الاصلاح الاقتصادي في بيان الحكومة: وعود على ورق المحاصصات الطائفية

رفعت حكومة الرئيس سعد الحريري عبارة ” إلى العمل” شعاراً لها، وقدمت نفسها على أنها حاملة راية إنقاذ الدولة والنقد والاقتصاد اللبناني من الإنهيار، بعد أن بلغ أداء القطاعات كافة – عام وخاص –  الدرك الأسفل، فقد اقتصر معدل النمو في العام 2018 على ما لايزيد سوى القليل عن 1 %. بينما تزايد الدين العام والتضخم ومعهم القلق على الاقتصاد والنقد. ووعد الحكم بالاصلاح وأن يكون ما ورد في مؤتمر سيدر من مقررات ومشاريع مقدرة بـ 17 مليار دولار( 12 قروض خارجية و5 تؤمنها الدولة والمصارف) قادرة على أن تنتشل البلاد من حال الشلل والعجز التي تتخبط فيها. واستجابت الكتل النيابية فمنحت الحكومة الثقة.

و ما جاء في مؤتمر سيدر، تحول إلى نصوص شبه مستنسخة في بيان الحكومة، رغم الأزمات المتفاقمة. فعلى صعيد القطاعات الخدماتية، برزت قضية الكهرباء، التي يسمع اللبنانيون منذ عقود عن تأمينها لهم 24 ساعة يومياً، فاذا بهم يفيقون على مزيد من التقنين، فضلاً عن حل مشكلات البيئة بما تتضمنه من مطامر تغص بالنفايات الصلبة، وتنظيف الشواطئ والمجاري المائية، وأبرزها كارثة حوض الليطاني وبحيرة القرعون، ومعها انتشار الأمراض السرطانية المستعصية المتأتية عن التلوث، وتخفيض عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات والميزان التجاري وتحسين الجباية وغيرها من مسائل باتت مكررة. وبدلاً من أن نشهد أي تقدم حقيقي في المعالجات بعد أن حذر كبار المسؤولين أنفسهم من مخاطر انهيار الوضع المالي والنقدي والاقتصادي على البلاد. إذ يتبين توظيف حوالي خمسة الآف في الادارات العامة عدا المؤسسات العسكرية قبل الانتخابات الأخيرة، وزيادة عجز الموازنة، وتساؤلات حول القدرة على إيفاء دفع الديون المترتبة على الدولة اللبنانية، والتي باتت تقارب المائة مليار دولار إن لم تكن أكثر.

من يراجع البيان الوزاري الأخير يلحظ تكرار الوعود والتعهدات نفسها التي وردت في مؤتمر سيدر وفي بيانات وزارية سابقة، لجهة خفض العجز ومكافحة الفساد وإجراء التصحيح المالي والمحافظة على الاستقرار النقدي وخفض العجز السنوي في قطاع الكهرباء وصولاً إلى النجاح في التخلص منه.

ولكن البيان الوزاري يتجاوز ذلك ويتحدث عن الاستثمار العام والاستقرار النقدي والمالي وتحديث القطاع العام والاصلاحات الهيكلية والقطاعية والانتاجية وحماية البيئة والتربية والثقافة و… أما المليارات ال17 فموزعة قطاعياً على 5 على المواصلات والنقل، و5 مثلها للكهرباء، و4 لمياه الشفه والري والصرف الصحي، و1.5 للنفايات الصلبة، و1.5 للتعليم والصحة والثقافة والمناطق الصناعية والاتصالات. أيضاً هناك وعود باعتماد سياسة مالية ونقدية تخفض نسبة الدين العام وكذلك عجز الموازنة والتزام التصحيح المالي في موازنة العام 2019 بمعدل 1% سنويا على مدى 5 سنوات، وتوسيع قاعدة المكلفين وتفعيل الجباية ومكافحة الهدر والتهرب الجمركي والضريبي وتحديث القوانين والإدارة الضريبية وتوحيد الصناديق والمؤسسات الضامنة في القطاع العام خلال 3 سنوات وتوحيد التقديمات الاجتماعية للعاملين في القطاع العام وتخفيض الانفاق على المساهمات للهيئات التي لا تبغى الربح بما لايقل عن 30 % ضمن سياسات قائمة على الشفافية وخفض النفقات الاستهلاكية في الموازنة العامة بما لايقل عن 20 %. وكل هذه الوعود يستحيل الاقتراب منها باعتبارها تنتقص من حصة هذه الطائفة وزعامة تلك، ما يعني المس بالأوضاع المعيشية من مدخل رفع سعر صفيحة البنزين وكذلك الكهرباء قبل تأمينها، ناهيك بسائر البنود التي تصيب الفئات الفقيرة والوسطى دون سواها. 

يمكن التوقف عند المزيد مما ورد في بيان الحكومة، لكن يبقى السؤال الذي لا بديل عن طرحه وهو هل حقاً تنوي هذه القوى التي تصارعت طوال 9 أشهر كاملة، انقاذ الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي، وأوضاع القطاعات والخدمات أم أن مصير هذا البيان كسواه من بيانات لم ينفذ منها ما يستحق الذكر؟.

أولاً، لا بد من الإشارة إلى أن التجارب السابقة لا تبشر بالخير. وهو ما لا يغير فيه تلك اللازمة الرائجة حول محاربة الفساد ومباشرة الاصلاح وعملية الإنقاذ المطلوب ، فالسلطة لا تنوي تدفيع ثمن تجاوز المحنة للقادرين على الدفع من مصارف وشركات مالية وعقارية وهي التي تملك 4 أضعاف الدخل الوطني، عبر اعتماد سياسات ضرائبية تفرضها على الكماليات وتخفضها على الأساسيات، وفرض ضرائب على الأرباح والأملاك البحرية والبورصة وما شابه. فالمعروف أن المصارف استطاعت تحقيق عشرات المليارات من الدولارات من أموال وعلى حساب المكلف اللبناني والاقتصاد الوطني. ونظراً لارتفاع الفوائد دوماً، بات توظيف الاموال في شراء سندات الخزينة مجال الاستثمار الوحيد، ما أعاق حركة التسليف إلى القطاع الخاص. ومعه باتت أنشطة القطاع المصرفي محصورة بالديون على الدولة التي باتت في حدود 66 % من جملة ديون المصارف. بالطبع ارتفاع المديونية العامة ناجم عن ارتفاع الانفاق العام الناجم عن المحاصصة والتوظيف الزبائني، بينما تراجع التمويل الاستثماري إلى حدود الـ 1% فقط، وهو ما رافقه تنفيذ سياسة خصخصة مستترة للمؤسسات العامة المربحة ( أوجيرو وما شابه ). بالطبع هناك الكثير من التوصيات الجدية التي يقدمها الخبراء الاقتصاديون غير المستفيدين من موجات التسيب الفالتة، لكن مثل هذه التوصيات لن تجد من يسمعها، باعتبار أن الاصلاح غير وارد لدى سلطات سياسية همها المحاصصة، ومالية تطمح لمراكمة الثروة أكثر. فهذه القوى التي أفرزها الطائف تتصرف على أساس الدولة – المزرعة، تتقاسمها على حساب دور الدولة والناس الذين ستتم الاجراءات المؤلمة من جيوبهم الفارغة ( أموال الضمان والتقاعد والسلسلة والبنزين). لذلك نفتقد دوماً أي نَفَس إصلاحي، وهو أمر تتوافق عليه القوى المكونة للسلطة التي لا يعنيها مواجهة المخاطر الداهمة بقدر ما يهمها مواصلة نهب المال العام. والمؤكد أن الحد من النفقات ووقف هذا النهب، وإحداث تعديل جوهري على النظام الضرائبي، وإعادة الاعتبار لدور المصرف المركزي والشروع في تقليص الدين العام وغيرها من اجراءات باتت حاسمة… كل هذه خارج دائرة الحسبان . حرير سيلبس  اللبنانيون!.   

زهير عماد

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.