ورشة المنامة وأوهامها إلى “مزبلة التاريخ”

هذا العنوان ليس من بقايا اللغة اليسارية القديمة، بقدر ما هو مضمون ما ورد في جريدة “الواشنطن بوست” الاميركية في مقال لها عقّبت فيه على ورشة المنامة، وهو لا يدخل في إطار موقف الصحيفة من الرئيس دونالد ترامب وإدارته وسياسته، لاسيما الشرق أوسطية منها، بقدر ما يعبر عن وجهة نظر ما تزال لها حضورها في دوائر الخارجية الاميركية وغيرها، ويوصِّف النتيجة التي حصدها صهر الرئيس ومستشاره لشؤون المنطقة جاريد كوشنير مع فريقه الأكثر عنصرية من اليمين الاسرائيلي نفسه، من الورشة التي حملت عنواناً متفائلاً هو “الازدهار من أجل السلام”، وانعقدت على مدى يومين في العاصمة البحرينية.

عناصر الفشل تراكمت منذ الاعلان عن الحدث، واعلن الشعب والقيادة الفلسطينية مقاطعته باعتباره يتناول الجانب الاقتصادي دون الجانب السياسي. والبديهي كان أن تقف القيادة هذا الموقف من الدعوة، بالنظر إلى أن المقدمات كانت أوضح من أن تنطلي عليها، ففي العامين الماضيين قامت إدارة ترامب بكل ما من شأنه صب الماء في طاحونة المشروع الاستيطاني الصهيوني المتصاعد اعتماداً على ضعف وتآكل الموقف العربي الداعم للشعب الفلسطيني وصموده. حتى وصل الأمر بالسفير الاميركي لدى اسرائيل إلى الاعلان أن الولايات المتحدة في صدد الاعتراف بضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية للكيان الاسرائيلي بعد ما سبقها من اجراءات طالت الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي ونقل السفارة إليها وقطع المساعدات عن مؤسسات المجتمع الفلسطيني والاونروا، وشن حملة مسعورة عليها بتهمة تأبيد قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال تسجيل أبناء اللاجئين وأحفادهم في سجلاتها… كل هذا يؤكد المؤكد، أن السياسة الاميركية تتماهى كلياً مع السياسة الاسرائيلية اليمينية الأشد عنصرية وتطرفاً، والتي ترفض الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما فيه حقه في إقامة دولته المستقلة على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وهذا كله غيض من فيض الممارسات الاميركية – الاسرائيلية التي تتنكر للمواثيق والقرارات الدولية.

والحقيقة أن الفريق المنظِّم للورشة أدرك منذ البداية صعوبة المهمة التي يتنطح لها بعد جولات مكوكية في المنطقة، فخفض من سقف طموحاته وغيَّر الاسم من مؤتمر إلى ورشة، وحاول تغيير الصفة من “صفقة ” إلى “فرصة”، كما خفض من سقف توقعاته المالية أو اغراءاته الوهمية للاطراف المستهدفة، وهي هنا السلطة والأطراف الفلسطينية والدول الاردنية واللبنانية والمصرية، فهبط المبلغ المقرر للخطة الاستثمارية من 500 مليار دولار إلى 100 مليار، ثم إلى 50 مليار دولار، القسم الأعظم منها عبارة عن استثمارات وقروض على مدى 10 سنوات، القليل منها مجرد منح ومساعدات لهذه الدول للسير في المشروع، مقابل الموافقة على توطين اللاجئين الفلسطينين على أراضيها وفي بلادها. وردود الفعل العربية على الدعوة منذ البداية كانت عنصراً فاعلاً في تقليص حجم التوقعات، فقد أعلنت فلسطين ولبنان والعراق عن مقاطعتها. أما الدول الخليجية التي جاءت مخفورة إلى الورشة، فلم تبد الاستعداد الذي كنت ترغب به الإدارة الاميركية للموافقة على ” احتيال” اقتصادي دون حل سياسي، وورد على لسان أكثر من مسؤول بحضور كوشنير نفسه، التمسك بالمبادرة العربية للسلام التي أعلنت من بيروت عام 2002، بما تتضمنه من حل الدولتين، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فهي ليست متحمسة لوضع الاموال في مقترح ليس له حظ من النجاح. لذلك لم يكن من خارج السياق هبوط مستوى تمثيلها في الورشة، والذي لم يتجاوز في أحسن الأحوال مستوى وزير مالية، علماً أن معظم الدول العربية كانت ممثلة برتبة مدير عام الوزارة المذكورة. أي أن الموضوع برمته ظل في أدنى مستوى سياسي. وعليه، كان الحضور بروتوكولياً أكثر منه فعلياً، ومجرد تجاوب صوَري مع ضرورة تغطية الرغبة الاميركية بفعل أوضاع منطقة الخليج والصراع مع ايران، التي شهدت تصاعداً في مستوى الاشتباك عبر اسقاط الطائرة الاميركية والقصف المتكرر من جانب الحوثيين للمنشآت والمدن السعودية، إضافة إلى ما تعرضت له ناقلات النفط. إذن لم يكن الحضور الخليجي والعربي العام منطلقاً من اعتبار التوجه الاميركي مشروعاً قابلاً للحياة للتصدي لوضع على هذا المستوى من التعقيد كالذي يعيشه العالم العربي والمنطقة منذ أكثر من 71 عاماَ. والخلاصة التي يمكن التوصل إليها على هذا الأساس أن المحاولة الاميركية برمتها كانت لتكريس الحضور والأمن الاسرائيلي من هذا المدخل دون نجاح رئيسي، أما المستثمرون فلا يضعون أموالهم في مناطق التوتر فضلاً عن الصراع المفتوح، والدول الخليجية التي كان يُراهن على “كرمها” في إغداق الأموال تعاني من مشاكل متراكمة تنعكس على اقتصاداتها، أبرزها حرب اليمن وما تتطلبه من نفقات مستدامة ومعها أكلاف التحركات الاميركية تحت راية مواجهة إيران وحماية دول الخليج.. 

لقد ظن كوشنير وفريقه أنهما قادران وعبر حفنة من الدولارات التي يلوحان بها، أن يشتريا موافقة الفلسطينيين والدول العربية على تصفية القضية الفلسطينية، من خلال أوهام بتأمين فرص عمل لمليون فلسطيني، وتحسين مستوى إداء وفاعلية البنى التحتية وربط اسرائيل والدول العربية المجاورة بما يجعل منها المركز الذي يجذب إليه الأطراف المحيطة، واعتبار ذلك يحقق الاحلام والكرامة للفلسطينيين. حتى أن أحد المستثمرين المشاركين في الورشة لم يجد في جعبته أكثر من الدعوة إلى إعطاء كل شاب فلسطيني مبلغ خمسة الآف دولار لتحقيق أحلامه. أما حلم هذا الشاب الفلسطيني والشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال وإقامة دولته على أرضه وسيادتها وحمل هويتها وعودة اللاجئين إلى ديارهم… وغيره مما يحلم به أي شاب/ بة فلسطيني / ية فلا محل له. يبقى أن نشير أن حضور رجال الأعمال الاسرائيلي الاقتصادي والاعلامي كان محدود الفاعلية، فقد استطاع الموقف الفلسطيني والعربي رغم نقاط الضعف أن يجعل الورشة واحدة من أفشل الورشات، والتي يقال فيها كلام كثير، ولكن نتائجها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به الاوراق. لقد سجلت الإدارة الاميركية فشلاً متوقعاً باعتبارها تجاهلت حقائق هذا الصراع البعيد الجذور من ألفه إلى يائه.

فلسطين ليست معروضة للبيع، والحل ليس صفقة في بورصة المناقصات الدولية.

عماد زهير

كاتب لبناني

شاهد أيضاً

منظمة العمل الشيوعي تدعو إلى حكومة انقاذ عاجلة لمواجهة مضاعفات الكارثة

وقد تجلى ذلك في تعامل تلك القوى مع  المبادرة الفرنسية ووجهتها الإنقاذية والإصلاحية في آن، وانتهت إلى التفريط بها ووأدها على مذبح  المكاسب المرتجاة ورافضة تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الوطنية، وترك البلاد تتخبط وسط بحر من الأزمات، مع حكومة ولدت مشلولة أصلاً وهي الأن عاجزة عن تصريف الأعمال.