الجزائر تعود بشبابها لاطلاق طاقاتها التحرّرية

منذ حوالي الشهرين تتلاحق التحركات الشعبية في الجزائر. حتى اللحظة حقق هذا الحراك العديد من الإنجازات في مقدمها إسقاط محاولة التجديد الخامسة للرئيس عبد العزيز بو تفليقة، لطم الإنجاز لم يتحول حتى اللحظة إلى معالم مسار ديموقراطي حقيقي. إذ أن كل ما عبر عنه الرئيس الجزائري العائد من رحلة علاجية إلى سويسرا لا يعدو أكثر من تأجيل الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية، ووعود اصلاحية فائتة، بإجراء تغيير حكومي يتم تكريسه بالدعوة إلى مؤتمر وطني يضع دستوراً جديداً للبلاد يطرح على الاستفتاء العام ليتم إقراره وبعدها تجري الانتخابات. الوقت المتوقع لهذه العملية هو حوالي العام. المقدمات التي تلاحقت لا تشي بالاطمئنان، وهو ما رأى فيه شباب الشارع محاولة لكسب الوقت ريثما يعود الفريق الحاكم لترتيب الأوضاع بين مكونات قواه.

والواقع أن الجزائريين رأوا في ترشيح الرئيس بو تفليقة لـ “عهدة” خامسة إنتهاكاً لحقوقهم البديهية في التغيير، والتعبير عن القوى الجديدة التي خرجت من  تحت عباءة جبهة التحرير والأقلية الحاكمة بجناحيها المدني والعسكري. راهنت هذه المجموعة أن تكون عودة بوتفليقة وما طرحه كافية لها لالتقاط الأنفاس والتوافق على شخصية تعود سيرة ما تم التمرد عليه، ما يعيد بناء مؤسسات الدولة بالأحجار القديمة نفسها والحاكمة منذ أكثر من عشرين عاماً. صحيح أن الجيش لم يتدخل على نحو عنفي كبير في قمع التحركات، لكنه أمسك العصا من الوسط عبر خطابه المزدوج. بينما كانت القوى التي شاركت في “تحنيط” التجربة تتعرض لانشقاقات داخلية وانسحابات، لاسيما بعد أن استقطب نبض الشارع المزيد من القوى، وفي المقدم منها القضاة التي سبق وأعلنوا أنهم لن يوافقوا على المشاركة في مراقبة الانتخابات. أما على مستوى التحركات فقد دخلت المزيد من الشرائح الاجتماعية الديموقراطية إلى ميادين الاحتجاج، كما أن مدناً إضافية انضوت في المطالبة بالتغيير. المهم أن بعض القوى الاسلامية المرتبطة حاولت الدخول على خط التحركات، ما دفع بالمحتجين إلى طردها خارجاً.

طرح العديد من المحللين أسئلة حول الأسباب التي دفعت بالجزائريين إلى التأخر عن الدول العربية التي شهدت الانتفاضات التي تحول بعضها إلى حروب مركبة شبه أهلية (مصر) واقليمية متداخلة (سوريا واليمن). وللإجابة على مثل تلك الأسئلة لا بد من القول أن الجزائريين حضرت في سكونهم السنوات العشر السوداء التي أودت بعشرات الألوف من الشهداء والتي فجرتها مغامرات القوى الاسلامية المتطرفة، والتي أمكن للجيش حسمها بعد خسائر بشرية واقتصادية فادحة مخلفة تمزّقاً في نسيج المجتمع والبلاد وجعلها عبارة عن ملل ونحل ونواحي ومناطق متجاورة ومتصارعة. كما أن التجارب العربية في معظمها أُغرقت ببحار من الدماء والدمار. لكن ترشح بوتفليقة كانت القطرة التي فاض بها الكأس، إذ وجد فيه الجزائريون انتقاصاً من كرامتهم الوطنية، وقدرتهم على انتاج قيادة قادرة على تجاوز حال الاختناق التي تعيشها البلاد. بدءا بالمؤسسة السياسية التي تمسك بزمام الأمور معبرة عن مصالح أقلية متحكمة برقاب المجتمع والاقتصاد، بينما تتراكم المصاعب والتعقيدات التي يعيشها المجتمع، والتي ضاعفها من دون شك تراجع أسعار النفط باعتباره السلعة التصديرية الوحيدة، بينما يعاني 60 % هم شريحة الشباب من أزمات البطالة والسكن والفقر والهجرة وغياب المستقبل والضمانات الاجتماعية. والواقع أن الجزائر ما تزال منذ تحررها من الاستعمار الفرنسي تحكم من قبل رؤساء تناسلوا من المؤسستين السياسية والعسكرية التي صنعت هذا الإنجاز. وعلى الرغم من أن الرئيس بوتفليقة جاء إلى الحكم ليطوي المرحلة مستفيداً من تحسّن أحوال الناس اقتصاديا واجتماعيا. فإن عوامل عدة أسندته، في مقدمها ارتفاع عائدات النفط في بلد له تقاليد ريعية عريقة، وتماسُك المؤسسة العسكرية وكفاءتها ومكانتها، وضعف التدخل الإقليمي والدولي في الشأن الجزائري..  مقابل ذلك عمد الحكم مستفيداً من مغامرات الاسلام المتطرف إلى التضييق على الحريات، وتشويه التجربة الديموقراطية، وتداخلت أجهزة الدولة مع دوائر نفوذ الأقلية الحاكمة ممثلة بمزيج من عائلات الحاكمين وأرباب المواقع الاقتصادية لتحقيق مصالحها الضيقة. وما زاد من المعضلة أن النظام بات عاجزاً نتيجة صراعاته المضمرة عن تجديد رموزه. لذلك كان مدوياً على الصعيدين المحلي والعالمي في الانتخابات الماضية أن يدخل بوتفليقة إلى قلم الاقتراع على كرسيه. ومثل هذا الوضع تفاقم في الترشح الأخير، مصادر متعددة تحدثت عن عجزه عن الكلام، فضلاً عن تمتعه بقواه الجسدية والفكرية في ممارسة الحكم، وأخذ القرارات في بلد تحيط به المصاعب من كل ناحية، بدءاً من داخله، مروراً بالأقليم الذي يعيش مرحلة رجراجة، وصولاً إلى الارباكات التي تعيشها أوروبا ووحدتها المهتزة بفعل ضغوطات الداخل والسياسة الترامبية.

إذن كانت الصورة واضحة وجلية لجهة مشهد سياسي يتسم بالتقوقع على الذات وحزب حاكم عميق الجذورفي النسيج السياسي والإداري. في المقابل قوى معارضة نقابية وديموقراطية ضعيفة أو هي في العديد من قطاعاتها مجرد واجهة لتعدّدية مشوّهة. وطبيعي أن يعاني وضع على هذا النحو من العجز عن خوض غمار حداثة باتت مفروضة على الجميع، ولم يعد أحد بمكنته الخروج على أحكامها، كما أن المؤسسة العسكرية ذات الامتدادت داخل القوى المدنية سياسية واقتصادية وحتى داخل عالم رجال الأعمال والإدارة والاقتصاد، لم تكن خارج التأثر بهذا المشهد، لذا اتسمت الحياة السياسية بالانغلاق على الذات، ما جعل أجيالا كاملة خارج دوائر التأثيرو المشاركة في الحياة السياسية الفعلية.

أطلق الجزائريون حراكهم رغم ما يعرفونه عما آلت إليه التحركات السلمية والديموقراطية التي شهدتها الدول العربية قريبة وبعيدة، منطلقين من حقوقهم البديهية وشرعية ما يطالبون به، بما هو انتخابات حقيقية تضم متنافسين على قيادة البلاد نحو مسارات الديموقراطية والتقدم بدل حال التكلس التي تغرق فيها وتقودها إلى موتها البطئ. بالطبع ليس هناك من “قادومية” للوصول إلى مثل هذه الأهداف المشروعة والبديهية والتي تتطلب مسيرة الألف ميل التي بدأت بخطوات وليس مجرد خطوة واحدة.

محرر الشؤون العربية

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.