من أحرق جورج زريق؟

للكاتب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز رواية صغيرة عنوانها “قصة موت معلن”. تتحدث الراوية عن جريمة قتل يجري تدبيرها على نحو شبه مكشوف. والغريب أن جميع سكان المدينة تقريباً يعلمون بها، باستثناء الشخص الذي تستهدفه، وهو لبناني للمناسبة. وهكذا يمشي الرجل وكل من يراه يعلم أنه ميت. تثير تلك الرواية الكثير من الأسئلة التي يخرج بها القارئ وأبسطها: لماذا لم يقم واحد من العارفين بالجريمة بتحذير الرجل؟. ولماذا لم يخبر أحدهم الشرطة والبوليس وغيرهم من أجهزة الأمن مادام تنفيذ الجريمة سيتم في الساحة العامة وعلى مرأى الجميع؟.. وغيرها.

قصة احتراق جورج زريق أمام مدرسة ابنته مشابهة، مع أن الأولى قصة والثانية واقعة. المدرسة التي رفضت إدارتها تسليم بطاقة العلامات للرجل، كانت تعلم أن الرجل قد يقدم على عمل من شأنه الإضرار بنفسه، الجهة المسؤولة عن المدرسة كانت تعرف وأكدت على الإدارة ألا تتهاون معه لأنه يشجع سواه. العائلة الصغيرة والكبيرة كانت هي الأخرى تعلم بعجزه عن دفع ما يترتب عليه من مبالغ. الدائرة الرسمية التربوية في المنطقة كانت تبلغت عن هذه الحالة وحالات مماثلة، وكذلك دائرة التعليم الخاص في الوزارة، فقد دق بابها الألوف من الأهالي الذين عجزوا عن الإيفاء بالأقساط المفروضة عليهم والعاجزين عن دفعها، وقال موظفوها أمامهم إن القانون لا يسمح لهم بإعطائهم إفادات مدرسية لنقل ابنائهم وبناتهم إلى مدارس رسمية برسوم تتلاءم مع دخولهم المتواضعة.

صحيح أن جورج زريق اشترى قنينة البنزين، وأنه وقف في ساحة المدرسة، وفي يد من يديه القنينة، وفي الثانية الولاعة، وأن الإداريين وتلامذة المدرسة كانوا يسمعون صوته المرتفع، وأنه بعد أن وجد الآذان الصماء تحيط به من كل جهة أشعل القداحة، ووضعها على جسده المغطى بالبنزين، فاندلعت النار وغطت وجهه وصدره وسط الذهول والصمت. السؤال الذي يطرح نفسه ثانية هو: هل أحرق جورج زريق نفسه أم النظام التربوي يكليته قام بالتمهيد للجريمة وشارك في تهيئة الظروف اللازمة لدفعه إلى مثل هذا المصير؟. تماماً كما حدث مع ضحية ماركيز اللبناني المغترب.

من السذاجة التصور أن جهة واحدة هي المسؤولة عن مصرعه، فالكثيرون تكالبوا على إيصاله إلى الضغط واطلاق شرارة القداحة. كل الذين تآمروا على التعليم الرسمي وتلاعبوا به لمصلحة تعليم الطوائف الخاص لعبوا أدوارهم، وكذلك المرجعيات التي جعلت التعليم الخاص حكراً على أبناء وبنات الميسورين. أما ابنة جورج زريق وأمثالها من الفقراء فلا مكان لها ولا مقعد. والحصيلة أننا أمام تعليم رسمي يتراجع عن مستواه ودوره تباعاً، وتعليم خاص له أكلافه وأرباحه التي لا يستطيع جورج زريق وأمثاله دفعها. ولأن جورج رفض أن يركع طالباً من طائفته وممثليها ومدرستها الرأفة به وبابنته، قرر أن يضرم النار في جسده علّ أحد يستفيق على النار التي تدفع الكثيرين إلى إحراق أنفسهم مادياً أو نفسياً. ترى كم هناك من آباء احترقوا غير جورج زريق لا نعرفهم؟!.    

تحقيق اجتماعي

تحقيق اجتماعي
   

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تؤيد التحركات الشعبية وتحذر من محاولة استغلالها لحسابات فئوية

إن منظمة العمل الشيوعي في لبنان تعلن دعمها وتأييدها لحالة الغضب الشعبية العارمة على السلطة …