معاداة الساميّة حافة خطرة للحداثة والأصولية المعاصرة

هناك شبح مُخيف يجوب في الغرب، ليس الشيوعيّة (اعتذاراً من كارل ماركس)، بل معاداة الساميّة. ثمة صراع متشابك، بل هو من المفاصل التي يجدر بالحداثة العربيّة والإسلامويّة المعاصرة سويّة أن تتعمقا به، بل يكون من مساحات الحوار بينهما. واستباقاً، يعبّر صعود معاداة الساميّة في الغرب (فرنسا، بريطانيا، هولندا، ألمانيا و…أميركا ترمب)، عن اهتزاز اخر في نموذج الحداثة الغربيّة، خصوصاً أنها تجيء بعد موجة الشعبويّة غرباً، وتوضّح اهتزاز العلاقة بين المؤسسة السياسيّة التي أدارت دولاً غربيّة بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ناحية اخرى يجدّد الصراع مع معاداة الساميّة التفكير في الجذور العميقة للحداثة ومشروع العقلانيّة الكبير المتواصل منذ عصري النهضة والتنوير. في سياق النهضة والتنوير، وُلِدَ مفهوم دولة المواطنة الحديثة، خصوصاً بعد الثورة الفرنسيّة، وترجم نفسه في ابتعادها كمؤسّسة بحد ذاتها عن الدين. في ذلك السياق أيضاً، جرى صراع ضد التمييز الديني وصراعاته، بما فيه صراعات داخل المسيحيّة، وكذلك الحال بالنسبة للعداء ضد اليهود.

 وفي مسار متشابك ومتناقض (يكفي تذكر النازية والفاشية كأمثلة)، صعد وضع اندماجي بين اليهودية والمسيحيّة، بل إلى حدّ أن الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان لم يتردّد في إدخال مفهوم “المُرَكَّبْ المسيحي- اليهودي” إلى وثائق أساسيّة للاتحاد الأوروبي، باعتباره الخلفيّة الثقافية (وليس السياسيّة أو الدولاتية) للاتحاد. لوقت طويل، ساد افتراض بأنّ الصراع ضد معاداة الساميّة (وهو أمر لم يتوقف أبداً) يكسب الأرض ثقافيّاً واجتماعيّاً، إضافة الى استناده على مفهوم الدولة الغربية الحديثة. ربما يكثّف ذلك التاريخ الطويل الذي يصعب عرضه بإيجاز من دون خلل، النبرة القلقة التي كَسَتْ كلمات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وصفه معاودة صعود معاداة الساميّة في بلاده بأنه “إخلال بجذور الجمهوريّة الفرنسيّة”.

   فخّ لليسار المتطرّف

يجدر المرور سريعاً (وبإيجاز مخلّ) بملامح أساسيّة في الموجة الحاضرة من معاداة الساميّة غرباً. إذ إنها تتميّز عن العداء المستجد للساميّة الذي سرى (وما زال، للأسف) بين صفوف مسلمي الغرب. بوضوح، هناك عودة للعداء لليهود، وفي أوساط مسيحيّة. لم يتردّد الكاتب الفرنسي لوران جوفران في وضع الأصبع بوضوح على ذلك المنحى، عبر سلسلة من المقالات في صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية التي يرأس تحريرها. وربما يكفي المرور ببعض مقالاته لإبراز منحى عودة العداء لليهود. إذ يذكّر مقال جوفران “عودة الطاعون القديم”، بأن داء الطاعون انتشر في أوروبا القرون الوسطى التي سادها صراع ديني وكراهية اليهود، محذراً من الانزلاق إلى وضع مشابه! وفي مقال “جذور الكراهية”، استعاد جوفران قضية آلفرد درايفوس الشهيرة التي اتهم فيها قائد عسكري فرنسي بالخيانة لمجرد كونه يهودياً، وأدت إلى صرخة “إني أتّهم” من الكاتب إميل زولا في 1898. ووثّق مقال “التواطؤ ومعاداة الساميّة” زيادة مخيفة في الهجمات ضد اليهود بقرابة 74% في 2018، مع تشديد على الفارق بين تجدّد العداء لليهود في أوساط مسيحيّة وبين الماضي القريب لتلك الظاهرة لدى إسلاموي فرنسا. وفي مقال ملفت بعنوان “فرنسا الأبيّة والعداء للساميّة”، تناول جوفران ظاهرة تأييد اليسار المتطرف في فرنسا للعداء للساميّة، خصوصاً حزب “فرنسا الأبيّة” التي يقودها جان-لوك ميلانشون. وربط الأمر مع تأثّر الأخير بتنظيرات الفيلسوفة

 

البلجيكيّة شانتال مووف المنادية بالتقارب مع حركة “السترات

 الصفر” الشعبويّة (التي تروج في صفوفها معاداة الساميّة)، بهدف تجميع كل “من يعانون من حكم الأقلية” الحزبي في فرنسا. انتقد جوفران ذلك التفكير باعتباره يعمي نظر اليسار عن جذوره العلمانيّة والإنسانية الأساسيّة، ما يقوده إلى ميكيافيللية متخبطة. وبغضب، أشار جوفران إلى عدم إدانة ميلانشون لتدنيس مقبرة يهوديّة، ورسم الصليب النازي على صور للوزيرة السابقة سيمون فاي، وهي من الناجيات من محرقة الهولوكوست.

وفي سياق منفصل، رصد الصحافي البريطاني جاك لولز، تصاعد معاداة الساميّة بالارتباط مع صعود اليمين الشعبوي المتطرف الذي يتغذّى من مشاعر الإحباط العام من المؤسسة السياسيّة بأحزابها كافة. إذ أورد لولز أن استطلاعات الرأي تؤكّد تزايد ذلك اليأس، خصوصاً مع التخبّط الواضح لأحزاب المؤسّسة السياسيّة تجاه “بريكست”، مترافقاً مع صعود مجموعات من النازيين الجدد (كـ”كومبات 18″ و”أخوية الملائكة التسعة” و”العمل الوطني”). وأشار لولز إلى انتشار أفكار تآمرية “بين مجموعة كبيرة من الناس…يستعملون الاستعارات المعادية للساميّة، خصوصاً تلك المتعلقة بالقوة المزعومة لليهود”.

  حذار من “انتصاريّة” إسلامويّة

في أميركا، لم يتردّد الصحافي الأميركي آدم غارفينكل (الكاتب في “آميركان إنترست”) في الإشارة إلى تجدد الإرهاب تجاه اليهود الذي تجلّى في مقتلة كنيس بيتسبرغ في تشرين أول 2018. واتهم غارفينكل تيار الشعبويّة المؤيد لترامب بأنه مشبّع بأفكار معاداة الساميّة، على غرار التشهير بالمتموّل الشهير جورج سورس وعلاقته مع الحزب الديمقراطي الأميركي، واعتبارها نموذجاً لفعل القوة المالية ليهود أميركا، إضافة إلى العداء الصريح لهؤلاء من قِبَل حزب “تفوق العرق الأبيض” ومجموعات النازية الجديدة وغيرها.

حتى في هولندا، رُسِمَت علامات معادية للساميّة على تمثال في أمستردام يمثّل احتجاجاً عمالياً في 1941 ضد استهداف الاحتلال النازي لليهود.

 هل مجازفة كبرى القول بأنّ الحداثة العربيّة مطلوب منها أن تضع أصبعها على نبضٍ أساسي في مشاربها ومصادرها الأساسيّة: الحداثة والعقلانية، خصوصاً في زمن ما بعد الحداثة؟

لا يصعب التفكير في وجود نبرة انتصاريّة زائفة لدى الإسلامويّة المتطرفة، خصوصاً أنّها تسقط بسهولة في التماهي مع النازية الجديدة، بأثر من عدائها المشتط لليهود. هناك الداعية الانكليزي أنجم تشودري، المروّج لأفكار”داعش” و”القاعدة”، مع عداء معلن لليهود، وكذلك الأمر بالنسبة للبريطاني ديفيد مايت الذي انتقل من المسيحيّة إلى الإسلام، وترأس مجموعة من النازيين الجدد!

أليس خطيراً وقوع الإسلامويّة المتطرفة في شرك العنصريّة الدينية؟ أليس ذلك هو الوجه الآخر للعملة نفسها التي يمثّلها صعود نزعة القوميّة الدينية في اليمين المتطرّف في إسرائيل؟

كيف نقرأ جميعاً دعوة الوزير يواف غالانت، من اليمين الإسرائلي المتطرف، يهود فرنسا إلى الهجرة إلى إسرائيل، باعتبارها دولة دينية لهم؟

احمد مغربي

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.