سوريا بين الانسحاب الاميركي وسيطرة “النصرة” على ادلب

يؤكد رئيس النظام السوري في اطلالته الأخيرة أن الحرب لم تنته، وأنه يخوض أربعة حروب دفعة واحدة هي: الحرب العسكرية وحرب الحصار وحرب الانترنت وحرب الفاسدين. لكنه وبنبرة تحد يطل امام اعضاء المجالس المحلية الذين جمعهم في قصر الشعب بعد شهور من ازمة الوقود والطاقة في البلاد، يعلن رفض الحوار مع المعارضة ” لا حوار بين طرف وطني وآخر عميل: وخص ” المجموعات العميلة للاميركي” ملمحا ضمنا الى الاكراد في الشمال السوري.

في مثل هذه الاجواء تجري الاحداث في سوريا إثر الاعلان الاميركي عن نية الانسحاب وفي ظل سيطرة ” هيئة تحرير الشام” النصرة سابقا على ادلب. ومع استمرار المعارك ما بين داعش وقد اضحت في المربع الاخير في قرية الباغوز وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية مترافقة مع التطلعات والتصريحات التركية المطالبة بمنطقة عازلة على طول حدودها الجنوبية وبعمق ثلاثين كلم.

ادلب حيث تضغط روسيا على تركيا باتجاه تنفيذ عملية عسكرية ضمنية، اذ أن ما تسرب عن مؤتمر سوتشي الأخير هو الربط ما بين أجزاء الحسم العسكري مع الابقاء على خيار شن عملية عسكرية ضد “النصرة”. الكرملين حذر من ” التعويل على عقد صفقات مع الارهابيين” في اشارة موجهة الى الجانب التركي، في وقت جددت الخارجية الروسية تأكيد الاتفاق ما بين روسيا وتركيا وايران على تنفيذ سياسة “الخطوة خطوة” لتقويض نفوذ ” النصرة”. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعلن ان رؤساء الدول الثلاثة، اتفقوا على اطلاق آلية ” الخطوة خطوة” لاستعادة ادلب.

الملف السوري حضر في اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الاوروبي في بروكسل إثر مطالبة الولايات المتحدة الاميركية لدول الاتحاد باستعادة مواطنيهم المعتقلين لدى الاكراد. كما طالبت الإدارة الذاتية الكردية الدول الاوروبية بعدم التخلي عنها. ويشكل ملف المتطرفين الاجانب عبئاً على الإدارة الذاتية خصوصا بعد اعلان ترامب قراره سحب القوات الاميركية. الدار خليل القيادي الكردي قال ” تلك الدول – المقصود دول الاتحاد الاوروبي – لديها التزامات سياسية واخلاقية … اذا لم يفوا بها فهم يتخلون عنا” ورأى أنه يمكن لفرنسا أن تقترح على مجلس الامن نشر قوة دولية بيننا وبين الاتراك… اكراد سوريا يخشون أن تمهد مغادرة القوات الاميركية الطريق أمام تركيا لشن هجوم عليهم طالما هددت به.

روسيا ما زالت بلسان وزير خارجيتها تجدد اتهامها لواشنطن بانها تسعى لتقسيم سوريا وفرض أمر واقع جديد في مناطق شرق الفرات، وبالتوازي تعلن استعدادها لمناقشة مسألة “القضاء على البؤر الارهابية” المتبقية في البلاد مع ” كل الأطراف بما في ذلك مع الولايات المتحدة الاميركية”. لافروف يرى في الاعلان الاميركي عن الانسحاب من سوريا مجرد مناورة، وقال إن الاميركيين يواصلون ” التمسك بهدف تقسيم سوريا والعمل لإقامة دويلة شرقي الفرات” كما أن واشنطن تستخدم الحديث عن سيادة سوريا بهدف المناورة

لإخفاء نياتها الحقيقية” موضحا أن التأكيد على استعادة سوريا سيادتها التى أيّدها المجتمع الدولي بأكمله بما فيه الولايات المتحدة الاميركية هو في الواقع مجرد مناورة، هدفها الذي صار واضحاً هو تقسيم سوريا وإنشاء شبه دولة على الضفة الشرقية للفرات” لكن لافروف اعرب عن ثقته بان الانسحاب الاميركي من سوريا ” اذا رحلوا فعلا” سيكون له تأئير ايجابي على التسوية.

بوغدانوف نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي الخاص الى الشرق الاوسط وخلال افتتاح جلسة مؤتمر ” فالداي حول الشرق الاوسط” في موسكو والذي يشارك في دورته هذه وفي اعماله عشرات من الخبراء ومن المسؤولين من دول من بينها روسيا ومصر وتركيا وايران وبريطانيا والولايات المتحدة والسعودية وسوريا واسرائيل حذر من ان تنظيم داعش وبعد فقدانه الساحة على الارض يصعد نشاطه التجنيدي والدعائي، واتهم واشنطن بالعمل على تأجيج الأزمات في المنطقة مشيراً إلى أن فرض السياسات الدخيلة على الشرق الاوسط أدى إلى الاخلال بالتوازنات القائمة في المنطقة.”

ما بعد الانسحاب الاميركي سؤال ينتظر توضيحات من واشنطن لحلفائها. قوات سوريا الديمقراطية تتحرك بحذر في بلدة الباغوز، حيث باتت تحاصر قوى داعش التي تتمترس وراء مدنيين محتجزيين كدروع بشرية. مدير المركز الاعلامي ” لقسد” مصطفى بالي أكد أنه ليس أمام مقاتلي التنظيم الا الاستسلام أو الموت قتلاً . وقد تسببت العمليات العسكرية منذ كانون الأول الماضي إلى اليوم بخروج نحو أربعين الف شخص من المنطقة الخاضعة لسيطرة التنظيم. لكن هذه الحركة توقفت في الأيام الأخيرة وأن قوات سوريا الديمقراطية بانتظار ايجاد حل للمدنيين العالقين. لكن هزيمة التنظيم الذي كان يسيطر على مساحة تعادل مساحة بريطانيا وإخراجه منها لا يعني انتهاء خطره.

هكذا تبدو سوريا في لحظة النقاش هذه. ما مصيرها بعد الانسحاب الاميركي إذا حصل، وبعد سيطرة “هيئة تحرير الشام” على ادلب. اميركا تبنت مشروعاً تقسيمياً نواته تلك المساحة الممتدة شرقي الفرات حيث مقوماتها ممكنة لجهة رغبة القوى المتواجدة بنيل الاستقلال، أضف وجود مقومات اقتصادية تسمح بذلك. روسيا مشغولة بادلب وبعدم التزام النصرة المنطقة العازلة التى تمّ الاتفاق عليها مع تركيا إضافة إلى همها الدائم بتمهيد طريق النظام للامساك بالمناطق التى خرجت عن إرادته. تركيا متوجسة من النشاط الكردي الممتد على طول حدودها وفي مساحة شرقي الفرات، في منطقة تشكل أرضية لحرية الحركة للقوى المعادية. لذا يعنيها أن تقيم منطقة عازلة بعمق ثلاثين كلم تكون حاجبه لأي حركة كردية مستقبلية. أضف أن الكونغرس الاميركي يتحضّر لإصدار الاعتراف بأن الجولان المحتل جزء من الكيان الإسرائيلي.

النظام بالمقابل، وبعد أن بسط سيطرته على سوريا المفيدة، يتصرف كمنتصر بعد الذي أصاب قوى المعارضة وبعد فسحة خروج القوى العسكرية الاميركية الموعودة.

هكذا هي سوريا اليوم تبدو أقرب للاقتسام. اقتسام هو الأبعد عن الهدوء والسلام.

محمد حسن

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.