تنوعت وتعددت المواضيع السياسية والاجتماعية التي خضعت لنقاش في المكتب التنفيذي، وهي نقاشات مكثفة، كانت محصلتها تُنقل إلى الوحدات الحزبية. من نقاش استقالة الحكومة، إلى الدور السوري المتجدد بفاعلية في لبنان، ومشاركة حزب الله في القتال إلى جانب النظام في إطار التدخل الإيراني. إلى انعدام أهلية الطبقة الحاكمة والفراغ في موقع رئاسة الجمهورية والعجز عن انتخاب رئيس،  والممارسات التعطيلية وشل الحكومة ومجلس النواب والتمديد له أكثر من مرة.

استحوذ الوضع العربي على حيز واسع من نقاشات المنظمة بين المؤتمرين. لكن الأزمة السورية والقضية الفلسطينية استحوذتا على الحيز الأكبر من المتابعة.

  *  على صعيد الأزمة السورية

 أثبتت الوقائع صحة ما توقعته المنظمة منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة، من أن سوريا سائرة إلى حرب أهلية مديدة، ما سيهدد كيانها ومصيرها معا. قرأت المنظمة استعصاء نظام الحكم على التسوية، كما قرأت مأزق المعارضة التي تتوزع ولاءاتها قوى اقليمية ودولية.

أما على صعيد القضية الفلسطينية، وانطلاقاً من الثوابت الموروثة والمستجدات والتطورات الراهنة في قراءة القضية الفلسطينية والموقف منها، جرى نقاش القضية من زوايا عديدة أبرزها: حقوق الشعب الفلسطيني إلى أين، الحركة الوطنية الفلسطينية وأي أفق راهن لها، البرنامج الوطني وكيف يتجدد،  مأزق القضية الفلسطينية والتحديات المصيرية، قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والدفاع منفرداً عن وجوده ونيل حقوقه، الإنقسام ومخاطره والوحدة وسبل إستعادتها، المضاعفات السلبية للوضعين العربي والدولي في مساراتهما الجديدة.

   *  المشاركة في الحراك الاجتماعي والمطلبي

في مسار تكريس عودة المنظمة إلى ميدان الممارسة، قررت المشاركة في التحركات الاجتماعية والمطلبية، سواء من خلال التعبير السياسي أو عبر الانخراط في النشاط الميداني. كما تفاعلت المنظمة مع نشاط هيئة التنسيق النقابية الخاص بسلسلة الرتب والرواتب، وكانت لها ملاحظاتها النقدية على برنامج التحرك وشعاراته وإدارته، بالنظر إلى انعدام استشراف الواقع السياسي لدى قيادة هيئة التنسيق وما يمكن تحصيله في ظل وضع متأزم. كما طال النقد انزلاق الهيئة إلى البهرجة الإعلامية، ناهيك بكونها باتت أسيرة القوى الطائفية الحاكمة التي تسعى لمصادرة الحراك.

وكان للمنظمة دور فاعل وأساسي في الحراك الذي قامت به لجنة المستأجرين رفضاً لقانون الإيجار الذي أقره المجلس النيابي. تميزت مشاركتها في صياغة المواقف وتعيين الشعارات وقيادة حملة الاعتراض على القانون وتعديله، والمساهمة في إنتاج  ثقافة جديدة حول حق السكن في لبنان.

في آذار من العام 2017، اندلع حراك اجتماعي رفضاً للضرائب التي كان الحكم ينوي إقرارها، تجلى ذلك في تظاهرة ضخمة في 19 آذار. شكلت مشاركة  المنظمة في التظاهرة محطة مهمة  في مسار تجديد الحضور سواء من خلال التعبير الإعلامي أو حجم المشاركة المستقلة والحاشدة من الرفاق والاصدقاء، الأمر الذي  فاجأ الكثير من القوى.

   *  إحياء ذكرى تأسيس المنظمة وجبهة المقاومة الوطنية

نظم فرع البقاع نشاطاً بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لتأسيس المنظمة، عبر دعوة عشاء، ضم حشداً واسعاً من الرفاق والمناصرين. ألقيت كلمة في المناسبة من مسؤول الفرع حدد فيها توجهات المنظمة الجديدة وطبيعة نقدها لتجربتها واتجاهات خطها السياسي. اتخذ النشاط طابع مهرجان سياسي بالنظر لحجم المشاركة والأصداء الإيجابية وردود الفعل المؤيدة.

في المقابل، كان فرع بيروت قد بدأ بتنظيم ندوات شهرية حول مواضيع محددة، من قبيل القضايا الاجتماعية والإنتخابات النيابية. كانت ندوات ناجحة في التعريف بالمنظمة بعد نهضتها الجديدة وتوجهاتها السياسية والفكرية.

أما النشاط الأهم، فكان القرار بإحياء ذكرى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية خلال شهر أيلول من العام 2017. هدف القرار إلى إعادة إبراز  دور هذه الجبهة ومساهمتها في إنجاز التحرير وجلاء مشاركة المنظمة فيها، وما تعرضت له من تجاهل وتزوير من قبل الآخرين. في هذا المجال، انعقدت ندوة أولى في بيروت بعنوان: “المقاومة الوطنية اللبنانية والانقسام الأهلي، والثانية في صيدا الجنوب بعنوان: “جبهة المقاومة الوطنية، نشأة ومسارًا ومآلا، والثالثة في سعدنايل البقاع بعنون: “جبهة المقاومة الوطنية: خيار التحرير والتوحيد والديمقراطيةإلى جانب تكريم أحد قادة الجبهة الرفيق الراحل محمود الشوباصي عضو قيادة المنظمة. تحدث في الندوات الثلاث رفاق من قيادة المنظمة.

  *  العلاقة مع الحزب الشيوعي اللبناني

كانت العلاقة مع الحزب الشيوعي دوماً قضية داخلية في المنظمة منذ المؤتمر العام الثاني مطلع هذا القرن. اتسمت هذه العلاقة بالانقطاع لفترة مديدة نتيجة الافتراق في النظرة السياسية لمجمل قضايا الوضع اللبناني من جهة، وللموقف السلبي الذي ساد في أوساط الحزب تجاه المنظمة والذي وصل إلى التبشير بانتهاء المنظمة وزوالها من الوجود، وهو رأي كانت قيادة الحزب وقواعده تجهر به. لكن المنظمة لم تعتبر نفسها يوماً في حال قطيعة مع الحزب، بل كانت دائماً تسعى إلى علاقة بين الطرفين حيث يمكن. وهي قامت بمبادرات وسعت إلى تفعيلها، لكن استمرار حجم الافتراق مع مواقف الحزب وسياساته حال دون انتظام الصلة بالنظر لعدم الجدوى من اللقاءات الشكلية.

  *  الإنتخابات البلدية والنيابية

شكلت مناسبة الإنتخابات البلدية في العام 2016 فرصة أخرى للخروج من الإنكفاء، عبر القرار بخوضها في المناطق التي لنا تواجد فيها. تضمن القرار التعاطي مع الإنتخابات ترشيحاً واقتراعاً، وأن يكون ترشيح رفاقنا أو أصدقائنا معللاً ومشروحاً بالسياسة. هكذا انخرطت المنظمة في تحالفات مع قوى ديمقراطية ويسارية، خصوصاً في البقاع والجنوب. سجلت اللوائح التي دعمناها نتائج جيدة عكست موقع المنظمة الشعبي.

بالنسبة إلى الإنتخابات النيابية، بدأ تعاطي المنظمة مبكراً مع الإنتخابات النيابية، أي قبل أكثر من عام على موعد إجرائها. اعتبر المكتب التنفيذي أن الإنتخابات محطة استثنائية في عودة المنظمة إلى إستعادة موقعها السياسي والشعبي. بدأ التعاطي من خلال نقاش قوانين الإنتخاب المطروحة، ودورها في إعادة تركيب الحياة السياسية.

أصدرت قيادة المنظمة بياناً سياسياً حمل رأيها في القانون نفسه وسلبياته، وتشخيصاً للطبقة السياسية التي وضعت قانوناً يعيد إنتاجها، وأن تكون الإنتخابات مناسبة لاستنهاض القوى الديمقراطية وقوى اليسار. وخلص بيان المنظمة إلى تحديد القاعدة التي سنخوض الإنتخابات على أساسها وتتلخص بـ :”نخوض الانتخابات من موقع الاستقلالية، وعلى قاعدة رفض اللقاء أو التحالف مع قوى السلطة والقوى الطائفية أو مع القوى التي تواليها، أو مع القوى التي تصنف نفسها مجتمعاً مدنياً فيما تقيم علاقات مشبوهة مع قوى في السلطة“.

*  التجمعات الديمقراطية في المنظمة

خلال فترة الإنكفاء، تقلص دور أطر العمل الديمقراطي والشعبي للمنظمة، وبعضها لم يعد له وجود. فقط، تمكن التجمع النسائي الديمقراطي وبدور مبادر من قيادته التاريخية من تجديد برنامجه وخطط عمله وهيكليته ونجح في التوسع قاعدياً ومناطقياً والتحول إطاراً ناشطاً وطرفاً فاعلاً في الحركة النسائية. يتمتع التجمع اليوم بموقع متميز في الحركة النسائية في البلد، ويحظى باحترام كبير، بالنظر إلى خطه المستقل وإلى نشاط الرفيقات والأعضاء في عمل التجمع.

أما سائر التنظيمات، خصوصاً العمالية والشبابية والطلابية، فقد تفككت وانهارت. خلال العامين الماضيين، أمكن بنجاح إعادة تأسيس تجمّع الشبيبة الديمقراطي، بمشاركة شبابية جديدة تشكلت من ناشطين في الحراك المدني وفي الإنتخابات البلدية. جرى تنظيم أكثر من مخيم شبابي وعدد من الأنشطة، أثمرت تشكيل هيئة عامة واختيار هيئة إدارية وتشكيل فروع للتجمّع في بيروت والبقاع والجنوب، ضمت ناشطين يعملون على تكريس وضع التجمع من خلال تحديد الأهداف ومبادىء العمل وخطط يجري العمل على تنفيذها وفق ما هو متاح من إمكانات.

  *  المؤتمر العام الرابع للمنظمة

 تدرج البحث بانعقاد المؤتمر العام الرابع مع تطور مسار مختلف أوجه الممارسة الحزبية، السياسية منها والإعلامية والنضالية، إلى جانب استكمال العملية التنظيمية الداخلية. انطلق النقاش حول المؤتمر الرابع صيف عام 2017، وجرى تحديد الوثائق الفكرية والسياسية والتنظيمية التي ستشكل مادة انعقاده. وفي مطلع العام 2018 اعتبر المكتب التنفيذي نفسه لجنة تحضيرية وكلف لجنة الإعلام المباشرة في إعداد الوثائق وإحالتها للمناقشة والإقرار ليبدأ مسار الإنعقاد الذي يختتم مهام المؤتمر.

 

القسم الخامس اللائحة النظامية لمنظمة العمل الشـيوعي في لبنان

 

تقديـم

توقف المؤتمر العام الرابع لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان أمام ضرورة إقرار لائحة نظامية انتقالية للمنظمة تنطلق من موقعها الحزبي الراهن من ناحية، وتستوعب الإنجازات المحتملة لمسيرتها من ناحية ثانية، وتجسد مبادئ الخيار التنظيمي الذي اعتمدته في إطار مراجعتها النقدية من ناحية ثالثة. وانتهى المؤتمر من وقفته هذه إلى إقرار لائحة نظامية جديدة، تلغى بموجبها كل نصوص ومفاعيل اللوائح السابقة.

 

أولاً : التزامات العضوية المنتسبة راهناً إلى منظمة العمـل الشـيوعي في لبنان

 

تشكل منظمة العمل الشيوعي في لبنان في واقعها الراهن اتحاداً طوعياً لمناضلين انتسبوا إليها، في تواريخ مختلفة من مسيرتها الممتدة خمسة عقود حافلة على صعيدي الطرح الفكري والممارسة السياسية والنضالية والعملية.

 

وتستند التزامات العضوية المنتسبة إلى المنظمة في واقعها الحزبي الراهن والمأمول إلى ما أقرته المؤتمرات العامة الثاني والثالث والرابع، من وثائق تناولت مسار التجديد الفكري السياسي في المنظمة خلال عقدين (1982-2002) من ناحية، وحدود أهلية المنظمة للاضطلاع بدور متميز ومبادر في استنهاض اليسار اللبناني من ناحية ثانية، وتوجهات خططية لتوظيف ما تبقى من مقومات أهلية المنظمة وطاقتها الفكرية والسياسية والتنظيمية في اتجاه مواجهة أزمة اليسار اللبناني من ناحية ثالثة، وبطاقة التعريف بمنظمة العمل الشيوعي في وضعها الراهن: هوية فكرية وخطاً سياسياً من ناحية رابعة وأخيرة.

 

ثانياًحقوق العضوية المنتسبة راهناً إلى المنظمة

 

تستند حقوق العضوية، المنتسبة راهناً إلى منظمة العمل الشيوعي في لبنان، إلى خيار الديمقراطية غير المقيدة بأي قيد مبدئي على صعيد ممارسة العلاقات التنظيمية، بديلاً من المذهب التنظيميالسابق الذي كان معتمداً تحت عنوان المركزية الديمقراطية دستوراً صارماً لعلاقاتنا الحزبية ردحاً طويلاً من الزمن.

 

على أن العلاقات التنظيمية الديمقراطية، المفتوحة وغير المقيدة، لا تتعارض مع وجود مركز يسهر على تطبيق التزامات العضوية المنتسبة وحماية حقوقها في آن، ويؤمن الوحدة السياسية والنضالية الطوعية للمنظمة على قاعدة حرية الرأي الفكري وممارسة الاجتهاد السياسي وحق التعبير عن المواقف المتنوعة داخل المنظمة وخارجها. على أن يقترن ذلك كله باحترام المواقف التي تصدر سالكة طريق النقاش المفتوح والاقتراع الحر، بحيث يكون قرار الأكثرية نافذاً ويكون رأي الأقلية واضحاً.

ويحتل حق الترشيح الحر والاقتراع الحر لكل الأطر والمواقع والمراكز التنظيمية مكانة رئيسية غير قابلة للانتقاص ضمن حقوق العضوية المنتسبة وآليات الحياة الحزبية الداخلية للمنظمة.

 

ثالثاًالبناء الداخـلي للمنظمة

 

يتكون البناء الداخلي للمنظمة من الأطر والمواقع التنظيمية الآتية: المؤتمر العام ـ الأمين العام ـ المكتب التنفيذي ـ مؤتمر المنطقةهيئة المنطقة والخلايا.

 

أ   المؤتمـر العـام

 

1 – يتألف المؤتمر العام من جميع الأعضاء العاملين في مواقع الانتساب الحزبي وينعقد دورياً في صيغة جمعية عامة للمنظمة.

 

2 – يتخذ المؤتمر العام في دورة انعقاده العادية، وفي أي دورة استثنائية يعقدها، القرارات اللازمة في خصوص الهوية الفكرية للمنظمة وخطها السياسي وتوجهاتها الخططية وقضايا عملها التنظيمي.

 

3 – ينعقد المؤتمر في دورته العادية كل سنتين. كما يمكن عقد مؤتمر استثنائي أو كونفرانس عندما تدعو الحاجة، وذلك بناء لدعوة الأمين العام أو المكتب التنفيذي، أو بناء لطلب ثلث أعضاء التنظيم.

 

4 – ينتخب المؤتمر العام أميناً عاماً للمنظمة ومكتباً تنفيذياً لإدارة الشؤون الحزبية.

 

أ الأمــين العـام

 

1 – يضطلع الأمين العام بأعباء المبادرات الفكرية السياسية الأساسية من ناحية، ويرعى مسيرة المنظمة نحو تنفيذ توجهاتها الخططية الحزبية من ناحية ثانية.

 

2 – يمارس الأمين العام دور الناطق الرسمي باسم المنظمة استكمالاً للمواقف والوثائق والبيانات الصادرة باسم المنظمة وعن مختلف هيئاتها المخولة.

 

3 – يرعى الأمين العام عمل المكتب التنفيذي بما يساعد على تحويله إلى مرجعية حزبية مسؤولة عن قيادة عمل المنظمة في مختلف المجالات.

 

ج المكـتب التنفيـذي

 

1 – يشكل المكتب التنفيذي الهيئة القيادية الأولى التي تتولى مهمة تنظيم وتزخيم مسيرة المنظمة نحو تنفيذ مضمون القرارات والوثائق الصادرة عن المؤتمر العام. وهو يقوم بإشراف الأمين العام مقام المؤتمر بين دورات انعقاده العادية والاستثنائية.

 

2 – يضطلع المكتب التنفيذي، وعلى وجه الخصوص، بمهمة المتابعة اللازمة لوضع التوجهات الخططية للمنظمة موضع التطبيق لدى جميع فروع التنظيم.

 

3 –  يتألف المكتب التنفيذي من عدد من الأعضاء يقرره المؤتمر العام في ختام دورته. ويتم انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي من بين أعضاء المؤتمر على القاعدة التنظيمية الديمقراطية القاضية بأن الترشيح علني ومعلل والإقتراع سري.

 

4 – ينتخب المكتب التنفيذي من بين أعضائه أميناً للسر يضطلع بمهمة ضبط محاضر اجتماعاته وتعميم قراراته ومتابعة شؤونه الإدارية. كما يتابع أمين السر مع أمناء سر هيئات المناطق والفروع كل ما يتصل بعمل هذه الهيئات. ويتولى أمين السر مهمة إدارة جلسات المكتب التنفيذي وتأمين سير أعماله في غياب الأمين العام.

 

د   مؤتمر المنطقة أو مؤتمر الفرع

 

1 – يتألف مؤتمر المنطقة من جميع الأعضاء العاملين في مواقع الإنتساب الحزبي في نطاق المنطقة أو الفرع.

 

2 – يشكل مؤتمر المنطقة أو الفرع إطاراً جماعياً لمناقشة الوثائق والقرارات الصادرة عن المؤتمر العام، وتنفيذ ما يخصها من التوجهات الخططية العامة للمنظمة. كما يرفع الاقتراحات والتوصيات إلى الهيئات الحزبية القيادية.

 

3 – ينتخب مؤتمر المنطقة أو الفرع هيئة المنطقة أو الفرع.

 

      هـ   هيئة المنطقة

 

1 – تتولى هيئة المنطقة أو الفرع قيادة عمل المنطقة أو الفرع، وتنفيذ قرارات وتوجهات المؤتمر العام والمكتب التنفيذي ومؤتمر المنطقة والفرع.

 

2 – تنتخب هيئة المنطقة أو الفرع أمين سر يتولى تنظيم الاجتماعات ويساهم في تنفيذ القرارات ويكون مسؤولاً عن أعماله تجاهها.

 

3 – ترفع هيئة المنطقة أو الفرع بواسطة أمين السر تقارير عن أعمالها إلى المكتب التنفيذي.

 

      و الخلية

 

1 – الخلية هي الوحدة الحزبية القاعدية. تتشكل المنطقة أو الفرع من الخلايا، في النطاق الجغرافي أو القطاعي.

 

2 – تنتخب الخلية أمينا للسر. تتولى تنفيذ خطة المنطقة وتوجهاتها وقراراتها، وترفع إقتراحاتها وتوصياتها إلى هيئة المنطقة.

 

3 –  يدفع كافة الأعضاء إشتراكاً مالياً شهرياً.

 

                                                                                            المؤتمر العام الرابع لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان

 

                                                                

منظمة العمل الشيوعي في لبنان

المؤتمر العام الرابع